ست سنوات من التيه الكردي.. قراءة في كتاب روجآفا – خديعة الأسد الكبرى (3/3)

0

الكاتب: حسين جلبي.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: ميسلون للطباعة والنشر/ إسطنبول/ط١، ورقية، ٢٠١٨م.

ثامنا: روجآفا؛ تبعات الوضع الكردي في سوريا.

إن نظام الأسد هو المستفيد الأكبر من روجآفا.

يؤكد ذلك الكاتب في نتائجه النهائية لبحثه المطول ٤٥٠ ص، على نقاط كثيرة أهمها: أن النظام المستبد السوري هو المستفيد الأكبر والوحيد من قيام ال ب ي د بالسيطرة على منطقة التواجد الكردي في الشمال والشمال الشرقي السوري؛ حيث الأغلبية الكردية بين سكان المنطقة هناك.

لقد سخّر النظام تنظيم ال ب ك ك بفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي الـ ب ي د ليكون قوته الباطشة في ذلك الحيز الجغرافي والسكاني، وبقي هو يراقب وينسق ويقود التطورات، لقد أسقط حراك الثورة السلمي في تلك المناطق، وضرب نويات الحراك المسلح للجيش الحر، نهب واستولى على خيرات البلاد وجيّرها لمصلحة النظام السوري، ضرب الأحزاب الكردية المعارضة وما نتج عنها من المجلس الوطني الكردي، ومنع أي امتداد في الداخل السوري، عبر القتل والاعتقال والنفي والنهب المنظم.

ضيع طاقات الشباب الكردي عبر تجنيدهم الإجباري في الأشاوس قواته العسكرية وبقية تشكيلاته العسكرية والمجتمعية، وجعلهم وقود خدمة النظام ضد أهلهم ومجتمعهم. كما اعتمد على خطف الأطفال دون الثامنة عشرة وإلحاقهم بقواته العسكرية. ضرب السلك التعليمي، وأغلق المدارس، وحوّل برامجها البعض منها إلى عبادة الفرد عبد الله أوجلان أو حزب الاتحاد الديمقراطي ال ب ي د. كما دمر الروابط الأسرية حيث دفع الأطفال عبر مغريات كثيرة للالتحاق بتشكيلاته دون رضا الأهل، حيث أدى لدمار مستقبل هؤلاء الأطفال والشباب وأسرهم أيضا.

كما حصل تهجير قسري أحيانا، وكان طوعيا في أغلب الأحيان بين الكرد إلى إقليم كردستان العراق، ومنها إلى كل بلاد العالم، خروج بدون عودة. كما أدّى لإفقار الكرد السوريين الذين كانوا ضحية إفقار دائم وضرائب ونهب وسرقات وابتزاز مالي في إجراء أي معاملة أو بالتنقل داخل الإقليم أو خارجه.

كما فُقد الأمن والأمان داخل الإقليم، حيث من الممكن أن يتعرض أي شخص أو أسرة لإساءة ال ب ي د لأسباب شخصية أو سخيفة، وتؤدي للاعتقال والتعذيب والقتل أحيانا. كما أن كل ذلك أدى بالمحصلة النهائية لاستلام زمام أمور الكرد من غير المؤهلين، صحيح أن ال ب ي د قد أخمد الثورة في مناطق الكرد لصالح النظام، وزاد على ذلك بضرب البنية المجتمعية ذاتها. كما أنه حوّل المجتمع كله إلى بنية عسكرية منضوية في ال ب ي د وتشكيلاتها، التي أوقفت كل مظاهر الحياة الأخرى من أعمال اقتصادية وتعليم وبناء مستقبل أفضل لكل انسان، بل جعلهم جنود فقط لخدمة أجندة ال ب ي د ومن ورائها النظام السوري، وبدماء الكرد أنفسهم.

كما أظهرت التجربة أن الأحزاب الكردية ضعيفة وصغيرة ومتفرقة وغير ممتدة شعبيا، وعاجزة عن أن تحمل هم الثورة السورية أو حماية ال وحقوقهم، ناهيك عن حماية نفسها، فكان مصيرها الإقصاء في الداخل السوري، وبقي لها صوت إعلامي خارجي مع المعارضة السورية أجوف ودون جدوى مع غياب التأثير والفاعلية. ونفس التوصيف يقال عن النخبة الكردية التي تعالت عن التعاطي الجدي مع مأساة الكرد السوريين مع ال ب ي د وروجآفا التي ابتدعوها. وكان من أخطر نتائج هذه السنوات العجاف لسيطرة ال ب ي د على مناطق الغالبية الكردية في سوريا هو: التهجير والتغيير الديمغرافي وهروب الكرد إلى خارج بلدانهم وبيوتهم وأرضهم ومصالحهم إلى المنافي دون التفكير بالعودة إلى حياة جحيم لم يصدقوا أنهم هربوا منها.

تاسعا: نهاية روجآفا؟!.

يتابع الكاتب رصده لواقع حال ال ب ي د في مناطق التواجد الكردي في سوريا، إنهم عندما تدخل التحالف الدولي وساعد على إنهاء داعش في سوريا والعراق، وبعد أن تحالفت روسيا وإيران والميليشيات الطائفية مثل: حزب الله والأفغان والعراقيين، على ضرب الثورة السورية وإنهاء وجودها عن أغلب الأرض السورية، بصمت دولي ورضى ضمني أمريكي (إسرائيلي)، وعودة سيطرة النظام السوري للسيطرة على أغلب سوريا.

بدأ حزب ال ب ي د إلغاء تداول تعبير روجآفا، وتزامن ذلك مع عودة النظام السوري علناً إلى المدن والبلدات ذات الأغلبية الكردية واستلامه المواقع الرسمية. واقتصر دور ال ب ي د على التواجد في مناطق الشمال السوري والجزيرة حيث تم استخدامهم كبندقية للإيجار في حرب التحالف الدولي بقيادة أمريكا ضد داعش، كانوا القوة الضاربة على الأرض لصالح التحالف الدولي، وبهذا الشكل كانوا معبرين عن واقع التحالف العملي بين النظام وأمريكا في موضوع داعش. ولا يزال ل ب ي د أدوار أخرى تنتظر أن تؤديها، كل ذلك في أوائل العام ٢٠١٧م.

هنا ينتهي الكتاب.

اخيراً: ولنا كلمة.

٠١ بداية نحن أمام كتاب مرجعي مليء بالمعلومات، أغلبها ميداني، كما أن الكاتب يتحلى بالنظرة الموضوعية، لا ينحاز لطرف ما، ولا ينتمي بشكل أعمى للقضية الكردية، لقد التزم -بحدود ما أرى- بالأسلوب العلمي لبحث مهم جدا غطّى ثغرة معلوماتية لحالة لا تزال تتحرك على الأرض السورية، إنها القضية الكردية في سوريا ودور ال ب ي د فيها، في زمن فاعلها الإقليمي والدولي الذي لم ينته بعد، وهي في حركية واحتمالية لنتائج متنوعة ومختلفة مستقبلا. ونحن في الشهر العاشر من عام ٢٠١٩م.

٠٢ كان من المفترض أن يقترب الكتاب أكثر من واقع العلاقة بين حزب ال ب ي د بصفته امتداد ال ب ك ك تاريخيا مع عدوه كما يرى “تركيا”، لأن أي نظرة ل ب ي د ودورها دون دخول العامل التركي على واقع العلاقة يجعل الرؤية للواقع السوري والتركي والقضية السورية ناقصا وقاصرا. نعم إن الأتراك يرون ال ب ك ك عدوهم الاستراتيجي لعقود مضت، ويرونه تهديدا داخليا يريد تقسيم البلاد وبناء دولة كردية على جزء منها، لذلك حاربته حتى وصلت لأوجلان واعتقلته وأغلقت الملف، وأدخلت الكرد في العملية السياسية التركية عبر حزب الشعوب الديمقراطية الجناح المدني لبقايا ال ب ك ك القابلين الانخراط في العملية الديمقراطية التركية، لكن متغير الربيع العربي واختلاط الأوراق إقليميا ودوليا مجددا؛ أعاد إحياء ال ب ك ك في سوريا عبر ال ب ي د، وبدأ دورا صداميا في الداخل التركي وفق أجندته السابقة، لأن تركيا انحازت لصالح الثورة السورية ومطالب الشعب السوري العادلة.

حيث انخرط الأتراك في القضية السورية مع الثورة بقوة عبر الدعم السياسي واللوجستي، ولكنه اصطدم لاحقا مع التوافقات الدولية على بقاء النظام السوري رغم كل جرائمه. واصطدموا مع الروس إلى درجة احتمال الحرب بعد إسقاط طائرتهم فوق الأراضي السورية. لذلك انكفأ الأتراك إلى دور محدود بالتوافق مع روسيا وإيران، وتسليمهم الملف السوري من قبل أمريكا وحلفائها الدوليين والإقليميين.

أصبح أهم مطلب للأتراك هو إعادة حماية أنفسهم من ال ب ك ك والقاعدة الذين بدأوا في وقت ما في الضرب في العمق التركي، نجحت تركيا مع دول العالم في ضرب داعش وهزيمتها داخلها وخارجها، أما حزب ال ب ي د فما زالت أجندة تركيا قائمة سواء بالقضاء عليه أو تحجيم دوره وتأثيره في الداخل التركي على أقل تقدير، واعتمدت تركيا لذلك على خلق حاجز بشري وجغرافي داخل الأراضي السورية في منطقة غصن الزيتون ودرع الفرات، وهي الآن تعمل للتمدد على بقية الشريط الحدودي شرق الفرات المحاذي لتركيا حيث سيطرة ال ب ي د، لتمنع إمكانية تسلل ال ب ي د إلى الداخل التركي. يعني حاجزا من البحر المتوسط إلى الحدود العراقية التركية السورية المشتركة.

٠٣ كان من المفترض التحدث بتوسع أكثر عن الدور الإقليمي والدولي الذي سمح بوجود ال ب ي د وتمددها، لماذا تم تدريب البيشمركة بالآلاف من ال السوريين في إقليم كردستان العراق، لكنهم منعوا من أي دور داخل سوريا، وتركت الأرض مفتوحة ل ب ي د، وكأن هناك قرار دولي بأن تبقى تلك المنطقة تحت سيطرة النظام السوري، وتصبح شوكة في خاصرة تركيا تؤلمها وتضرها.

لا نصدق أن فلول ال ب ك ك بقوتهم الخاصة وبمساعدة النظام السوري المتهالك، قد استطاعت أن تجعل نفسها القوة الأكبر في مناطق التواجد الكردي في سوريا، وهي جوار إقليم كردستان العراق التابع لأمريكا، وبجوار تركيا الدولة القوية، من أين لها القدرة المالية والتسليحية لأن تصبح القوة الضاربة في مناطق التواجد الكردي، كل ذلك لولا إرادة أمريكية، ما كان ليحصل. أمريكا التي سرعان ما استخدمت ال ب ي د، ودعمته بالإمداد بالمال والسلاح الثقيل في معركتها مع داعش. وظهر هذا جليا في معركة تحرير كوباني. كل ذلك مع صمت من روسيا حليفة النظام السوري. لولا ذلك لما حصل ما حصل.

٠٤ كما أن من المهم الاستنتاج أن مآل مناطق الأغلبية الكردية في سوريا، قد أصابها ما أصاب سوريا وشعبها كله، من تهجير وسيطرة أمنية، وتجييش وضرب البنى المجتمعية والتعليمية والضرر الاجتماعي والاقتصادي وخلق صراع اجتماعي بين مكوناته، وتحول بعض ال لمرتزقة وأغلبهم لضحايا، كل ذلك يحصل ولا حروب حقيقية حصلت في مناطقهم باستثناء دور ال ب ي د، بينما كان للنظام السوري ذات الدور عبر قتل وتشريد واعتقال وتهجير الشعب السوري هذا عدا عن تدمير أغلب مدنه وبلداته وضرب القوة الاقتصادية، وضرب الروابط المجتمعية وخلق أسباب للصراع الطائفي والأهلي الذي يحتاج لعشرات السنين في دولة ديمقراطية لإعادته للوضع الإنساني السوي.

٠٥ يجب التركيز أيضا على دور ال ب ي د الحالي في سوريا الداخل بالتوافق مع أمريكا في مناطق سيطرتها على منطقة الجزيرة والشمال السوري، حيث منطقة النفط والغاز وإمداد الحبوب والقطن لسوريا كلها، مع إدراك وفهم الحضور الأمريكي الطاغي في هذه المناطق، والتساؤل عن استراتيجيات الأمريكان هناك، هل هي ورقة ضغط على النظام فقط لتحقيق مصالح أمريكية محددة معه؟ أم هي مقدمات تقسيم واقعي لسوريا على المدى البعيد؟!. مع احتفاظ أمريكا بحضورها بأهم مناطق سوريا الاستراتيجية، وبهذا الشكل يكون حزب ال ب ي د ليس مجرد بندقية للإيجار عند الأمريكان، بل وسيلة تقسيم واستعمار حقيقي لسوريا وإلى مدى زمني غير محدد.

أخيراً: نحن أمام كتاب مهم غطّى فترة مهمة وموضوع مهم ينير زاوية مما عاشه الشعب السوري في نضاله لإسقاط النظام وتحقيق أهداف الشعب بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل…

الكتاب نقطة ضوء في هذا المسار.

إقرأ المزيد:

ست سنوات من التيه الكُردي.. قراءة في كتاب: روجآفا – خديعة الأسد الكبرى (1/3)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!