الاستبداد والبدانة المجتمعية

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

دائماً ما كانت البدانة مرتبطة بصورة ذهنية ثقافية جاهزة على أنها تعبير عميق عن الثراء الفاحش والراحة النفسية والارستقراط الاجتماعي. هذه الصورة النمطية التي جسدها التاريخ الفني الإنساني منذ بدايته حتى عصرنا الحالي.

منذ أن أصبح الإنسان قادراً على خلق آلهته، وتجسيدها فنياً وجمالياً، خلال آلاف السنين، كان قد حدّد أنماط لهذا التجسيد، ابتداءً من منحوتات السومريين وشكل عشتار المتكور، وفينوس في المجتمعات الأوروبية واستراليا، وحتى سيواكواتل المرأة التي تلد عند الهنود الحمر، وانتهاء بلوحات القرن التاسع عشر لتصوير الطبقات الارستقراطية.

في هذا التاريخ الفني، نستطيع أن نحدد رؤية المجتمعات وتطورها، باعتبار الفن هو انعكاس للوعي الجمالي عند الشعوب، وأيضاً انعكاس نقدي لطبيعة المجتمع السياسية والاقتصادية. لكن المثير خلال هذه الآلاف من السنين، وجود نمط جوهري للفن، وهو الامتلاء الجسدي لدى الإناث، بتسمية أقرب للحقيقة، إنها البدانة.

لقد ارتبطت البدانة في التجسيد الفني كصورة حصرية عن الرفاهية ودلالة عن الخصوبة والغذاء الجيد. فالآلهة الأنثوية البدائية جميعها متكوّرة (بدينة) في تدليل على الخصوبة والاستمرار، حتى فنون عصر النهضة مارست ذات الشكل من تصوير النساء الممتلئات كإثبات على الغذاء الوفير والراحة؛ لكن هذا التجسيد بقي حبيس الصورة، ففي فترة تصاعد المجتمع الصناعي بدأت الارستقراطيات تبحث عن الرشاقة، مُخلّفة ورائها الصورة النمطية لثقافة الغذاء الوفير في الطبقات الأدنى، فانتشرت ظاهرة البدانة في المجتمعات الفقيرة.

في عصرنا الحالي، أصبحت البدانة (بعيداً عن شكلها الصحي المسبب للأمراض) غير مقبولة في المستوى الجمالي، فأصبح البحث عن الرشاقة هو الهدف الأسمى للإنسان، لكن مع ذلك ما زالت البدانة تحتل المراكز المتقدمة في الأشكال الجسدية.

ارتبطت البدانة في التجسيد الفني كصورة حصرية عن الرفاهية ودلالة عن الخصوبة والغذاء الجيد. فالآلهة الأنثوية البدائية جميعها متكوّرة بدينة في تدليل على الخصوبة والاستمرار.

هنا تظهر ناحيتين يمكن أن نفسر من خلالهما أسباب هذه البدانة المفرطة واستمرارها، الأولى هي الجين الوراثي، فحتى عهد قريب كانت فكرة تخزين الدهون في الجسم هي صورة مضادة لندرة الطعام والجوع الشرس، حتى في المستوى الجنسي، كانت فكرة الأكثر امتلاء هي التي تكون أكثر قدرة على تحمل المصاعب والشقاء والإنجاب، إنها صورة جاهزة لثقافة قديمة. هذا الجين الوراثي كان قبل قرن لا يزال يعمل بشكل أساسي في المجتمعات التي كانت لا تزال تعيش مرحلة البؤس الاقتصادي.

فعندما نشاهد ونقرأ عن احصائيات البدانة في مجتمعات كالخليج بالعام، أو تركيا أو شمال أفريقيا أو الهند أو بعض دول أمريكا اللاتينية أو حتى الولايات المتحدة، نستطيع أن نفهم تجربة البؤس التاريخية التي عاشتها هذه المجتمعات في جيناتهم الوراثية والتي تحتاج زمناً طويلاً للتخلص منها.

تجارب تجاوزت رفاهية اليوم، فقبل قرن فقط كانت هذه الدول تعاني أشكالاً من الصراعات المريرة والظروف القاسية التي خلقت أنماط من البدانة المُخزّنة، التي تم توريثها لليوم.

النقطة الثانية للبدانة، هي جانبها السياسي الاستبدادي. إن حالة الاستبداد تؤدي بشكل تلقائي إلى ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة، وبالتالي خلق مستويات أكثر فقراً، وهذا الفقر أيضاً يؤدي بشكل تلقائي إلى غذاء سيء، يعتمد على كميات هائلة من السكريات والنشويات واللحوم الرديئة من أمثال الشحوم والدهون، من أجل الحفاظ على الطاقة والاستمرار في الحياة والعمل بظروف قاسية.

بطريقة ما يجب أن يتم النظر إلى مفهوم البدانة اليوم على أنه ليس نمط من القوة الجسدية أو الغذاء الجيد، بل حالة اضطرابية ما بين تاريخ وراثي للأزمات والصراعات وحالة معاصرة من فقر ناتج عن استبداد سياسي، وفي أحسن الأحوال رفاهية زائفة لعالم استهلاكي.

ففي عالم اليوم عندما ترتفع نسبة البدانة في مجتمع، فبوضوح يمكن أن نعزو ذلك إلى الفقر الاقتصادي الذي يعتمد على أنماط غذائية سيئة، بغض النظر عن الجين الوراثي الذي كان ممارس قبل سنوات في مجتمعات خاضت حصاراً أو أزمات.

ففي إحصائية لمنظمة الصحة العالمية لنسبة البدانة في العالم لعام 2010، احتلت الدول العربية جميعها المراكز ال 21 الأولى بالبدانة، تليها مجتمعات حوض المتوسط وأمريكا، واحتلت سوريا المركز العاشر.

مثل هذه الإحصائية تضعنا أمام فهم شامل بأنّ بدانة المجتمع ترتبط بطبيعة الاستبداد السياسي والاقتصادي، حيناً لظروف تاريخية متوارثة كما قلنا في الخليج وتركيا وأمريكا رغم رفاهية اليوم، وحيناً آخر لظروف معاصرة من الفقر كسوريا والأردن ولبنان والعراق، التي تعيش تحت سلطات قمعيّة تنهب الشعوب وتترك لهم أسوأ أنواع الأغذية التي تسبب الأمراض التراكمية دون فائدة حقيقية لها.

بطريقة ما يجب أن يتم النظر إلى مفهوم البدانة اليوم على أنه ليس نمط من القوة الجسدية أو الغذاء الجيد، بل حالة اضطرابية ما بين تاريخ وراثي للأزمات والصراعات وحالة معاصرة من فقر ناتج عن استبداد سياسي، وفي أحسن الأحوال رفاهية زائفة لعالم استهلاكي.

البدانة ليست نمط فني يعبّر عن الرفاهية كما تم تصويره في تاريخنا الإنساني، وما زال راسخاً في بعض العقول الأكثر تبجحاً بالعلم، بل هو بدقة تجسيد جوهري لتاريخ البؤس.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!