محطات من تاريخ الصراع الكُردي – التركي (1/3)

0
الأيام السورية؛ قسم الأخبار

وقع الكُرد في بدايات القرن 16 ضحية صراع قوتين حاولت كل منهما استمالة الكُرد إلى جانبها في هذا الصراع  الطويل،   ففي عام (1515م) بعد معركة جالديران 1514م، بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية والتي قسمت ، بالواقع، كُردستان العراق بين الدولتين، وجاءت المعركة المذكورة لتضع أغلبية أراضي كُردستان تحت سيطرة العثمانيين، قام العلامة إدريس البدليسي، بعد تفويضه من قبل السلطان العثماني، بعقد اتفاقية مع الأمراء الكُرد، يتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات على كُردستان وبقاء الحكم الوراثي فيها ومساندة الأستانة لها عند تعرضها للغزو أو الاعتداء مقابل أن تدفع الإمارات الكُردية رسومات سنوية كرمز لتبعيتها للدولة العثمانية وأن تشارك إلى جانب الجيش العثماني في أية معارك تخوضها الإمبراطورية إضافة إلى ذكر اسم السلطان والدعاء له على المنابر في خطبة الجمعة.

وفي عام (1555م) عقدت الدولتان الصفوية والعثمانية اتفاقية ثنائية عرفت بـ”أماسيا” وهي أول معاهدة رسمية بين الدولتين. وتم بموجبها تكريس تقسيم كُردستان رسمياً وفق وثيقة رسمية نصت على تعيين الحدود بين الدولتين، وخاصة في مناطق شهرزور، وقارص، وبايزيد (وهي مناطق كُردية صرفة).

وتبعت تلك المعاهدة، معاهدات واتفاقيات لاحقة منها: معاهدة “زهاو” أو تنظيم الحدود عام (1639م) بين الشاه عباس والسلطان مراد الرابع، وتم التأكيد على معاهدة أماسيا بالنسبة لتعيين الحدود، وهذا زاد من تعميق المشكلة الكُردية، ثم عقدت بعد ذلك معاهدات أخرى مثل “أرضروم الأولى” (1823م) و”أرضروم الثانية” (1847م). واتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين: الإيرانية والعثمانية عام (1913م) في الأستانة، وكذلك بروتوكول الأستانة، وكرست جميع هذه المعاهدات تقسيم كُردستان، وبالرغم من هذا، فإن الدولتين العثمانية والإيرانية، لم تتمكنا من بسط سيطرتهما على كُردستان لأسباب عدة، منها طبوغرافية كُردستان المعقدة، ودفاع الكُرد عن أراضيهم ببسالة.

مؤثرات سلبية على مستقبل القضية الكُردية

إن اشتداد الصراع الدولي في الشرق، وخاصة بين القوتين البريطانية والروسية أثرّ بشكل سلبيً في مستقبل الشعب الكُردي، وأخرج المشكلة الكُردية من الطابع الإقليمي إلى الطابع الدولي وجاءت اتفاقية سايكس بيكو عام (1916) بتقسيم تركة الدولة العثمانية، وبما أن القسم الأكبر من كُردستان كان تحت السيطرة العثمانية، فقد شملها التقسيم، وهذا الوضع الجديد عمّق بشكل فعّال من تعقيد المشكلة الكُردية، وأخرجها من الطابع الإقليمي إلى الطابع الدولي، حيث تعد معاهدة سايكس بيكو أول معاهدة دولية اشتركت فيها ثلاث دول كبرى، وحطمت الآمال الكُردية في تحقيق حقهم المشروع في تقرير المصير.

بعد الحرب العالمية الأولى

برزت إمكانية حل المشكلة الكُردية إلى الوجود لأول مرة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ولعل سببها إيجاد منطقة عازلة بين أتراك الأناضول والأقوام التي تتكلم اللغة التركية في آسيا الوسطى والقفقاس وبصورة خاصة في أذربيجان.

وقد تحرك الكُرد وبذلوا جهوداً مضنية لإيصال صوتهم إلى مؤتمر الصلح في باريس عام (1919) على أمل أن ينالوا حقوقهم المشروعة، ولا سيما بعد أن صرح رئيس الولايات المتحدة الأميركية ويدرو ويلسن بحق الشعوب في تقرير مصيرها في بنوده الأربعة عشر المشهورة، ولم يكن للكُرد كيان سياسي مستقل حتى يشارك وفدهم رسمياً في ذلك المؤتمر، شأنهم شأن القوميات والشعوب المضطهدة الأخرى، ولذلك خول الشعب الكُردي من خلال العشائر والجمعيات السياسية شريف باشا لتمثيلهم والمطالبة بالمطالب الكُردية المشروعة.

وأصدر الحلفاء بعد استكمال تحضيراتهم للمؤتمر قراراً في شهر يناير/كانون الثاني 1919 نص على ما يأتي: “… إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين وكُردستان وفلسطين والبلاد العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية”.

وانطلاقاً من هذا القرار قدم الممثل الكُردي شريف باشا مذكرتين مع خريطتين لكُردستان إلى المؤتمر، إحداهما بتاريخ (21/3/1919م) والأخرى يوم (1/3/1920). كما طلب من القائمين على شؤون المؤتمر تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كُردستان المناطق التي تسكن فيها الغالبية الكُردية، وإضافة إلى ذلك فقد جاء في المذكرة الأولى “إن تجزئة كُردستان لا يخدم السلم في الشرق…”.

كما جاء في المذكرة الثانية “إن الترك يتظاهرون علناً بأنهم مع المطالب الكُردية، وإنهم متسامحون معهم، لكن الواقع لا يدل على ذلك مطلقاً…” كما طالب شريف باشا رسمياً من رئيس المؤتمر جورج كليمنصو أن يمارس نفوذه مع حكومة الأستانة لمنع اضطهاد الشعب الكُردي، وجاء في رسالته إلى رئيس المؤتمر: إنه منذ أن تسلمت جماعة الاتحاد والترقي السلطة فإن جميع الذين يحملون آمال الحرية القومية قد تعرضوا للاضطهاد المستمر.. وإنه من الواجب الإنساني في المجلس الأعلى أن يمنع إراقة الدماء مجدداً، وإن السبيل لضمان السلم في كُردستان هو التخلي عن مشروع تقسيم هذه البلاد (أي كُردستان)

ودل كل ذلك على أن المشكلة الكُردية تقدمت خطوة كبيرة إلى الأمام في أعقاب الحرب. وما تصريح كليمنصو عندما أعلن على الملأ في مؤتمر الصلح إلا إحدى العلامات حيث قال “إن الحكومة التركية ليست قادرة وكفؤة لإدارة الأمم الأخرى، لذلك لا يوثق بها ولا يجوز أن تعاد إلى سيطرة الأتراك قومية عانت من مظالم الأتراك واستبدادهم”.

وعندما رأى شريف باشا أن تعاطف الدول الأوروبية كبير مع القضية الأرمنية، بادر إلى عقد اتفاقية مع ممثل الأرمن بوغوص نوبار وبحضور الرئيس المؤقت لوفد جمهورية أرمينيا أوهانجيان. ووقع الجانبان ـ باسم الشعبين ـ الاتفاقية، مؤكدين فيها على أن للكُرد والأرمن مصالح وأهدافا مشتركة هي: الاستقلال، والتخلص من السيطرة العثمانية.. وقدما نص الاتفاقية بمذكرة رسمية إلى المجلس الأعلى للمؤتمر، ووافق المجلس مبدئياً على المذكرة، ووصف المندوب السياسي البريطاني في الأستانة الاتفاقية بأنها من أسعد البشائر.

سايكس وبيكو (نون برس)

معاهدة سيفر (1920)

نجح شريف باشا في إدخال ثلاثة بنود تتعلق بالقضية الكُردية في معاهدة سيفر التي أبرمها الحلفاء بباريس في أغسطس /آب 1920، وقد كرس ذلك عملية تدويل القضية الكُردية بصورة رسمية، رغم أن الدولة العثمانية حاولت مراراً أن تصف القضية الكُردية بأنها قضية داخلية تستطيع الدولة حلها.

وتعد معاهدة سيفر وثيقة فريدة في تاريخ القضية الكُردية، حيث نصت على تحقيق حل المشكلة الكُردية بمراحل، وإذا اجتاز الكُرد هذه المراحل، وطالبوا بالاستقلال، ورأت دول الحلفاء أهلية الكُرد لذلك يصبح الاستقلال أمرا واقعياً، وعلى الحكومة التركية الاعتراف بذلك…

ويعد هذا أول اعتراف رسمي دولي بحقوق الشعب الكُردي، ولا سيما حق تقرير المصير حيث طرحت المسألة في العرف القانوني للمعاهدات الدولية، وقد وصف كمال أتاتورك المعاهدة بأنها بمثابة حكم الإعدام على تركيا، وحاول بمختلف الوسائل وضع العراقيل لمنع تطبيق المعاهدة… ولذلك بقيت معاهدة سيفر حبراً على ورق، إلا أن هذا الورق أصبح وقوداً لنضال الحركة القومية الكُردية فيما بعد.

ذهاب الوعود

لم يمر عام ونصف العام على توقيع معاهدة سيفر حتى طرحت فكرة إعادة النظر فيها، وجاءت هذه المواقف من قبل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، واتخذ المجلس الأعلى للحلفاء قراراً بهذا الشأن يوم (25 يناير 1921) إضافة إلى توجيه الدعوة إلى وفد حكومة أنقرة لحضور المؤتمر القادم، الأمر الذي دلّ على اعتراف الحلفاء بالواقع الجديد في تركيا.

مؤتمر لندن (1921)

عقد مؤتمر بلندن في فبراير/ شباط 1921 لبحث المشاكل العالقة، ومن ضمنها المشكلة الكُردية، حيث اعتزم الحلفاء إعطاء تنازلات مهمة في هذه القضية، لكن الحكومة التركية أصرت على أن المسألة داخلية، يمكن حلها داخلياً، ولا سيما أن الكُرد لهم الرغبة في العيش مع إخوانهم الأتراك حسب ما زعمت آنذاك، وأثناء انعقاد مؤتمر لندن، عقدت حكومة أنقرة عدداً من الاتفاقيات الدولية التي كرست الشرعية الدولية القانونية للنظام الجديد في تركيا… ثم قامت الحكومة الجديدة بإلغاء جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمتها حكومة الأستانة ومن ضمنها معاهدة سيفر. كل ذلك أدى إلى تعزيز مكانة الحكومة التركية الجديدة.. وبذلك فشل مؤتمر لندن لتوجه ضربة إضافية للآمال القومية الكُردية.

معاهدة لوزان (1923)

جاءت فكرة عقد معاهدة لوزان بعد الانتصارات الكبيرة التي حققتها الحكومة التركية الجديدة على الجيش اليوناني، وبذلك ظهرت تركيا كدولة فتية قوية لأول مرة بعد قرنين، وقامت الحكومة الجديدة بتحسين العلاقة مع جارها الاتحاد السوفياتي، وعقدت مباحثات المعاهدة على فترتين: استمرت الأولى نحو ثلاثة أشهر بين نهاية العام 1922 وبداية العام 1923، والفترة الثانية استمرت الفترة ذاتها ما بين ربيع وصيف عام 1923.

ونصت معاهدة لوزان على أن تتعهد أنقرة بمنح معظم سكان تركيا الحماية التامة والكاملة، ومنح الحريات دون تمييز، من غير أن ترد أية إشارة للكُرد فيها، كما لم تجر الإشارة إلى معاهدة سيفر، وعدّ الكُرد هذه المعاهدة ضربةٌ قاسية ضد مستقبلهم ومحطمة لآمالهم…

وبذلك يتحمل الحلفاء المسؤولية الأخلاقية الكاملة تجاه الشعب الكُردي ولا سيما الحكومة البريطانية التي ألحقت فيما بعد ولاية الموصل ـ التي يشكل الكُرد فيها الأغلبية المطلقة ـ بالعراق.

وأدى كل ذلك إلى ازدياد المشكلة الكُردية تعقيداً بعد أن أصبح الشعب الكُردي موزع عمليا وقانونيا بين أربع دول بدل دولتين، لتزداد معاناته وليبدأ فصل جديد من فصول علاقته بالدول الجديدة طغى عليها التوتر والعنف الذي لم يجد حتى اليوم حلولا عادلة، فيما بدأت الأحزاب والقوى القومية الكُردية تتشكل لكي تقود النضال والكفاح من أجل حق تقرير المصير.

مصدر  الجزيرة نت، الحرة  هوشنك أوسي، موقع الديار  موقع جريد ة الأيام السورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!