جدران إسرائيل للفصل العنصري… جدار الأردن

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تقديم

لا تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى التعريف بجدران الفصل بين البشر في العصور القديمة والمعاصرة بشكل عام؛ بل هدفها استحضار أشهر الجدران التي أقيمت لغايات متعددة، وتتجلّى وظائفها في تحقيق غايات لا عنفية.

بمعنى أنها ليست استراتيجية حربية في النزاعات المسلحة فقط، بل إنها تبنى حيث لم تستطع الحرب وكذلك جهود السلام إيجاد حل للصراع بين طرفين متنازعين، فتغدو بذلك قوة ردع أكثر منها قوة دفاع، وبالتالي فإننا نجد تصنيفها عند الكثير من الخبراء بوصفها قوة ناعمة.

وقد بات معروفاّ أنّ الحرب الحديثة قد خففت من تلك الجدران العنفية كوسائل فاعلة في النزاعات المسلحة، بينما جدران الفصل، رغم أن القانون الدولي والميثاق الدولي لحقوق الإنسان ببنود كثيرة يعدان ذلك خرقا كبيرا، ماتزال تتزايد سواء بإنشائها أو الدعوات المروجة لها، مثل ما يقوم به الآن رئيس الولايات المتحدة “ترامب” من حيث إصراره على بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ومن حيث دعوته حكومة إسبانيا لبناء جدار عازل في الصحراء الكبرى لمنع أمواج الهجرة الواسعة إلى إسبانيا.

وفي هذه المقالات، سنقوم بتسليط الضوء على أشهر جدران الفصل (العزل) قديما وحديثا، والتي أقيمت بين طرفين يختلفان بالواقع التاريخي اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً، أو سياسيّاً، أو فكريّاً، أو اثنيّا، وذلك من خلال التعريف باسم الجدار وبالأقوام الذين هم على طرفيه، وكذلك التعرف على مكانه وزمانه، والوقوف على أسباب بنائه ومآلات الفصل.

جدار الأردن

إنشاء الجدار

منذ بداية هذا العام (2016) و”إسرائيل” تواصل بناء “جدار أمني” على الحدود مع الأردن, وبحسب ادعاءات وزارة حرب الاحتلال فإن “هدف الجدار حماية المواطنين الإسرائيليين من أي تهديد أمني آت من الأردن”، وإن “الجدار الأمني على الحدود الأردنية سيكون مشابهًا للجدار القائم على الحدود المصرية والجولان وسيشمل طرقات وأبراج مراقبة ومراكز عملانية ووسائل أخرى تقنية متطورة، على أن ينتهي البناء في نهاية 2016 “.وبحسب المصادر الإسرائيلية فإن أعمال البناء لهذا الجدار مستمرة وقد انتهت المرحلة الاولى، وأن العمل جار لإنجاز باقي المراحل النهائية

قرار قديم

ويعود قرار الاحتلال بإقامة هذا الجدار إلى بداية العام 2012, حيث أعلن رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أن “إسرائيل” وبعد الانتهاء من إقامة السياج الأمني لحدودها الجنوبية مع جمهورية مصر سوف تشرع في إقامة جدارين على امتداد حدودها الشرقية والشمالية مع الأردن ولبنان بذريعة منع التسلل ولدواع أمنية، وذلك خلال جلسة لحكومة الاحتلال في الأول من كانون الثاني 2012.

ومن الواضح أن الحدود الشرقية تُمثّل منطقة حيوية للاحتلال الإسرائيلي لعدة اعتبارات أهمها امتدادها الكبير، ولكونها تُمثّل حدًّا طبيعيًّا مثاليًّا من الناحية العسكرية، بالإضافة إلى أن تلك المنطقة غنية بالموارد الطبيعية من أراض زراعية ومصادر مياه، وهو ما يفسّر سعي الاحتلال إلى إحكام السيطرة عليها عبر إقامة المستوطنات والقواعد العسكرية والمناطق العسكرية المغلقة ومنع الفلسطينيين من دخولها والتضييق على التجمعات الفلسطينية المحدودة الموجودة فيها في مجال البناء ومصادرة أراضيهم.

بداية العمل في الجدار

وقد بدأت الأعمال الإنشائية للجدار الإسرائيلي من منطقة إيلات جنوبًا (خليج العقبة) لتصل في النهاية إلى هضبة الجولان السورية شمالاً، مرورًا بغور الأردن، بما يشمل ذلك الحدود المشتركة بين الأردن والضفة الغربية، وبذلك فإن “الدولة الفلسطينية” على أراضي الضفة الغربية -بحسب فرضية حل الدولتين المفترض- ستغدو جزيرة معزولة عن محيطها العربي.

ويبدو أن “إسرائيل” بدأت بإنشاء الجدار انطلاقًا من إيلات بعيدًا عن الضفة الغربية من أجل تخفيف حدة الانتقادات الدولية لهذا المشروع الاستعماري، ولكن سكان الأغوار من الفلسطينيين يؤكدون أن عمليات التهيئة لبناء الجدار على الحدود بين الضفة والأردن تجري على قدم وساق

وبالتـأكيد فإن هذا الجدار عند إكماله سيستحوذ على مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية المحاذية للحدود الأردنية، وستكون المناطق المحاذية له على طول امتداده مناطق عسكرية مغلقة سيحظر على الفلسطينيين دخولها إطلاقًا.

برج مراقبة أمني في الجدار الفاصل (موقع رام الله)

عزل المنطقة الشرقية من الضفة

الواضح أن بناء هذا الجدار يأتي منسجمًا مع سياسة حكومة الاحتلال في  تكريس الأمر الواقع الذي تخلقه تدريجيًّا في الضفة الغربية, وهي السياسة القائمة على حصر أكبر عدد من الفلسطينيين في أقل مساحة ممكنة من أراضي الضفة, وكل هذا بحجج وذرائع أمنية, وفي هذا السياق فقد فرض الاحتلال عزل منطقة الأغوار الفلسطينية منذ العام 1967 بعد السيطرة على الضفة, حيث قامت “إسرائيل” وبشكل مُمنهج ببسط سيطرتها الفعلية على منطقة العزل الشرقية عبر إعلانها مناطق شاسعة مناطق عسكرية مغلقة يُحظر على الفلسطينيين الوجود فيها والتي باتت تشكل الآن أكثر من نصف إجمالي مساحة المنطقة البالغة 1664 كم² (51% من مساحة المنطقة).

خفايا إنشاء الجدار

وبحسب المحلل السياسي الإسرائيلي أفيخاي بيخور فإن “حدود إسرائيل مع الأردن تُعتبر الأكثر طولاً، ويبدو أن «وهم السلام» جعل الكثيرين يعتقدون أن الهدوء على هذه الجبهة سيدوم إلى الأبد، كما سيبقى النظام هناك إلى الأبد، ولكن عندما ننظر إلى الدول التي هي أقوى من الأردن والتي انهارت، نفهم بأن الأردن يواجه ضائقة، وخطورة الأوضاع هناك تهدد أيضًا إسرائيل، ما يتطلب بناء جدار بأسرع ما يمكن ، وهو كلام يفهم منه أن بناء الجدار الأمني الإسرائيلي وبقية المخططات الاستيطانية في غور الأردن تهدف لتحقيق أهداف الاحتلال السياسية بجعل نهر الأردن حدًّا طبيعيًّا آمنًا.

كما يمكن اعتبار بناء هذا الجدار منسجمًا مع سياسة إسرائيلية تقوم على ضم أجزاء الضفة الغربية بصورة تدريجية لدولة الاحتلال، وهو ما عبّر عنه صراحة رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي زئيف إلكين عندما دعا إلى ضم الضفة الغربية بشكل تدريجي إلى “إسرائيل”، معتبرًا أنه “لا مناص من ضم تدريجي لأجزاء من الضفة الغربية التي يعرف الجميع أنها ستبقى بيد إسرائيل”.

وبحسب مشروع آلون فإن حدود “إسرائيل” الدائمة يجب أن تكون قابلة للدفاع، وتعتمد على عوائق طبوغرافية دائمة، وأن تكون حدودًا سياسية، وهو ما يعني ضم أراض بعمق لا يقل عن 15كم على طول وادي الأردن والبحر الميت ومنطقة غوش عتصيون ومنطقة اللطرون.

ويأتي بناء الجدار الحدودي مع الأردن ليرسّخ هذا المشروع بصورة كاملة مترافقًا مع عمليات تغيير ديمغرافية وجغرافية في باقي مناطق الضفة الغربية، وهو ما يعني في النهاية القضاء على أي أمل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

الجدار الفاصل مع الأردني (همس نيوز)
مصدر وكالة الصحافة الفلسطينية صفا الخليج أونلاين
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!