الديمقراطية في عصر التشكيك

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

بشكل قطعي نستطيع أن نجزم بأن البشر الأحياء اليوم على سطح هذا الكوكب جميعهم (السبعة مليار ونصف) موقنين كلياً من فساد العالم، لكن مع ذلك لا شيء يتغير نحو الأفضل. بطريقة ما يمكن للبعض القول إن السبب الرئيسي لعدم وجود تغيير حقيقي هي القوة المستخدمة ضد إرادة الناس، حالة التشريد، القمع، والإبادة الكليّة.

لكن خلف هذه الحقيقة الواضحة تكمن ملامح لأسباب أخرى، وهي عدم جدية مشروع التغيير.

جميع الصراعات التي تتم اليوم بين السلطات والإرادة البائسة للشعوب، جوهرها وشعارها الأساسي هي الديمقراطية، لكن لماذا نشعر أحياناً بأن الديمقراطية تلك بشعاراتها العميقة لا تؤخذ على محمل الجد من قبل الدعاة؟. إننا مدركون للفساد العالمي ومع ذلك نمارسه بحرفية غير مسبوقة، ننقده ونسعى لنكون جزءً منه.

المسألة مرتبطة بفهمنا للمنطق الليبرالي. فمثلاً عندما نتابع مباراة لكرة القدم فيجب أن نتمتع بالروح الرياضية لنكون بطريقة ما جزء من حضارة هذا العالم القائم على مفهوم قبول الخسارة، وبالمقابل يجب أن ننظر للمتعصب الرياضي على أنه عبارة عن بربري ومتوحش، لا يمتلك الروح الرياضية ولا يقبل الهزيمة.

لكن هذا الرياضي المتعصب من زاوية أخرى، فإنه يأخذ فريقه على محمل الجد. إنه مؤمن بأحقية الفوز.

الفارق بيت المتعصب وبين من يملك الروح الرياضية ليس فارقاً في الوعي فحسب، بل بالجوهر، هو فارق بالإيمان، بأخذ الأشياء على محمل الجد فعلياً.

الفارق بيت المتعصب وبين من يملك الروح الرياضية ليس فارقاً في الوعي فحسب، بل بالجوهر، هو فارق بالإيمان، بأخذ الأشياء على محمل الجد فعلياً.

نحن متشككون إزاء هذه المفاهيم ضمن المنطق الليبرالي الحر، لذا دائماً ننظر إلى حالة الجدية كنوع من أنواع البربرية، ونمتلك مطلق الحرية في إطلاق تسميات سلبية متنوعة وهزلية أحياناً على أي حالة تأخذ الأمور على محمل الجد، لأنه في هذا الواقع يجب أن تكون على مستوى الرفض لأي كيان جدي باعتباره مناهضاً للثقافة والحياة المنفتحة.

هذا الموقف هو أحد الأسباب التي تدعو الآخر للتعصب إزاء جديته من المواضيع المؤمن بها، حالة الشرخ في مفاهيمنا الحداثية، تريد عالماً ديمقراطياً، منفتحاً، مسالماً، دون أن نكون جديين إزائه بمشاريعنا.

مثلاً، حالة انتشار خبر صعود اليمين في أوروبا، هزّ كيان الناس. هذا التخوف ليس نابعاً من تجارب ماضية فقط، بل هو تخوّف من إدراك عميق بأن اليمين يأخذ الأمور على محمل الجد إزاء مفاهيم السياسات كاملة بشكل تعصبي. ما أثار الناس هو مشروع قيد التنفيذ، وسينفّذ، بخلاف جوهر الطروحات في تلك المشاريع السياسية.

العالم الأكثر طرحاً لمشاريع الديمقراطية، لا يأخذ مسالة تطبيقها بشكل حقيقي على الأرض. بل أن الأمر لا يتعدى مرحلة شعارات ونوعاً ما بعض التطبيقات الهامشية التي لا تؤثر على تغيير شكل الحياة في هذا الكوكب إزاء السلطات المسيطرة على العالم.

العالم الأكثر طرحاً لمشاريع الديمقراطية، لا يأخذ مسالة تطبيقها بشكل حقيقي على الأرض. بل أن الأمر لا يتعدى مرحلة شعارات ونوعاً ما بعض التطبيقات الهامشية التي لا تؤثر على تغيير شكل الحياة في هذا الكوكب إزاء السلطات المسيطرة على العالم.

والمسألة هنا تمتد خارج نطاق الفعل السياسي الشامل لتدخل إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية التي نعيشها؛ فمثلاً، عندما تشاهد رجل أو امرأة متحرران بسلوكيات حياتهما من منطق أنهما يجابهان السلطات الخارجية، كأن يمارسا الجنس في مجتمع ذو قيود دون أن يرتبطا، ينظران إلى نفسيهما كقوة مضادة للمفاهيم السلطوية، لكن في لحظة المجابهة الحقيقية عندما يرغبان بإنجاب طفل، فإنهما مستعدان للارتباط والزواج والخضوع التام لمنطق قانون السلطات.

إن لحظة المجابهة الحقيقة مع السلطة ليست أن تمارس الجنس قبل أن تتزوج، بل أن تحطم صنمية السلطة التي تحدد لك ابنك كمعنى لقوة اقتصادية مستقبلية. هنا يصبح المشروع العاطفي بكل تبجحاته لبناء مستقبل أكثر حرية، وخلاص من قوانين سياسية واقتصادية تحدد شكل إنتاجك، ليس جدياً أبداً. هذا الشخص في مرحلة الفعل الجنسي كان أكثر ريادة في تدمير بنية السلطة بعدم الخضوع لها، وهو نفسه من يستمر بعد الخضوع لشكل المؤسسة باستمرار الحديث عن مناهضة السلطة مع إدراكه العميق والزائف بأنه اختار الخضوع لأنه لا يريد أن يجابه. نوع من النفاق وعدم أخذ مشروعه بشكل جدي.

إن هذا المثال يجعلنا نفهم كيف يتم التعامل بعدم جدية إزاء مشاريعنا التي نتبناها ونتبجّح بتحقيقها، والقياس قائم على مشاريع سياسية وديمقراطية أكبر في بقاع الأرض.

إننا لا نمتلك الإيمان الكافي لاستمرار أي مشروع، أو مناهضة قوة أكبر تسعى للسيطرة (وهنا لا نتحدث عن الإيمان بمعناه الضيق)، فالإيمان هنا لا يعني مناهضة الثقافة في عالم منفتح، بل يعني التمسك بشكل جدي لتغيير شكل الحياة وإنهاء القوة المسيطرة على البشر.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!