سيف بن ذي يزن.. الملك المتوج على الإنس والجن

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

سيرة شعبية خيالية تروي حكاية سيف بن ذي يزن الملك اليمني الذي طرد الأحباش من اليمن. وبعيداً عن التاريخ، تُحلق السيرة بعيداً في الأسطورة، فتلبس الملك سيف بن ذي يزن لباساً غير بشري، وتجعل له أصولاً جنية، فأمّه إحدى ملكات الجّن، وله أخت منهنّ. وتحكي السيرة عن زوجة سيف منية النفوس، وكيف اختطفها الأحباش واستعادها سيف منهم، كما تحكي عن ولده معد يكرب. وتجعل السيرة من سيف موحداً مسلماً على دين إبراهيم الخليل، ومن الأحباش وثنيين يعبدون الكواكب والنجوم، رغم أن دين الأحباش كان النصرانية.

وفي السيرة إشارات قومية واضحة، كما أن الخيال يجمح بها فيجعل من سيف بن ذي يزن ملكاً متوجاً على الإنس والجن.

وتشير السيرة إلى اختفاء سيف في آخر أيامه لاحقاً بأمه في عالمها. امتدت تأثيرات هذه السيرة على امتداد العالم الإسلامي، فدخلت الأدب الماليزي على أنها سيرة الملك يوسف ذي الليزان، وأثرت في الأدب القصصي في تلك البلاد مع السير العربية الأخرى و تقع السيرة في عشرين جزءا في أربعة مجلدات وهي واحدة من أطول السير العربية.

ومؤلفو هذه السيرة غير معروفين لدينا، ولكن لا نشك في أنهم كانوا ذوي خبرة واسعة بالمنطقة الأفريقية والصراع الذي نشب بين دولها وشعوبها، فضلاً عن إلمام بأحوال مصر وغيرها من البلاد المجاورة في تلك الفترة. ومن الجائز أن يهتدي الباحثون إلى أثر «كارمي» في تأليف هذه القصة، ومن المعروف أن الكارمية (تجار التوابل) عاشوا في مصر، وسافروا إلى بلاد الحبشة والدويلات الإسلامية في أفريقيا، وتجاوزوا ذلك إلى آسيا، وخبروا أحوال هذه البلاد واتصلوا بأهلها، وكان منهم أدباء وكتاب وعلماء، وتعرضوا في أيام سيف أرعد (1344 – 1272م) لمتاعب كثيرة في نقل تجارتهم إلى إثيوبيا، فقد حدث أن طلب سلطان مصر من بطريرك الإسكندرية زيادة الضرائب المقررة على المسيحيين، فرفض ، فزج به في السجن، فلما سمع بذلك سيف أرعد ، قبض على جميع تجار التوابل المصريين في مملكته وبعث بفرسانه لطرد القوافل الآتية من القاهرة إلى خارج الحدود الحبشية وبذلك أصاب التجار من مصر والحبشة الكساد والبوار.

أهميتها في الأدب الشعبي

تمثل سيرة سيف بن ذي يزن مرحلة مهمة من مراحل تطور الأدب الشعبي التي اشتدت فيها الدعوة المتحمسة إلى العروبة والإسلام معاً، في الوقت الذي كان فيه تأثير الحروب الصليبية ينفذ إلى قلب القارة الأفريقية، وكانت إثيوبيا المسيحية مبعثَ الحماسة الصليبية في هذه القارة.

ومن القصص التي شاعت إبان الحروب الصليبية بين أوروبا المسيحية والشرق، والواقع أن الحروب الصليبية خلقت في هذه المنطقة، كما في غيرها، كتلتين متخاصمتين، استغلت كل منهما القصص الشعبي سلاحاً من أسلحة الدعاية، فكان للسلطنات الإسلامية (الحبشية والكانمية) قصص شعبي يعبر عن التيار العربي والإسلامي، كما كان للشعوب المسيحية ممثلة في إثيوبيا بخاصة، قصص شعبي يعبر عن الحركة المضادة لهذا التيار.

ففي إثيوبيا، إبان الحروب الصليبية، تألفت قصة ملكة لإثيوبيا يقال لها «ماكدة» زعموا أنها زارت سليمان الحكيم في الشمال، في بيت المقدس، وأنجبت منه بالزواج ولداً يدعى «منيليك» تولى – بعد وفاة أمه الملكة – عرش إثيوبيا.

رسوم من وحي سيرة بن ذي يزن (موقع جقيقة)

المهاد التاريخي للسيرة

استمرت الحماسة الصليبية في إثيوبيا فترة بعد أن خمدت الحروب الصليبية ذاتها، فواصل ملوك الدولة السليمانية الإثيوبية حروبهم مع الدويلات الإسلامية التي طوقت إثيوبيا من الشرق والشمال والجنوب، وإلى جوارها السودان حيث كان الإسلام والهجرات العربية حينئذ تشق طريقها في مملكتي دنقلة وعلوة المسيحيتين، وإلى غرب السودان دويلات إسلامية أخرى، منها سلطنة الكانم التي قامت عند بحيرة شاد، وأهلها مسلمون متشددون في الدين، أسلموا في بداية قيام الحروب الصليبية (أواخر القرن الخامس الهجري) أو قبلها بزمن يسير، وتربطهم وشائج تاريخية باليمن وشرق أفريقيا ومصر وبلاد المغرب، ومنذ أن انتشر الإسلام في بلاد الكانم، لم تكن علاقتها بإثيوبيا ودية في الغالب، بسبب موقف هذه الحركات الإسلامية التي تنهض حولها.

إعادة انتاج التاريخ

وواضح أن القصة تحوير مقصود مخالف للحقائق الواردة في قصة ملكة سبأ وسليمان التاريخية، ولا جدال في أن يهود إثيوبيا (الفلاشا) شاركوا في نسج هذه القصة وإشاعتها لتمنحهم حقاً شرعياً في حكم البلاد، إذ إن إيجاد ملكة إثيوبية ترتبط في صلة وثيقة كهذه بسليمان سيضع لليهود سنداً للمطالبة بعرش إثيوبيا.

وللقصة غرض آخر «كما قدمها لنا عبد المجيد عابدين في واحدة من أهم الدراسات المفتاحية لقراءة التراث الشعبي بعنوان «تاريخ الحياة الفكرية المصرية»، وهو صرف أنظار الإثيوبيين عن التيار العربي والإسلامي الذي كان يدق أبواب بلادهم بقوة من معظم الجهات. ومن المعروف أن مسيحيي إثيوبيا قبلوا أو استغلوا هذه القصة، فنهض «يكونو أملاك» بتأسيس دولة سميت بالدولة السليمانية (في سنة 1268م / 667هـ) وزعم أنه من سلالة منيليك الأول، واتخذ مدينة أمهرة عاصمة له، وصنع كل وسيلة ممكنة لنشر هذه القصة وترويجها بين الناس.

فلم يكد الملك الإثيوبي عمداصيون (1312- 1344م) يعتلي العرش، حتى أمر بتدوين أخبار الدولة السليمانية، وأنساب ملوكها، وأوعز بكتابة قصة بلهجة عربية مصرية، يمثل البطولة فيها ابنه «سيف أرعد» الذي وصفته القصة بأنه شن حرباً على مؤسس الأسرة الحاكمة في الكانم والبرنو، يعني سيف بن ذي يزن، ومن الواضح أن عمداصيون يعرّض في قصته بالنسب الكانمي، ويناهض اتجاههم.

لوحة متخيلة للملك سف بن ذي يزن (ويكيبيديا)

سيف بن ذي يزن

سيف بن ذي يزن ملك يمني حميري عاش في الفترة بين 516 – 574، اشتهر بطرد الأحباش من اليمن، وتولى الملك فيها. نسبه الكلبي فقال: سيف بن ذي يزن بن عافر بن أسلم بن زيد، من حمير.

حكم الأحباش اليمن فترة طويلة من الزمان، فطغوا وتجبروا، وأرهقوا أهل اليمن، فخرج سيف بن ذي يزن إلى قيصر الروم ليرجوه أن يكف يد الأحباش عن اليمن، ويولي عليها من يشاء من الروم، فأجابه أن الأحباش على دين النصارى كالروم. فعاد سيف ووفد على النعمان بن المنذر عامل فارس على الحيرة، فشكى إليه، واستمهله النعمان حتى وفادته على كسرى، فلما وفد قدمه إليه، وأخبره بمسألته، فقال كسرى عن أرض اليمن إنما هي أرض شاة وبعير، ولا حاجة لنا بها، وأعطى سيفاً بعض الدنانير فنثرها سيف، وقال: إنما جبال بلادي ذهب وفضة.

فشاور كسرى رجاله في الأمر، فأشاروا عليه بإرسال السجناء الذي سجنوا لاتهامهم بالقتل للقتال مع سيف بن ذي يزن، فإن هلكوا، كان ذلك ما يريده كسرى، وإن ظفروا باليمن من الأحباش انضمت ولاية جديدة إلى أعمال فارس. فعمل كسرى بالمشورة، وأرسل مع سيف جيشاً من المحكومين بالقتل.

فنزل سيف باليمن، وجمع من قومه من استطاع جمعهم، فخرج إليه مسروق بن أبرهه في مائة ألف من الأحباش، ومن أوباش اليمن، فهزمهم سيف وأذهب ريحهم، وتملك على اليمن بأمر من كسرى على فريضة يؤديها له كل عام، وأبقى كسرى نائباً فارسياً للدولة في جماعة من الفرس في اليمن.

و جاءت وفود العرب إلى سيف بن ذي يزن لتهنئه بالملك، وفيهم وفد من قريش فيه عبد المطلب، فأكرم وفادتهم، وأجزل لهم العطايا.

و قيل أن سيفاً دخل الحبشة، فأمعن في أهلها تقتيلاً، واسترق جماعة من الرجال الأحباش فأخصاهم وجعلهم يمشون بين يديه ويتقدمون مواكبه.

و قيل قتله هؤلاء الرجال غدراً في غفلة منه عن مراقبتهم، فلما عرف بذلك نائب كسرى على اليمن ركب إليهم، وقتلهم، ثم جاءه كتاب كسرى أن يقتل كل الأحباش، وكل من انتسب إليهم في اليمن، ففعل، وتولى على اليمن، وبعدها صار الحكم للفرس، فزالت دولة العرب، ولم تقم لملوك حمير قائمة بعدها.

و قيل تآمر الفرس على قتله لتصير اليمن ولاية فارسية بالكامل.

غلاف كتاب السيرة المطبوع (موقع ألف ليلة)

المصادر:

1-القصص الشعبي ودوره في حركة التعريب والإسلام في أفريقيا، الوطن البحرينية.

2- الحياة اللندنية.

3-جريدةالثورة اليمنية.

4-د. انتصار البناء، سيف بن ذي يزن.. الملك الذي نصره كسرى الفرس.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!