جوكر فوينكس.. الشر إنتاج طبيعي للسلطة

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

منذ أن صدر الإعلان الرسمي لفيلم الجوكر 2019 من بطولة خواكين فوينكس، قاد نقّاد هوليود حملة شرسة ضد الفيلم قبل أن يظهر إلى العلن، وقبل أن يشاهدوا طريقة عرضه، وكانت أسباب هذا الرفض المبدئي قائمة على بعض المشاهد التي تم عرضها في التريلرات الرسمية للفيلم.

كان مبدأ الحملة بأن الفيلم يطرح فكرة العنف من خلال شخصية كان لها حضور تاريخي في عالم الكوميكس وهي الجوكر، واشتغل عليها صنّاع السينما أكثر من سبعة أفلام منذ خروجها في صفحات المجلات المصورة.

لم تقف الحملة عند النقاد فقط، بل امتدت إلى سياسيين حذروا من الفيلم ومن تأثيره السلبي على المشاهدين، حتى أن قيادة الجيش الأمريكي أصدرت توجيهاً لأفرادها أشارت فيه إلى وجود تهديدات لإمكانية حدوث حالات من إطلاق نار أو اعتراض جماعي بعد الفيلم.

حالة التخوف ملأت السلطة الأمريكية وامتدت تدريجياً إلى كل الأماكن، لكن بالمقابل كان هذا التخوف السلطوي يقابله راحة نفسية في الشارع الشعبي في مناطق أخرى من العالم، توق جماهيري شديد لشخصية متمردة على السلطات.

بعد مشاهدتي للفيلم شعرت بالسرور البالغ، ليس فقط للأداء العبقري والممتع الذي قدمه فوينكس، بل نتيجة فهمي للأسباب التي جعلت السياسيين والنقاد المؤدلجين الذين يعملون تحت ولاء السلطات السياسية وتخوفهم من فيلم كهذا.

مشهد من الفيلم (ميدان)

إن متابعي السينما بشكل عام، ومحبي إنتاج شركة DC المخترعة شخصية الجوكر، يعرفون تماماً تاريخ هذه الشخصية سينمائياً دون معرفتهم لواقعها الذي خُلقت منه، بمعنى كان الجوكر دائماً يمارس الفعل الفوضوي دون تاريخ يوضح لنا لما يقوم بهذه الأفعال، فمثلاً مع جوكر جاك نيكلسون نعلم الأسباب التي دفعته للتخريب والتدمير وهو الانتقام الشخصي له بعد تشويهه كيمائياً، لكن مع ذلك لا نعرف تاريخه، ومع هيث ليدجر كنا مع شخصية مضطربة لديها فلسفة وغير مبالي بموته ولا نعلم أيضاً ما الذي جعله على ذلك الشكل، لكن مع فوينكس قدّم لنا تفسيراً عميقاً لأسباب نشوء هذه الشخصية، فالجوكر إنسان طبيعي وله طموح لإسعاد الناس، لكن الفقر والتشرد والجهل والفساد وحذلقة السياسيين أدت به في النتيجة إلى أن يصبح الجوكر الذي سيتمرد على كل القوانين الزائفة للعالم الحضاري.

كان الجوكر جزءً من منظومة اجتماعية رافضة للقانون السياسي والاقتصادي، الشعور بالعجز والإحباط، ولّد لديه مع آخرين كمية من الرفض حولته إلى جوكر يقاتل السلطة بطريقته الخاصة.

في الجوكر القديم كان الشر هو الهدف والشخصية هي التي تصنعه وتحركه، لكن مع فوينكس، كان الجوكر هو جزء من منظومة اجتماعية رافضة للقانون السياسي والاقتصادي، الشعور بالعجز والإحباط، ولّد لديه مع آخرين كمية من الرفض التي ستحوله إلى جوكر يقاتل السلطة بطريقته الخاصة.

الحوارات السريعة والرموز المستخدمة في الفيلم والتي توضح مجموعة من القوانين الاجتماعية التي تصيب المجتمع الرأسمالي في الصميم، من مواضيع كإغلاق مراكز التأمين الصحي، ظروف العمل القاسية التي تصل بالشخص أن يموت جوعاً وقبوله لأذل الأعمال من أجل الاستمرار بالحياة، السخرية الشديدة من الحلم الفردي، والتنمّر الاجتماعي القاسي من الإعلام والأشخاص أصحاب النفوذ والمكانة المرموقة على البشر الهامشيين.

هذا الطرح في النسخة الأخيرة من الجوكر، هو ما جعل السياسيين والنقاد وحتى السلطة العسكرية أن يقوموا بحملة تشويهية للفيلم قبل عرضه. الخوف من ظهور حالة مشابهة كالتي جرت سابقاً مع فيلم فور في فينديتا التي اشتهرت بالجملة التي ما زالت مستمرة كصيغة رفض “الأفكار لا تموت”.

لكن المشكلة الأعمق بالنسبة للسلطة لم تكن في تركيب الشخصية المضطهدة من قبل المجتمع الأعلى، بل كانت في تصويرها على أنها بالأصل ليست شراً، وما حالة الرفض والتمرد إلى صيغة حق مطلق للإنسان بأن يكون في مستوى حياة أفضل.

مشهد من الفيلم (آراجيك)

في الجوكر القديم كانت صورة الشر هي السائدة، ولم تعترض أي سلطة عليه، رغم أن العنف البصري كان أعلى من النسخة الأخيرة. جوكر فوينكس ليس شراً ولا وجود لعنف إذا ما قارناه مثلاً بأي فيلم أمريكي تجاري من أفلام الرعب أو العنف التي يكون فيها القتل أساس العرض، كأفلام سلسلة جون ويك ليكيانو ريفز، الذي يموت في الفيلم الواحد حوالي أربعمائة شخص.

السلطة السياسية والعسكرية والنقاد لا يعترضون على مثل ذلك العنف، لأنه لا يحمل أي رسالة تمردية، إنه قتل للتسلية، عنف ممنهج دون أن يؤثر على شكل المجتمع الأعلى، لكن جوكر فوينكس يهدد البنية السياسية من العمق وآليات تفاهتها واحتقارها للإنسان الضعيف.

هذا الفيلم ببساطة وصمة عار حقيقية في مفهوم السلطة والقوى الاقتصادية التابعة له، وتشريح عميق للمجتمع الصناعي والأفراد الهامشيين والمرضى الذين يعيشون به. إنه يخبر الجميع أن الشر الذي يُطرح ويتم إقناع الناس به ليس سوى رد فعل طبيعي على ممارسات سياسية تحتقر الإنسان وتضعه على حافة الهاوية، إنه دعوة صريحة لتدمير الحضارة الزائفة وإسقاط لكل سلطة تتنمر على الإنسان الهامشي.

بوستر الفيلم (أراجيك)
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!