تجمعات اللجوء في أوربا.. شر لا بد منه

0
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

كانت عشرات الباصات يتسع كل منها خمسين راكباً، ممتلئة بالكامل، كان بعض الركاب يتسامرون ويضحكون، وبعضهم الآخر واجمون أو نيام. وبعضهم لسان حاله يقول “إلى أين نتجه، هل من جديد نحو الخيام! أم أننا سنكون تحت سقف من جديد؟

الباص يبتعد عن المدينة وضواحيها، هذا ينبئ بالخير، فالمخيم السابق كان يبعد نصف ساعة فقط، مضى حوالي ساعتين، الباص يهدئ سرعته، يبدو وصل إلى غايته. عدد كبير من الأبنية وسط غابة، محاطين بسور عالٍ، هذا ما رصدته العيون المرهقة.

الموظف المكلف باستقبال الوافدين كان ودوداً؛ بشكل العام الجميع، من مختلف الجنسيات كانوا لطيفين ومبتسمين، لكن المترجمين لم يكونوا كذلك.
استلم كل فرد أدوات خاصة، شرشف ولحاف ومخدة ومنشفة وكوب بلاستيك وملعقة وشوكة وسكينة وليتر ماء وكيس من الورق فيه صمنة متوسطة الحجم، باكيت مرتديلا، قطعة شوكولاته، قطعة فاكهة وخضار، ظرفان شاي وسكر – تبين فيما بعد أنها وجبة العشاء – قرأ المشرف جملة ملاحظات تتعلق بمواعيد الأكل ومكانه وجرس الإنذار ومواعيد الغسيل، ثم رافقهم إلى غرفهم.

إنها الساعة الخامسة والنصف صباحاً، برودة لطيفة تتسرب من النوافذ، تصل معها أصوات حركة في الخارج مع كلمة “مورغن” يبدو أنها صباح الخير، إنه وقت تبديل الورديات للسكيوريتي “رجال ونساء من الأمن الخاص يعملون طيلة 24ساعة”، متواجدين في جميع الأبنية، غرفة الغسيل، صالة الأكل، مبنى الإدارة، المستوصف والبوابة.
المباني مرقمة حتى العشرين، إذن يوجد عشرين بناية كل منها ثلاث طوابق بكل طابق 17غرفة ومطبخ وحمامات ودورات مياه للرجال وأخرى للنساء.

كامب لاجئين في ألمانيا (سوريتنا)

بدأ نزلاء الكامب يتوافدون نحو صالة الطعام منذ السادسة، اجتمع بشكل فوضوي عدد لا بأس به، الجميع في الخارج معهم اثنين من موظفي الأمن يطلبون الانتظام لدخول الصالة، عند السابعة سمح بالدخول كمجموعات صغيرة حتى يستطيع العاملون توزيع الإفطار براحة وهدوء، كانت الوجبة يومياً قطعتين “بروتشن” صمنة صغيرة مع نصف ليتر حليب وثلاث علب صغيرة مربى أو شوكولاتة أو عسل، قطع صغيرة زبدة، شاي وسكر، وأحياناً بيضة مسلوقة. توجد مكنة كبيرة للقهوة والماء الحار.
كانت الصالة كبيرة، تغلق عند التاسعة ولتفتح ثانية عند 11:30 لتقديم وجبة الغداء وكيس ورق يحوي وجبة العشاء وهي وجبة الليلة الأولى مكررة.

الوصول للضفة الثانية، يعتبر بمثابة عمر جديد وفرصة أخرى للحياة، ولعله بالنسبة لكثيرين حلم بالرفاهية بات قاب قوسين أو أقل، ولآخرين وأخريات هو بوابة الحرية بلا تحفظ.

لا يخلوا الانتظار من التدافع والتجاوز والشطارات وحتى التلاسن والصياح؛ لضبط الوضع أقاموا سياجاً معدني يتيح وقوف شخصين متجاورين فقط. من طرف الإدارة، لا يوجد خلل بالمواعيد أو تغيير أو تجاوز الاجراءات مهما كان الظرف، مطر أو ثلج لا يهم، الباب يفتح بموعده والدخول بالتدريج، لن تنفذ الكمية، ولا يوجد وجبات إكسترا.
هي الفوضى المستحكمة بشعوب الدول المتخلفة، وهو الدرس الأول من دروس الاندماج. مواطني هذا البلد يمكن اختصار حياتهم بكلمة “طابور” بشكل تلقائي وبأي مكان، عند باب السوبر ماركت، الصعود إلى الحافلة، غرف القياس، التسوق، مكتب البريد…الخ، لقد تخلوا تماماً عن ثقافة التدافع وثقافة “اللي بيسبق بياكل بندق”.

كان الكامب وسط غابة على تخوم قرية صغيرة، يبعد من مركز تسوق حوالي 2 كم، العائلات استعادت حياتها الطبيعية، خاصة من حصل منهم على غرفة لا يشاركهم بها أغراب.

كان هناك الكثير من الجنسيات، من بينهم سوريون بالطبع، خلال أيام قليلة بدأ تبادل الأطباق بين الغرف، سلطة وبطاطا مقلية، كبة نية وفتوش ومجدرة، باختصار سوريين.
فيما بعد تبين أن السماح بتحضير الطعام، ووجود مطبخ، رفاهية يحسد عليها سكان هذا الكامب. في أماكن أخرى لا يوجد مطبخ ولا يسمح باستخدام أي من الأدوات الكهربائية أو جلب وجبات من الخارج، تفتش الحقائب والأكياس وتصادر المواد الغذائية مهما كانت، كذا أي أداة كهربائية؛ في الواقع لا يسمح بشكل عام استقدام أدوات كهربائية ويتم دخول الغرف بشكل دوري ومصادرة “الممنوعات”، من الممنوعات أيضاً الكحول، لكن لكل مشكلة حل، ببساطة إخفائه تحت الجاكيت.

لاجئين في طابور الانتظار (العربي)

أن تقيم في كامب بغرفة مشتركة مع العديد من الأشخاص، وأن تستخدم حمامات مشتركة، سيئ بأحسن الظروف، يقول البعض وحسب تجربة خاصة أو من خلال أصدقائهم وأقاربهم في مدن أخرى، هذا المكان هو الأفضل وأنهم بوضع ممتاز قياساً بآخرين، في الواقع تجربة الليلة الأولى تؤكد صحة ذلك، لكن ماذا يعني هذا؟؟

الوجه الآخر

في رحلة اللجوء هناك تحدِ بكل خطوة، تزداد صعوبته قدماً، رحلة البالم أو “اليخت” كما سماه المهربون، تعتبر مغامرة خطرة. أما ما كان يشاع خلاف ذلك، هو من ترويج المهربين، الذي راق للبعض، وكان المنقذ للكثيرين ممن ضاقت بهم الأرض فكان البحر هو الملاذ، أو المأوى.
الوصول للضفة الثانية، يعتبر بمثابة عمر جديد وفرصة أخرى للحياة، ولعله بالنسبة لكثيرين حلم بالرفاهية بات قاب قوسين أو أقل، ولآخرين وأخريات هو بوابة الحرية بلا تحفظ.

لا يُنظر عند توزيع الأشخاص إلى الدول التي أتوا منها، فالظرف لا يسمح، والحاجة الأهم التي يجب تأمينها هي سرير لكل فرد، فالتوزيع يتبع وجود سرير شاغر فقط.

هنا تبدأ المرحلة الثانية من رحلة، تكتم كثيرون عن تفاصيلها بداية، إما لأنهم لم يمتلكوا شجاعة البوح، أو ببساطة تناسوا كل شيء بلحظة الوصول، أو لأن ما مر من أخطار، لا تذكر قياساً بالواقع القاسي الذي مروا به، ولا يزال يقاسيه السوريون. ولكن مع آلاف العابرين، رصدت وسائل الإعلام، شهادات حية تتضمن تفاصيل مغيبة، أبطالها تجار البشر.

منذ الوصول إلى الأراضي الألمانية وحتى الحصول على بطاقة مقيم في “كامب ….” هي مرحلة دهشة وفرح بالوصول الآمن فرح المتلهف للأمان والاستقرار، ثم اكتشاف وتعرّف على عالم جديد بالنسبة لكثيرين، يحملون بجعبتهم أفكار مسبقة عن بلد ونظام دولة وشعب، ولكل أيضاً تصوراته وأحلامه عن حياته بتلك البلد.
وأما الكامب فهو محطة إجراءات لا بد منها، تمتد لشهر ثم لشهور طويلة، بسبب تزايد عدد اللاجئين. أغلبهم سمعوا من أصحابهم ممن سبقوهم في رحلة اللجوء، روايات رومانسية عن هذه الفترة؛ الواقع كان مختلف! الطعام غير معتادين عليه، ليس سيئاً كونه يقدم للاجئين، هي طبيعة الأكل بهذه البلد.

الحصول على ملابس يتطلب إجراءات بيروقراطية وانتظار أسابيع ومواعيد ومتابعة لوحات الإعلانات ليحصل أخيراً على بدل كامل لمرة واحدة. في أماكن أخرى، تقدم كوبونات محدودة، تمًكن الحصول على ألبسة مستعملة. في الواقع لكل منطقة إجراءاتها الخاصة ونظامها وتختلف بشكل كبير من مكان لآخر، لعل الرواة لم يبالغوا أو يكذبوا بنقل المعلومة، فهم يروون تجربتهم الخاصة كما عاشها كل منهم وإحساسه بها. في الواقع هي حالة عامة بكل الإجراءات حتى الحصول على الإقامة وما بعد الإقامة، لا يمكن القياس في ألمانيا، التشابه محض صدفة والاختلاف هو الأساس والقاعدة.

على سبيل المثال، مدة الإقامة في الكامب تتراوح بين شهر إلى ستة أشهر أو بضعة سنين، وهو عبارة عن غرف أو كونتينرات واسعة أو صالات أو خيام، الخيمة تتسع لأربعة عشر سرير أو مائتي سرير وما بينهما، الصالات منها يتسع إلى 400 سرير. الصلات والخيام عادة تضم إما عائلات أو رجال فقط، لكن بعض الصالات كانت تضم عائلات مع رجال بمفردهم.

لا يُنظر عند توزيع الأشخاص إلى الدول التي أتوا منها، فالظرف لا يسمح، والحاجة الأهم التي يجب تأمينها هي سرير لكل فرد، فالتوزيع يتبع وجود سرير شاغر فقط. كانت الصالة الواحدة أو الخيمة تضم سوريين وأفريقيين وأوربيين وآسيويين وأميركيين. في البعض منها يُسمح بوضع ستائر بين الأسرة وبأخرى لا يُسمح. كان مشهداً استفزازياً عندما يمارس الجنس رجل وامرأة تحت شرشف خفيف، على بعد ثلاثين سنتيمتر من جاره! سيدة دمشقية أتت ألمانيا مع ابنها البالغ اثنا عشرة سنة، بقيت ثلاثة أشهر في صالة رياضة مع ثلاثمائة شخص، روت كيف كانت تبقى خارج الصالة مع الطفل حتى الرابعة صباحاً، بعد أن تزايدت تساؤلات الصغير عن سبب تلك الهمهمات في الليل.

صالة رياضية تحولت إلى مكان إيواء اللاجئين في ألمانيا (وكالة قاسيون)
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!