ست سنوات من التيه الكُردي.. قراءة في كتاب: روجآفا – خديعة الأسد الكبرى (1/3)

0

الكاتب: حسين جلبي

قراءة: احمد العربي

الناشر: ميسلون للطباعة والنشر. إسطنبول/ط١، ورقية، ٢٠١٨م.

أولا: كُرد سوريا من سايكس بيكو إلى الثورة السورية.

يمهد الكاتب في بحثه؛ الواقع الكُردي السوري الحالي بالعودة السريعة إلى بدايات القرن الماضي، وكيف تقاسمت فرنسا وبريطانيا تركة العثمانيين لأنهم منتصرين وفق اتفاقيات سايكس بيكو بعد الحرب العالمية الأولى ١٩١٧م. وكيف كانت الاتفاقيات الحاصلة قد ثبّتت الدول الثلاثة تركيا، العراق، وسوريا مع إيران، التي يتواجد بها الكُرد، بحيث حرم الكُرد من أن يكون لهم دولتهم القومية الموحدة والمعترف بها. لقد توزّعوا على أربع دول في مجال جغرافي واحد ممتد.

وهنا تكمن مشكلة الكُرد من القرن الماضي وإلى الآن، مشكلة كونهم قومية غير معترف بها، تعيش في الدول التي بنيت على أجزائها على مضض، ضحية صراع أو توافقات، وتدخلات خارجية كثيرة، يستخدمون بذرائع مختلفة وأهداف متنوعة، وهم إلى الآن يعيشون واقع الضحية المظلومة، وإن بنسب متفاوتة في هذه الدول الأربعة، فلا هم تحرروا وتوحدوا وبنوا دولتهم القومية، ولا هم انخرطوا في الدول التي تواجدوا بها كجزء منها وفق قواعد سياسية محددة أقرب للمواطنة والديمقراطية.

يعود الكاتب إلى التاريخ ليتحدث عن الكُرد وتواجدهم التاريخي وبعض محاولات بناء كيانات سياسية كُردية سابقة، لم تستطع الاستمرار لفترات طويلة، وذلك لأسباب متعددة أهمها: تدخلات القوى المسيطرة داخليا وخارجيا وضرب هذه التشكيلات التي حاولت أن تبني كياناً كُردياً ذاتياً قومياً وحراً.

ثانيا: الكُرد السوريون نصف قرن من القمع، أوصلهم للعيش في الخيام مشردين.

تحت هذا العنوان قدم الكاتب جردة مكثفة لواقع الكُرد في سوريا حتى الثورة السورية في ٢٠١١م، عاش الكُرد السوريون كجزء من النسيج الاجتماعي والسياسي لسوريا المنخرطة في نضالها للتحرر من الفرنسيين، وكيف كانوا جزءاً من البنية السياسية السورية المستقلة، كأفراد سوريين من أصول كُردية، وليسوا بصفتهم القومية الكُردية، حسني الزعيم الرئيس الكُردي الأصل، والبرازي رئيس الوزراء وغيرهم كثير.

يعتبر الكاتب أن محنة الكُرد السوريين بدأت منذ عام ١٩٦٢م حيث أرسل نظام الانفصال عن الوحدة مع مصر ضابط مخابرات إلى الشمال السوري، اسمه “طلب هلال”، كتب تقريرا للسلطة عن واقع الكُرد السوريين، وصفهم بأنهم مشكلة سكانية خطيرة على سوريا، وإنهم من أصول خارج سوريا، خاصة تركيا، وأنه يقترح عدم إعطائهم الجنسية، وأن يتم توزيعهم وبعثرتهم في المناطق السورية، وأن يتم زرع سكان من أصول عربية في مناطقهم لمنع أي إمكانية لتواجد نزعة قومية انفصالية مستقبلا.

كان لتقرير طلب هلال مفعول سيء على واقع الكُرد في سوريا، خاصة بعد أن جاء البعث إلى السلطة في سوريا، حيث ركّز على العنصر القومي العربي، وتعامل بإهمال مع الحقوق الكُردية حتى بحدّها الأدنى الثقافي مثل: تعليم اللغة الكُردية في المدارس أو حل مشكلة الممنوعين من الجنسية، ومعالجة إهمال مناطقهم من الخدمات المدنية وفي البنية التحتية.

لقد تم تدجين الكُرد السوريين مثل بقية السوريين في الشبيبة وحزب البعث والعلاقة الانتهازية مع السلطة، وصاروا ضحية البنية الأمنية التسلطية للنظام السوري المستبد والقمعي والفئوي. وزادت محنتهم عندما استخدمهم حافظ الأسد في خططه السياسية الصراعية مع الجوار التركي منذ الثمانينات، لقد أقنع بعض الشباب الكُردي أن أرضكم وشعبكم متواجدين في دول العراق وإيران وخاصة تركيا، وأخذ يقنعهم بضرورة النضال من أجل تحرير أرضهم وشعبهم وقيام دولتهم القومية.

ضابط المخابرات طلب هلال، كتب تقريرا للسلطة عن واقع الكُرد السوريين، اعتبرهم من أصول غير سورية، واقترح عدم إعطائهم الجنسية، وتوزيعهم وبعثرتهم في المناطق السورية، وزرع سكان من أصول عربية في مناطقهم لوأد أي نزعة قومية انفصالية مستقبلا.

ساعد نظام الأسد عبد الله أوجلان وآخرون معه ببناء عمل عسكري مقاتل ضد الأتراك، وقدّم لهم النظام كامل أشكال الدعم المالي والتسليح، شكلوا حزب العمال الكُردستاني ب ك ك، وبادروا بحربهم ضد تركيا. هذه الحرب التي وجهت أنظار كُرد سوريا بعيدا عن واقعهم داخل سوريا، أوجد لهم قضية يقاتلون من أجلها. يُقتلون ويختفي خطرهم عن الداخل السوري، وسمح لهم باستثمار ادعائهم أنهم يقاتلون لقضية عظيمة، فأخذوا من الشعب الكُردي إتاوات دائمة من أجل مقاتليهم الذين كان أغلبهم من أبنائهم. وبهذا الشكل ارتاح نظام حافظ الأسد من مشكلة الكُرد السوريين، وشكّل جرحا نازفا عند الأتراك.

لكن الدولة التركية لم تقبل بهذا الواقع وأخطرت النظام السوري باستعدادها خوض حرب شاملة على سوريا، هذا دفع الأسد لينحني أمام العاصفة ويرفع دعمه عن حزب ال ب ك ك، وأن يساعدهم على القبض على زعيمهم عبد الله أوجلان في أواخر الألفية الثانية. كما أن واقع الكُرد السوريين في مناطقهم لم يخرج عن التهميش وغياب الخدمات، زاد ذلك قدوم أعداد كبيرة من السوريين العرب الذين غمرت بيوتهم وأراضيهم جراء بحيرة سد الفرات، وهذا أدّى لتغيير ديمغرافي أخاف الكُرد، وذكرهم بتوصيات ضابط الاستخبارات طلب هلال عن إلغاء الهوية الكُردية وطمسها.

وكان للخلاف بين أنصار لاعبي دير الزور والقامشلي في مباراة لكرة القدم عام ٢٠٠٤م إلى صراع ذي طابع عرقي، عرب ضد كُرد، أجّج نارها النظام، ودعم الطرف العربي، أدت لمقتل العديد من الكُرد. زيادة على ذلك استصدر النظام السوري قانونا يتملّك الأراضي المحاذية للحدود التركية، حارما أصحابها الكُرد منها.

وهذا مع التغيير الديمغرافي والاضطهاد السياسي الذي منع أي حالة حزبية كُردية معارضة من الوجود أو التغلغل بين الشباب الكُرد، إلا من كان حليفا للنظام مثل: حزب العمال الكُردستاني الـ ب ك ك. كما يؤكد الكاتب على مشاركة الأحزاب الكُردية -على صغرها وهامشيتها – الحراك السوري بعد مجيء بشار الأسد للسلطة عام ٢٠٠٠م، وعودة بالتحسن السياسي والمجتمعي، كان الكُرد وأحزابهم ونشطائهم جزءاً من حراك ربيع دمشق وما بعده، وكان لناشطيه نفس مصير بعض المعارضين السوريين من الاعتقال والتنكيل بعد اغتيال ربيع دمشق.

لكل ذلك كان الكُرد السوريون جاهزين ككُرد بمشاكلهم القومية وعدم الاعتراف بأقل حقوقهم الثقافية والسياسية، وكمواطنين سوريين ضحية نظام قمعي استبدادي فئوي فاسد على كل المستويات. كانوا جاهزين للثورة التي جاءت إثر الربيع العربي الذي تفجّر في تونس، وامتد إلى مصر، وليبيا، واليمن، وانفجر بركان المظلومين في سوريا من كل مكونات الشعب السوري ومنهم الكُرد طبعا. ثورة لإسقاط الاستبداد والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية لكل السوريين.

ثالثا: الثورة السورية ٢٠١١م والوضع الكُردي.

يتحدث الكاتب عن واقع العمل السياسي الكُردي في سوريا، وأن كل الأحزاب الكُردية التي بلغت أحد عشر حزبا كانت متكاثرة انشقاقا تستمر بالتكاثر، إضافة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي التابع لحزب العمال الكُردي ال ب ك ك، تعود كلها إلى الحزب الديمقراطي الكُردي المتشكل عام ١٩٥٧م، وأن بعض هذه الأحزاب يعتبر معارضا للنظام السوري، والبعض يخفف لهجته تجاه النظام، لكنها كلها تعتبر من قبل النظام أحزابا غير شرعية، يلاحقها عبر الاعتقال والسجن.

كما أن هذه الأحزاب صغيرة وامتدادها قليل في الوسط الكُردي السوري، للأسباب الأمنية التي تجعل الناس تبتعد عن السياسة والأحزاب المعارضة، والنظام يعتقل ويسجن ويضطهد المعارضين، وهذا حاصل في أوساط المعارضة الكُردية والسورية عموما.

كان الشباب الكُرد من طلائع النازلين إلى شوارع المدن والبلدات مطالبين بالحقوق وإسقاط النظام وبناء الدولة الديمقراطية، ارتفعت شعارات الحرية آزادي في ميادين التظاهر في القامشلي، وعفرين، وعامودا، وكوباني عين العرب والدرباسية ورأس العين… الخ.

كما أن هناك امتداد للنظام في الوسط السوري عموما والكُردي منهم؛ وهو حزب البعث حزب السلطة الموالي للنظام ممثلا عينه الأمنية وذراعه المجتمعي، كذلك هناك زيادة على ذلك في الوسط الكُردي، وجود امتداد لحزب ال ب ك ك حزب الاتحاد الديمقراطي الـ ب ي د الذي تحدثنا على دوره في الداخل السوري وفي تركيا كأداة للنظام ضد تركيا. رغم اضمحلال دور ال ب ك ك وملاحقة بعض عناصره أمنيا بعد التصالح السوري التركي بعد عام ١٩٩٨م، واعتقال عبد الله أوجلان، لكن بقي لل ب ك ك امتداد ودور في الوسط الكُردي السوري.

ضمن هذه الخلفية في الوسط الكُردي السوري حصل الربيع السوري، الذي شمل كل السوريين ومنهم الكُرد، لأن الأسباب السياسية، والمجتمعية، والاقتصادية، والمظلومية تطال الكل. كان الشباب الكُرد من طلائع النازلين إلى شوارع المدن والبلدات مطالبين بالحقوق وإسقاط النظام وبناء الدولة الديمقراطية، ارتفعت شعارات الحرية (آزادي) في ميادين التظاهر في القامشلي، وعفرين، وعامودا، وكوباني (عين العرب) والدرباسية ورأس العين… الخ، تطالب بإسقاط النظام وتحقيق الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والحياة الأفضل.

لم تكن الأحزاب الكُردية المعارضة على تعددها مشاركة في هذا الحراك بصفة حزبية، كان بين الناشطين بعض المتحزبين فرديا، أخذت الأحزاب موقفا حذرا في البداية، ولكن بعد صعود الموجة ونزول الشباب والشعب للشارع، انبرت الأحزاب لتتصدر واجهة التحرك على أنها القيادة السياسية لحراك الثورة في الوسط الكُردي السوري.

لم يتقبل النظام حال الحراك الثائر في سوريا كلها، ومنها في المناطق ذات الأغلبية الكُردية، مارس النظام استراتيجية المواجهة العنيفة والقاسية إلى ذي درجة السلاح الثقيل ضد المتظاهرين وحاضنتهم الشعبية ومدنهم وبلداتهم في كل سوريا تقريبا، لكن كانت معاملته مع الكُرد السوريين مختلفة، فقد اعتمد على تقديم مكتسبات لهم كانوا محرومين منها أصلا وهي حقوقهم، فقد عالج مشكلة تجنيس المحرومين من الجنسية وبأخذ الجنسية السورية مئات الآلاف من الكُرد، كما في القوانين الجائرة لتملّك وحجز أراضي الكُرد المحاذية لتركيا، ووعد بالنظر بالحقوق الثقافية للكُرد من تداول وتعليم اللغة الكُردية وغير ذلك، لكن ذلك لم ينطل على الثوار والناشطين، واستمرت مطالبهم بإسقاط النظام وبناء الدولة الديمقراطية، تحت مقولة: ما أخذناه حقنا وما نطلبه أيضا حقنا، ولا نقايض حقوق بحقوق.

عند ذلك اعتمد النظام السوري استراتيجية مختلفة مع الكُرد الثائرين، لقد استدعى بقايا ال ب ك ك المتواجدين في سوريا وقادتهم في قنديل وعلى رأسهم صالح مسلم وكثير من كوادر حزب الاتحاد الديمقراطي ال ب ي د ليكونوا جيشه البديل في مواجهة الثورة في المناطق الكُردية السورية.


حسين جلبي؛ حقوقي سوري من مواليد القامشلي، مستقر في ألمانيا، يكتب عن القضية الكُردية، وهو على علاقة صميمية بها.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!