دفن الغرائز سلاح الديكتاتورية الأمثل

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

يقول المفكر نعوم تشومسكي في كتابه “العقل ضد السلطة:”كلما أمكن للإنسان أن يُشبع احتياجاته الحيوانية بشكل أفضل صار أقدر على تكريس أفكاره وطاقاته لإشباع احتياجاته البشرية بشكل أفضل – وهو ما قد يتطلب تغييرات جذرية في التنظيم الاجتماعي والعلاقات الإنسانية”.

تعبير تشومسكي بطريقة ما، هو اختصار دقيق لأحد أهم السياسات الممنهجة، التي تتبعها الديكتاتوريات إزاء شعوبها. جعل البشر يدورون في حلقة من إشباع الغريزة دون أن تُلبى كلياً، مستخدمة بذلك كل الأشكال الفكرية المتاحة لإبقاء الناس في حيز معرفي ضيق.

قيل أن نتحدث في تفاصيل هذا الموضوع، سنأتي بمثال تمهيدي بسيط كمدخل لفهم هذه الآلية.

بعد مرحلة التشرد السوري في أصقاع الأرض، بشكل طبيعي، النظام السوري لم يعد يريد للناس المهاجرين أن يعودوا إلى سوريا، فالناس التي اختبرت رفاهية الحياة نسبياً في تركيا، من كهرباء دائمة وانترنت مفتوح وسريع، وشوارع نظيفة، أو الناس التي عاشت في فرنسا ومارست فنونها دون أن تشعر بمقص الرقابة عليهم، أو في ألمانيا التي يستطيع أن يسير شخص غريب في بلد ويشاهد بوليس عابر دون أن يهتم أو يشعر بالخوف والقلق من اعتقال أو تنمّر تحت اسم مزاح دولة مع مواطن، هؤلاء الملايين من السوريين الذين اعتادوا مدنيّة الحياة وعايشوها، لم يعد بالإمكان عودتهم إلى سوريا، بغض النظر عن الظرف السياسي، فالنظام لم يعد يريدهم، لأن عودتهم ستشكّل خطراً على أشرس نظام ديكتاتوري. هؤلاء البشر لن يرضوا بمستوى أقل مما عايشوه، سيشكلون قوة اجتماعية وثقافية جديدة، تناهض النظام السوري الذي اعتاد أن يمنح مساعدات للمواطنين، إنه من يهب الأعاطي، وليس لأن ذلك حقهم في الحياة.

لن يسيطر على هذه القوة المعرفية التي لن ترضى بأقل من الحرية الطبيعية التي شاهدوها وفهموا أن كل حياتهم كانت عبارة عن حياة جرذان تحت سلطة نظام متوحش كالنظام السوري. وإعادة تطويعهم مرة أخرى أصبحت أمراً مستحيلاً.

النظام يعلم تلك الحقيقة جيداً، وبالنسبة إليه هي أخطر من أي عمل عسكري يمارس ضده، لأن المسألة هنا لم تعد مسألة ثورة فقط، بل تغييراً في التفكير الاجتماعي والبنية الثقافية نفسها.

هؤلاء الملايين من السوريين الذين اعتادوا مدنيّة الحياة وعايشوها، لم يعد بالإمكان عودتهم إلى سوريا، بغض النظر عن الظرف السياسي، فالنظام لم يعد يريدهم، لأن عودتهم ستشكّل خطراً على أشرس نظام ديكتاتوري.

لنكون واضحين وواقعيين. ونبدأ من نقطة بسيطة، فالسوري في بلاد الاغتراب بنسبة كبيرة شعر بالشبع. غريزة الجوع تم إشباعها، وهنا لا نتحدث عن فقراء سوريا الذين كانوا بالملايين، بل نتحدث عن الطبقة الوسطى (بنسبة عدد الأفراد والإنتاج)، الأكثر انتشاراً الذين كانوا في أخر عشرة أيام من كل شهر يعيشون تحت خط الفقر.

إننا نتحدث عن الطعام، هل يمكن تخيل ذلك؟. نحن لا نتحدث عن رفاهية ومطاعم ورحلات وسهرات وبيوت وفنادق. ملايين من السوريين لا تُلبى غريزة الجوع لديهم. ويخرج النظام بكل براءة ليقول لك لماذا ثار الشعب!. هنا نتحدث عن أهم غريزة للبقاء، الحق الطبيعي للاستمرار.

إن الأنظمة الديكتاتورية تحاول جاهدة اختصار الغرائز إلى أدنى حد، أن تجعل مواطنيها يعيشون ويبحثون وراء قليل من طعام وقليل من جنس وقليل من أحلام لتربية الأبناء بطريقة أفضل من حيوات الأهالي السابقة، وقطعاً سيفشلون، لأن نظام كالنظام السوري يريد أن تتكرر حلقة الذل للناس دون أن يستوعبوا ما هو حق لهم. يجب أن يبقوا في دائرة البحث عن إشباع الغرائز.

لقد اختصر تشومسكي تاريخ سلوك الأنظمة الاستبدادية ككل، فالمسألة ليست لدى نظام سوري فقط، إنها موجودة في أي نظام آخر، يستخدم معه مجموعة من قوى الدين التخديرية للشعوب، وقوى اقتصادية لمنح الناس هبات فقط.

لكن أسوأ من النظام السوري لن يوجد قطعاً، فأنظمة أخرى قد تمنعك من الجنس بآلاف الطرق الدينية أو التشريعية، لكنها تؤمن لك الطعام، وأنظمة أخرى تتيح لك الجنس بشكل علني لكن تمنعك من الحديث في السياسة وفطرة المعرفة التي هي غريزة طبيعية، غريزة الاكتشاف، وأنظمة أخرى تتيح لك بعض المعرفة على حساب القيود الاجتماعية. لكن النظام السوري هو رقيب على كل شيء، إلى درجة أنك عندما تريد أن تشتري خبزاً لتطعم صغارك، فالجميع يصمت ويطأطأ رأسه أرضاً إذا ما جاء شرطي ليأخذ خبزاً قبل الجميع. شعب بأكمله كان يخاف شرطياً.

كيف يمكن أن يكون نظام ديكتاتوري وذو قبضة حديدية ومُهجّن الشعب بأكمله، ألا يعلم كل شيء عن مواطنيه. المواطن س أو المواطن ع يجب أن يكون له أرشيف في المخابرات أنه مارس الجنس في التاريخ الفلاني، وإلا فإن القبضة الحديدية ستتراخى.

ثم تخرج دول العالم مندهشة لماذا ثار الشعب السوري! هذا الشعب كان محروماً من أبسط غرائز الاستمرار.

في أحد النقاشات مع بعض الأشخاص قبل الثورة، كانت حملات المداهمة لبيوت الدعارة غير المعروفة والمرخصة من قبل النظام، شديدة جداً، وكان الرأي الأعم بأن النظام يريد أن يتأكد من صحة العاهرات، حيث كان كثير من الشباب يذهبون لتلك الأماكن، لأن لا خيار آخر لديهم، ولا يملكون مالاً كافياً للزواج، وأيضاً لأسعار العاهرات المنخفضة جداً.

لكن النظام لم يكن يداهم تلك البيوت لأنه يخشى على المواطنين أن يصابوا بالأمراض والعدوى، كان يداهم بيوت الدعارة لأنه لا يعلم من يمارس الجنس ومن لا يمارس، إنهم لا يسيطرون على البشر، هناك حلقة مفقودة بالنسبة لهم في الأماكن غير المرخصة، لذا فحالة هيجانهم كانت لا تحتمل. كيف يمكن أن يكون نظام ديكتاتوري وذو قبضة حديدية ومُهجّن الشعب بأكمله، ألا يعلم كل شيء عن مواطنيه. المواطن س أو المواطن ع يجب أن يكون له أرشيف في المخابرات أنه مارس الجنس في التاريخ الفلاني، وإلا فإن القبضة الحديدية ستتراخى.

دفن الغرائز واحدة من أحقر الآليات التي كانت مستخدمة في النظام السوري لقمع البشر، وما زالت. ما زال الجوع مستمراً وما زالت الهبات التي يقدمها الرئيس قائمة، وما زال الجنس محكوماً عليه بالسيطرة إذا ما كان شخصاً يمتلك بعضاً من أخلاق دون أن يتحول لعاهر.

ببساطة في الأنظمة الديكتاتورية، مارس غرائزك لكن بمعرفة النظام ودون أن تُشبعها كلياً، فإشباعها يعني الارتقاء لنقطة ثانية في تكريس التفكير.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!