زهراء عبد الله في “على مائدة داعش” تسجل للتاريخ محنة الإيزيديين

0

الكاتبة: زهراء عبد الله.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: دار الآداب/ط١، ورقية، ٢٠١٧م.

على مائدة داعش، رواية تتحدث عن هجوم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” واجتياحها لجبل سنجار في شمال العراق؛ الذي يسكنه إيزيديون في ١٤ آب ٢٠١٤م، حيث وقعوا تحت إبادة جماعية من قبل داعش.

الرواية بلسان إحدى الفتيات الناجيات، مكتوبة بلغة المتكلم، تتابع الحدث وفق تسلسل زمني لما حدث معها، ووفق استرجاع ذهني، نتعايش معها في حالها وحال الأزيديون في مناطقهم النائية وعباداتهم المتميزة وانعزالهم وحياتهم التي ارتضوا بها.

“يوفا” فتاة في العشرينيات من عمرها تعيش وسط عائلة إزيدية، يسمّون من غيرهم عبدة الشيطان، يسمون الشيطان طاووس ملك، يقدسونه لأنه رفض أمر الله بالسجود لآدم، تحت دعوى أنه أجاب الله: لقد أمرتني ألّا أسجد إلا لك، لذلك كرّمه الله وعيّنه رئيس الملائكة حسب اعتقادهم.

يؤمنون بالله ـ طبعا ـ وله عندهم تسمية خاصة، عقائدهم وعباداتهم خليط من عقائد وعبادات الديانات السماوية الثلاثة، لهم صلاتهم ولهم مكان حجهم، ولهم صومهم ولهم ماء زمزم خاص بهم. ينقسمون اجتماعيا إلى ثلاث طبقات: طبقة رجال الدين وطبقة السادة وطبقة العامة، هذه الطبقية ملزمة اجتماعيا، فلا يتزوجون إلا ضمن الطبقة نفسها، ومن يتجاوز ذلك يطرد ويحارب من الكل.

يوفا تحب الشاب “سيروان” ويحبها، بينهما علاقة وطيدة يلتقيان سرا، هما من طبقتين مختلفتين، حبهما محكوم عليه بالفشل إلا إذا هربا وتزوجا خارج بلداتهم، يحيط بهم أكراد العراق، يتكلمون لهجة كردية. رفضت يوفا الهرب مع سيروان، وبقيت تعيش حبّه داخل نفسها، تلتقي به أحيانا، حاول الضغط عليها ليهربا ويتزوجا خارج سنجار لكنها لم تستجب له.

في صباح أحد الأيام في آب من ٢٠١٤م سمعت في الحي صيحات وحركة وإطلاق نار من بعيد لتقترب الأصوات منهم، اجتمع أهل الحي على عجل، وتبادلوا المشورة، داعش تهاجم قراهم وبلداتهم، وها هم وصلوا إليهم، ليجهز كل عائلته بما خفّ حمله وغلا ثمنه للهروب إلى الجبال المجاورة.

ركبت يوفا مع والدها ووالدتها وأخيها الصغير في سيارة البيك آب التي يملكها مع بعض أهل الحي، وخرجوا من القرية هاربين، تلتقي بهم سيارات داعش المحملة بمقاتلين مدججين بالسلاح يطاردونهم، يحاول الوالد الهرب لكنهم يحاصرونه وكل أهل القرية، ويتم القبض عليهم.

داعش قدمت للعالم الذريعة التي سيستثمرونها لسنوات طويلة ضد الإسلام والمسلمين، هناك تغييب في الرواية عن كيف وجدت داعش؟ ومن أوجدها؟ قد لا يكون مطلوب من الرواية ذلك.

الهلع والخوف يسيطر على الكل، الأطفال يبكون ويصرخون، النساء يحمين أطفالهن ويحتمين برجالهن، رجال داعش يشتمونهم ويتهمونهم بأنهم من عبدة الشيطان، وأن قتلهم حلال.

سرعان ما يتم فرز الرجال عن النساء والأطفال، ثم يأخذون الرجال إلى مكان آخر. يتم جمع النساء والأطفال في أماكن منفصلة، تحضر بعض نساء داعش مع بعض أمرائهم، ويبدؤون بتسجيل أسماء النساء والأطفال ووضعهم الصحي متزوجات أم عزباوات. يخبرونهم أنهم قد قتلوا الرجال جميعا لأنهم كفار، وأنهن سبايا للدولة الإسلامية، غنائم حرب يحق لهم بيعهن والتمتع الجنسي بهن كأي عبدة، دون أي حق بالاعتراض والرفض. ويخبرونهن أن الأطفال سيبعدون عن أمهاتهن ويلقون تعاليم الإسلام، ويكونون أشبال الإسلام وجنود الدولة الإسلامية.

تعيش النساء حالة هرج ومرج ونواح وتمرد ورفض، لكنهن عاجزات عن فعل أي شيء، ولمزيد من السيطرة عليهن يتم فرز النساء المعمرات منهن، ويؤخذن إلى حيث يقتلن على مرأى ومسمع النساء جميعا.

مطلوب من النساء المتبقيات أن يعلنّ إسلامهن لكي لا يقتلّن ويستطعّن الاستمرار بالحياة كسبايا وعبدات عند رجال داعش.

يوفا تعيش هذا الكابوس دون أي إمكانية لفعل شيء إلا تذكر حبيبها، وندمها بأنها لم تستجب لطلبه الهرب معه والزواج منه خارج سنجار، لتجاوز الإيزيديين وعاداتهم الصارمة.

تعيش على ذكرى الحب الذي عاشته، واللقاءات القليلة التي حصلت مع حبيبها في بيت مهجور، بعض العناق والأحاديث الفياضة بالحب، رسائل الجوال صباح مساء.

حبيبها هرب إلى الجبال والتحق بمقاومة تعمل لطرد داعش من بلداتهم.

واقع يوفا الآن مزيد من الألم والأسى فصل بينها وبين أمها، النساء الكبيرات أخذن لخدمات العمل النسوي عند داعش، والأطفال للتدريب على السلاح والتعليم الديني، والصبايا أخذن لكي يكّن خليلات للمعاشرة الجنسية لمقاتلي داعش، أو للبيع لمن يرغب، ولكل فتاة سعر يناسب عمرها وجمالها وقوامها.

بعض الفتيات الجميلات استحوذ عليهن الأمراء والقادة، البعض تبادل ممارسة الجنس معهن عدد كبير من الرجال، بعضهنّ مات والبعض انتحرنّ.

يوفا أخذها في البداية أحد قادة داعش، كانت في حالة انهيار نفسي، كيف تسلم جسدها الذي لم يره أحد لرجل كعبدة؟. ماذا عليها أن تفعل لتخرج من هذا الكابوس الذي تعيشه؟. لا تستطيع فعل شيء سوى أن تكون بلا مشاعر، وتغادر جسدها وتحوّله لجثة غير متفاعلة، مما جعل من يقتنيها يعوفها ويستبدلها أو يبيعها في سوق عام في مدينة الرقة حيث عاصمة داعش.

من إيجابيات الرواية أنها سجلت للتاريخ أدبيا محنة الإيزيديين ال ٧٤ من الإبادة الجماعية عبر التاريخ على ما ذكرت الرواية، وتجعلنا قارئين مطلعين على معتقدات وأناس وعادات وتقاليد كانت من المجاهيل عندنا

انتقلت يوفا بين أكثر من مالك، تحلم دائما بالهرب والانعتاق، تحلم بحبيبها كمنقذ لها دوما. تنتقل من مالك لمالك، تعاني من مالكيها ومن زوجاتهم، كثرت الزوجات والسبايا عند رجال داعش، كثيرة هي معاناتهن.

مالكها الأخير من الموصل، القريبة من بلادها، تتعرف على سبايا ومحظيات أخريات، هناك المسيحيات من الموصل الذين قتلوا آباءهن وإخوتهن الذكور أمامهن، خيّروهن بين الجزية والإسلام، ثم فرض عليهنّ الزواج منهن، وإلا مصيرهنّ الموت تحت دعوى الردة أو الكفر.

في الموصل خططت يوفا للهرب، فهي بعد بعدها عن أمها وموت والدها مقتولا، وفقدان أخيها الصغير، لم يبق لها إلا حبيبها، التي استطاعت التواصل معه عبر الهاتف بعد محاولات كثيرة، واتفقت على الهروب من الموصل واللقاء خارجها، لعلها تبدأ حياة من جديد. استطاعت تنفيذ خطة الهروب لكن حبيبها لا يحضر.

تنتهي الرواية؛ ويوفا تبتعد عن الموصل مقتربة من حقل ألغام، تحلم أن يظهر حبيبها بأي وقت ليخرجها من هذا الجحيم.

في تحليل الرواية نقول: نحن أمام رواية مشاعرية بامتياز، ذات بطلة الرواية حاضرة كل الوقت، ما تعيشه تفاصيل تنسج أحوالها، حيث تعبر عمّا تعايشه بشفافية وعمق ودقة، تنفذ داخل النفس بكل قدرة، واقع القتل والاغتصاب والإساءة للناس والعقائد والإسلام، يكاد يكون عنواناً لحضور داعش لتقدم صورة عن الإسلام، تجعل العالم يتمسك بكل ادعاءاته وأوهامه عن تخلف وعنصرية ووحشية المسلمين، وتحويل الإسلام لاعتقاد يصنع الإرهاب.

داعش قدمت للعالم الذريعة التي سيستثمرونها لسنوات طويلة ضد الإسلام والمسلمين، هناك تغييب في الرواية عن كيف وجدت داعش؟ ومن أوجدها؟ قد لا يكون مطلوب من الرواية ذلك، لكن الصورة بهذا الشكل غير كافية رغم حضور البعض في الرواية للقول عن داعش: هؤلاء أعداء الإسلام والمسلمين قبل عدائهم للعالم كله.

من إيجابيات الرواية أنها سجلت للتاريخ أدبيا محنة الإيزيديين ال ٧٤ من الإبادة الجماعية عبر التاريخ على ما ذكرت الرواية، وتجعلنا قارئين مطلعين على معتقدات وأناس وعادات وتقاليد كانت من المجاهيل عندنا، أو لنقل من المنكرات، اكتشفنا أن كل العقائد تحمل المبررات النفسية والعقلية لحامليها، وأنها حتى وإن كانت عبدة الشيطان، هي غطاء اجتماعي اعتقادي لمشروعية مجتمعية يحترمها ويعيشها جميع معتنقيها، مشكّلة لهم جوّهم الحياتي بكل تنوعه وآماله وآلامه وأحلامه وأمنياته المستقبلية.


زهراء عبد الله؛ كاتبة سورية – لبنانية، هذه روايتها الأولى.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!