الديستوبيا واقع يتجاوز الأدب

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

تُعرّف الديستوبيا Dystopia على أنها شكل أدبي يتحدث دائماً عن مجتمعات فاسدة بأسوأ صورة متاحة، إنها نوع من الأدب الخيالي الذي يصور المجتمعات المستقبلية بغرض تسليط ضوء نقدي ورفض بشري طبيعي للخضوع لسلطات أعلى، رفض الخضوع للسياسة والدين والفلسفة والمجتمع والاقتصاد المتحكم بتفاصيل حياة البشر وتحويلهم إلى أنماط متشابهة. إنها أدب المدينة الفاسدة، وهي على النقيض من اليوتوبيا Utopia المعروفة بالمدينة الفاضلة.

الرواية الأشهر لأدب الديستوبيا كانت مع جورج أورويل في روايته 1984، لكن هذا النمط الأدبي هو أقدم من ذلك بأربع قرون. ظهرت أول رواية تُصنّف ديستوبيا مع الكاتب البريطاني جوزيف هول في عام 1595 باسم عالم قديم وجديد An Old World and a New. وتوالى هذا النمط الأدبي كحالة اعتراضية على التطورات الكبيرة للسلطات الحديثة وإغراق البشر في مستنقع العبودية الاختيارية أمام متطلبات عصر حداثي.

لكن الانفجار الطاغي لأدب المدينة الفاسدة كان في الثلث الأول حتى الثلث الثاني من القرن العشرين، وما زال حتى اليوم يمتد بشكل أكبر، ومن أهم الأعمال التي تحدثت عن هذا النمط، رواية 1984 ورواية مزرعة الحيوان لأورويل، رواية حكاية الخادمة لمارغريت آتوود، رواية البرتقالة الآلية لأنطوني بيرجس والتي أصبحت فيما بعد فيلما سينمائياً بنفس الاسم للمخرج ستانلي كوبريك، والمانج للويس لوري التي أصبحت فيلماً أيضاً، ورواية نحن ليفغيني زاماتين، وآلة الزمن والنائم ينهض لهربرت ويلز، وغيرها الكثير من الأعمال التي عبّرت عن عالم اليوم وتحوّل الإنسان إلى شكل من النمط المطلق الذي لا يفكر داخل صراعات السلطة وما حولها.

بطريقة ما كان ذلك الانفجار الأدبي لهذا النوع، أقرب للتنبؤية التي سنصبح عليها، ورغم أنه ما زال هناك كثير من الأدباء الذين يمارسون هذا النقد للسلطة من خلال الديستوبيا الأدبية، إلا أن حالة تجاوز السلطة الوحشية لهذا النقد نفسه قد عبرت عليه دون التفات إليه.

أدباء القرن العشرين كانوا تنبؤيين مع حالة من الشكيّة للخطأ المحتمل، لكن أفكارهم صدقت، واليوم نعيش ديستوبيا حقيقية تجاوزت عوالم الأدب.

كل شيء حولنا واقع مرير فعلياً، أنماط موحدة من الرغبات، أشكال ثابتة من الأفكار، اندهاش متشابه لأي شيء جديد، حتى ردود الأفعال رغم تنوعها لكنها جميعاً تدخل في حيز من الآلية المقيتة. حداثة اليوم التي تخلق فينا أشكالاً وتفاصيل قد لا ننتبه عليها لكنها جدية بشكل كبير.

أدباء القرن العشرين كانوا تنبؤيين مع حالة من الشكيّة للخطأ المحتمل، لكن أفكارهم صدقت، واليوم نعيش ديستوبيا حقيقية تجاوزت عوالم الأدب.

إننا ممتلئين بكل معطيات الفرح الزائف أمام حقيقة التوهيم السياسي في السيطرة على المجتمعات، ولنذكر بعض من هذا النمط الموحّد:
كأس العالم هو بشكل ما احتفالية جمعيّة بالفرح بالنسبة للمهتم وغير المهتم، بالنسبة لمن يعيش سلماً ومن يعيش حرباً، لكنه فرح مؤقت يُصيبنا بالرغبة للانتصار الذي لا يحقق لنا شيئاً بالمستوى الفعلي. أو انتظار الإعلان عن فيلم لمحبي السينما، انتظار موحد وشوق متشابه ونقاشات وتحليلات لقضاء ساعتين من المتعة في حال صدوره دون فائدة فعلية على أرض الواقع. أو انتشار ظاهرة على السوشيال ميديا، فيديو كارثي، أو تحدي أحمق، إنها نوع من الفكاهة الموحدة والسريعة النسيان. أو حتى الفضائح العامة لأي شخصية إن كانت مهمة أو غير مهمة، وظهور ردود أفعال أخلاقية متشابهة اتجاهها، إنها نوع من إثبات بأننا ما زلنا جيدين رغم أن الأخطاء نفسها قد تتشابه عند الجميع.

هذا النمط المُغلّف بصورة النقد والتمدن هو جوهر الوعي الديستيوبي، الإحساس الفاسد بكل شيء، ومحاولة التسلق للنجاة من عمق الهوّة التي نغرق فيها أكثر. إنها بالضبط صورة منعكسة لقدرة السلطة في التحكم بكل التفاصيل.

إننا نمتلك قابلية التوحيد المطلق على كل ما هو وهمي ويجعلنا أكثر تشتتاً إزاء الأفكار الأخرى الجديّة، وبالمقابل تفجير التخندق والعنصرية اتجاه الأفكار الحقيقة التي يمكن أن تفعل شيئاً مختلفاً لتغيير الواقع. هذا النمط السلوكي الجمعي ليس سوى شكل من الديستوبيا الواقعية؛ إنها عملية فرض ما يجب أن نقف اتجاهه ونتخذ موقفاً منه، أن نتعامل مع الواقع كآليين يحتم عليهم إما الانصياع للفرح الزائف وإما ممارسة الحكمة الفارغة عند المجابهة مع السلطة. أن نتخذ شعارات عامة وموجهة.

لم تعد الديستوبيا نمط أدبي نقدي، إنها محاطة بنا وبمفاهيمنا وبيومياتنا، إننا نعاني منها دون أن نعيها، متمثلة بالأرق والسأم أحياناً، والشعور بالروتين السلبي وتنفيذ المهام، وممارسة الترفيه الذاتي بمسائل هي أسخف ما يمكن أن نفعله في حيواتنا.

إننا نعيش في زمن شمولية السلوك الخاضع لشمولية السلطات. إنه زمن فاسد خرج من صفحات الكتب ليصبح واقعاً لا يُمحى.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!