السينما الكُردية.. تطور ثقافي يساهم بنقل معالم مأساة الشعب بفن راقٍ ومميز

0
الأيام السورية؛ خالد علوش

يشكل الفن السينمائي عنصراً مهماً في تحديد الطبيعة الاجتماعية ومشاكلها الناتجة عنها سياسياً وثقافياً، وتطرح بكثير من الجدية آليات الحلول فيها، ولو أن هذا الكلام لا يُطبق بشكل كبير على المؤسسات الإنتاجية الضخمة كهوليوود وبوليوود، لما تحتويه الصناعة هناك من أرباح اقتصادية صرفة بغض النظر عن أهمية المحتوى.

السينما كفن، تمس بشكل دقيق ومباشر الأزمة الإنسانية بالعام، أكثر من أي فن آخر، شعر أو أدب أو حتى موسيقى، للعلاقة التكثيفية زمنياً وبصرياً مع المتلقي، لذا فيحظى هذا الفن بقبول جماهيري واسع وذو تأثير شديد في تغيير التفكير الاجتماعي بالمجمل.

وبطريقة ما يرتبط تطور هذا الفن بتطور المجتمع نفسه بعلاقة جدلية تكاملية، السينما تغيّر تفكير البشر، والبشر بتطورهم يغيرون آليات الإنتاج الفكري في السينما. على هذا الأساس تكون السينما العنصر الثوري الفني إذا ما يمكننا تسميته بهذا الشكل.

في مضمون الحديث عن السينما الكُردية، نستطيع أن نحدد تطورها ضمن خط زمني مرتبط بطبيعة المجتمع الكُردي في أربع دول بشكل رئيسي، فيمكن القول إن السينما الكُردية في إيران وتركيا، كان لها حظ أفضل في الإنتاج والطرح من سوريا والعراق، لما تحمله طبيعة المجتمعين الإيراني والتركي من تطور بنيوي في داخلهما وتاريخهما الثقافي أيضاً، ليس بالنسبة للأكراد بل أيضاً بالنسبة لشعوبها القوميين.

ابتدأت مرحلة السينما الكُردية مع المخرج التركي يلماز غوني في بداية السبعينيات حتى الثمانينيات، وكانت تعتبر نقطة انطلاق هذا الفن الذي يعالج مسائل الإنسان الكُردي ومعاناته داخل مجتمعات ذات نزعات قومية، لقد حدد غوني نمط بصري خاص به أعطى من خلاله للسينما الكُردية عالمها ومشاكلها، لتتفجر بعد ذلك بفترة قصيرة أنماط إنتاجية في العراق وإيران بشكل خجول نسبياً، لما كان يعانيه الكُرد سياسياً.

المخرج يلماز غوني (ادويت)

لكن الانفجار الكبير في السينما الكُردية كان مع المخرج الكُردي الإيراني بهمن قبادي، الذي رفع هذا الفن إلى مصاف عالمي ولفت الأنظار إلى معاناة شعب كامل عانى تهميش غير طبيعي في تاريخه بحرفية بصرية وذكاء حواري غير مسبوق، ومن أهم ما أنتجه بهمن عالمياً، زمن الخيول الثملة 2000، السلاحف تستطيع الطيران 2004، نصف قمر 2006، لا أحد يعرف القطط الفارسية 2009.

المخرج بهمن قبادي (ويكيبيديا)

لتضج الساحة أيضاً بعد ذلك مع المخرج الكُردي العراقي شوكت أمين كوركي بأفلامه، عبور الغبار 2006، والانطلاق 2009، وذكريات على الحجر 2014.

المخرج شوكت أمين كوركي (إذاعة العراق الحر)

وبرغم أن تاريخ السينما الكُردية ليس بالطويل كزمن إلا أنها استطاعت إيجاد مساحة كبيرة عالمياً اليوم، وما زالت تقدم تطورات على مستويات أسماء وعروض مهرجانية، حققت من خلالها عديد من الجوائز.

ضمن كل هذا الإنتاج، كان جزء مهم من الفن السينمائي غائباً في سوريا حتى اليوم، لأسباب تتعلق بطبيعة النظام الحاكم، ليس على الكُرد فقط، بل على مفهوم الفن نفسه وآليات عمله. فالسينما السورية بالعام ذات إنتاج ضعيف جداً مقارنة بدول أخرى، فكيف يمكن أن يكون الحال بالنسبة للسينما الكُردية لدى الكُرد في سوريا!.

من فيلم زمن الخيول الثملة (تلغراف)

لكن اختفاء هذا الجزء من معاناة الشعب الكُردي في سوريا وعدم تسليط الضوء عليه، لا يعني انحدار السينما، فما أنتجته السينما الكُردية في تركيا وإيران وجديداً في العراق، هو فاتحة بطريقة ما لتطويره أيضاً في محنة الشعب الكُردي السوري.

أفيش فيلم الطريق مصدر (نون بوست)

وبطبيعة الحال كانت المعاناة والحديث عنها دائماً موحدة، وما تقسيماتها القومية وتخصيصها إيرانياً وتركياً إلا نتاج عن جوهر التاريخ الفني والثقافي لتلك الدول التي استمد الفنانون الكُرد آليات عملهم منها.

صحيح أن غوني أو قبادي أو كوركي حددوا أنماط موحدة بصرية وحوارية في الكتابة لتحديد الهوية الكُردية ومعالجة مشاكلها، لكن كل واحد منهم ينتمي لتاريخ إنتاجي مرتبط ببلده ووعيه الثقافي. هذا المزيج بين تحديد الهوية البصرية والشخوصية السينمائية وبين الارتباط التاريخي للإنتاج السينمائي نفسه في كل بلد على حدة، لم يحقق بعد الفصل النهائي.

أفيش فيلم السلاحف تستطيع الطيران (فيسبوك)

متابع السينما سيدرك مباشرة النفس الإيراني عند قبادي واختلافه عن أفلام غوني المشبعة بمعالم الثقافة التركية أو كوركي المليء بطبيعة شخوصه التصارعية الناتجة عن تصارعية عراقية.
السينما الكُردية اليوم ما زالت تصارع لتحديد جذر موحد لها، لكنها رغم ذلك فإنها قدمت تطوراً ثقافياً حددت معالم مأساة هذا الشعب المشتت بفن راقٍ جداً ومميز.

آفيش فيلم موسم الكركدن (تلغراف)
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!