أحلام مهاجرة صوب القارة العجوز

0
بقلم: كفاح زعتري

وطأت قدماها أخيراً الأراضي الألمانية، بعد رحلة شاقة وعذابات صامته.

كانت بمنتهى السعادة والدهشة. ما أجملها من بلد، طبيعة، عمران، حضارة، ثقافة، حرية، مساواة وووو.

صوّرت الشجر والناس والحجر، المحطة والقطار، تصورت سيلفي مع اللوحات الطرقية وأمام المقاهي والمتاجر والبيوت.

كان كل شيء جميلا بل أجمل مما تخيلت، يبدو أن القدر ابتسم أخيراً، وأسدل الستار عن ما مضى من عمر توأمه الخوف والقلق؛ إنها الحياة تفتح ذراعيها وتحتضنها بأمان وحب قائلة: هيا يا صغيرتي استمعتي بعمرك ووقتك، ستتعلمي وتعملي، سيكون لك مكان آمن ومستقبل هانئ، ضمان اجتماعي وصحي، سكن دافئ، لن تخشي من أن تطردي أو يتحرش بك رئيسك في العمل، ستجدين الفرصة التي تستحقين وأجراً عادلاً، ثم.. قليل من الوقت والصبر وستلتحق العائلة بك.

هو حديث النفس ولعله أضغاث أحلام مسافرة، أغمضت عينيها قليلاً وسرحت بخيالاتها، لترتسم كل الصور البراقة التي نقلها مهاجرون قدامى عن القارة العجوز.

إنه مكبر الصوت يعلن عن المحطة التالية، هي المحطة التي عليها أن تنزل وتتوجه إلى مركز اللجوء. ساعدها معرفتها اللغة الإنكليزية على التنقل بيسر.

وصلت بعد منتصف النهار، كانت الرحلة طويلة من جنوب ألمانيا إلى شمالها، عند مركز اللجوء كان هناك طابور من المنتظرين؛ “إنه أمر عادي ويعبر عن نظام وانضباط المكان، أيضاً بسبب عدد الموجودين، لعلهم خمسين عائلة، كل شيء مرتب، “قليل من الانتظار لا ضير فيه”.

سيكون لك مكان آمن ومستقبل هانئ، ضمان اجتماعي وصحي، سكن دافئ، لن تخشي من أن تطردي أو يتحرش بك رئيسك في العمل، ستجدين الفرصة التي تستحقين وأجراً عادلاً.

يحصل كل من المنتظرين على رقم ويعاود الانتظار، يفترشون الأرض يتعرفون على بعض، الأطفال يتراكضون، أم تغير حفاضات طفلتها، أناس من كل الألوان.

طال الانتظار وبرد الجو مع مطر خفيف ما لبث أن اشتد، من الجيد وجود خيمة واسعة بهكذا أجواء، نام البعض والبعض يتململ والأطفال يلعبون ويحصلون على بعض السكاكر لتسكين الجوع.

تأخر الوقت وانتهى دوام الموظفين، طلبوا من الجميع الدخول إلى ساحة المركز وتوزيعهم إلى مجموعات ليتم نقلهم تلك الليلة إلى مكان يبيتون فيه، وفي اليوم التالي يتم استكمال إجراءات استقبالهم.

وصلت فانات كبيرة وبعض سيارات الأجرة، ونقل الجميع بموجب قوائم اسمية ليبيتوا ليلتهم ومن ثم يتم تسجيلهم في تلك المنطقة.

لا يعلم أي منهم إلى أين يتجه، كان البعض أثناء الانتظار يتحدث عن صالات وخيام، لكن الحديث كان غير منطقي. عبَرَ الفان المدينة وصار في الضواحي، مر على عدة معسكرات اعتذر كل منها عن استقبال الوافدين، كانت فعلا خيام، ربما كان  الكامب الخامس، فتح بوابته وولجها الفان بما يحمل من هامات مغبرة تعبة، أرهقها السفر والانتظار والجوع والسهر؛ تفضلوا هنا ستمضون ليلتكم وغدا صباحا سيأتي باص وينقلكم إلى المركز، قدم أحد المشرفين شرشفين استخدام مرة واحدة وكيس ورق يحوي علبة مرتديلا صغيرة وشريحة خبز وحبة فواكه وعلبة ماء، فتح “السكيوريتي” باب الخيمة، كانت عبارة عن مكان واسع جدا، يحوي ـ وفق حديث الموظف ـ  على 200 سرير، رجال ونساء وأطفال ورضع، سلل كبيرة للزبالة فيها بقايا طعام وقشور وحفاضات، ونفَس 200 شخص،  كان الوضع صادما.

أولاد قاصرون بأعمار مختلفة، روّج المهربون واللاجئون الأقدم، بأن الأطفال يحصلون على الإقامة بشكل سريع ويمكنهم طلب ذويهم.

صباح اليوم التالي أتى باص ونقل ضيوف المساء إلى مركز اللجوء ليبدأ يوماً آخر من الانتظار على أمل أن يحظى كل من الموجودين على سرير وسقف.

خلال يوم طويل ووِحدة مريرة، يجد المرء نفسه يتجاذب أطراف الحديث مع البعض ممن يتحدث لغته؛ هؤلاء أربع شبان خرج ثلاثة منهم من تركيا إلى اليونان سباحة وأتموا طريقهم براً إلى ألمانيا، صبية خرجت من دمشق مع كروب، كل توجه إلى دولة وهي قصدت ألمانيا تريد لم شمل أسرتها، عائلة كبيرة، أولاد وأحفاد وأخوة…. كل يروى مغامرته حتى وصوله هذا المكان، الكثير منهم جاء بمفرده خوفاً على أسرته من الغرق والطريق أو لضيق ذات اليد وعدم توفر مصاريف السفر، يمنّي كل منهم نفسه بلم شمل عائلته. أيضاً أولاد قاصرون بأعمار مختلفة، روّج المهربون واللاجئون الأقدم، بأن الأطفال يحصلون على الإقامة بشكل سريع ويمكنهم طلب ذويهم.

أحاديث ومغامرات وقصص غرق ربما تعرض لها أغلب من وصل، استعراضات ومبالغات ووو.

قبيل المساء تم توزيع الموجودين، العائلات بداية ثم الرجال والنساء بمفردهم ونقل الجميع بباصات إلى أماكن يجهلونها، وحيث بقوا تقريباً يومين مجتمعين، وباعتبار الإنسان كائن اجتماعي فقد تبادل البعض أرقام التواصل وتابعوا أخبار بعضهم. منهم كان نصيبه غرفة مشتركة في كامب كبير ومنهم سرير طوي في صالة أو خيمة ضخمة، أو صغيرة تتسع إلى 14 سرير، لا يوجد خيار آخر.

خيمة اللجوء الكبيرة في الخيمات (يوتيوب)
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!