لستُ وحدي الجمال والألوان كلها

0
بقلم: شيركو بيكه س

عطاءْ

لا تحزني أيتها الفَراشة

لعمرك القصير

لأنّك وفي الغمضة تلك

منحت طولاً لعُمر الشعر

لم يعطه حتّى “نوح”

فلا تحزني.. أيتها الفراشة

الجذرْ

في الغابة هذه

يوم قلتُ: إني الشجرة الوحيدة

التي يأكل منها الله

بَعدَها

نشبت الحروب!

في الجبال هذه

يوم قلتُ إني الجبل الوحيد الشامخ

الذي تشرق عند ذروته شمس الحياة

مذ ذاك

نشبت حرب الجبال.

بين الجياد هذه

يوم قلتُ: إني الجواد الوحيد

ذو الصهيل الأصيل

بَعْدَها

نشبت حرب الجياد!

يبدو أن الدماء هذه لن تنطفئ حتى

أوقدُ حقيقة داخل رأسي:

إني لستُ وحدي الجمال والألوان كلها.

إني لستُ وحدي الشمس والأشعة كلها.

إني لستُ وحدي الجياد والصهيل كلها.

جيمس جويس

رَأسٌ بحَجمِ جَوزةٍ هِنديّة

عُوَيناتٌ مُدَوَّرَة

جَسَدٌ لا يُضاهيه القَصبُ في نَحافَتِةِ

كانتِ الريحُ تحيا في تِلكُم الجَوزَةِ

وما وَراءَ العُويناتِ شَمسانِ

وفي القَصَبِ سِمفونية!

الصرخة

ليسَ عَبثاً بياضُ الثلجِ

ولم يتلوّنْ بلونه اعتباطاً..

إنهُ دموعُ وَحْدةِ الإله

تتجمدُ في الغُربة.

ليست هَباءً وَلْوَلةُ الرِّيحِ.

ولا تَصْرُخُ مِن تِلقاءِ ذاتِها

بل إنها امرأةٌ شَرقيةٌ مُشعَثةُ الشّعرِ

ومذعورةٌ

يُطارِدُها رَجُلٌ في هيئةِ سكين

فَردةُ جَورَبْ

بَقِيَتْ فَردةٌ من الجَوارب لوحدها

بعدما أَخذت زوبعة الخريف زوجَها بعيداً

فقالَ لهُ الطّنَبُ بصوتٍ عالٍ:

“هذه كانتْ نهايتَكُما

منذُ الآنَ فَصاعداً

لن يُريدَكُما أَحدْ

ولَنْ تَقْدُرا العَيش فُرادى”.

لكنّ الحالَة لم تَكُنْ كهذه

لأنّه وفي إحدى ضواحي المدينة

وجدَ شابٌ يافعٌ فردةَ الجَورَبِ

فوضع عُكّازَتَه على صخرةٍ جانباً

وارتَدَاها

وشكَرتْهُ الساقُ الوحيدةُ

من صميمِ فُؤادِها…

تَحِيَّة

حَيَّتِ الرِّياحُ شَجَرَةً

فأجابَتها بِهَزّةٍ من رأسِها،

حَيّا الطَيرُ ماءً

فابتَسَمَ لهُ الماءُ في الضِّفَةِ الأُخرى،

حيّا الماءُ زَهْرَةً

فردّته بتغنُّج.

وعندما حيّتهم الفتاةُ الجَميلة

ركضت الشَّجَرَةُ للُقْياها

وحَطّ الطَيرُ على كَتِفِها

واحتضَنَها الماءُ،

أَما الزّهرةُ فَتَسَلَّقَتْ قامَتَها

لَتستَقرّ في شَعرِها

وتُزَيِّن جَدائِلَها.

غريب

لَسْتُ غَريبَ الدَّارِ وَحْدي

فالدَّارُ أَيضاً غريبُةُ حارتِها

الحارةُ غَريبَةُ مَدينَتِها

المَدينةُ غَريبَةُ بلادِها

البلادُ غريبُة العالَمِ

والعالمُ غريبُ الكونْ.

ظِلاّنْ

ظلٌ لشَخْصٍ واقفْ

يَسْقُطُ فَجْأَةً على الأَرضْ

ظِلٌ آخَرْ يَهْرُبُ… ويَغيبْ.

بَعدَ لحظةٍ:

مَشَت غَزالَةٌ في مَكانِ الظلِّ الأَوّلْ

وفي مكانِ الظلّ الثاني

جاء رِمْحٌ… واغْتَرَزَ.

الرَّصافـي

ثَمَّة ميدانٌ

ومِئْذَنَةٌ ودُكّانْ

يقف الرَّصافـي فـي الميدانِ وحيداً

لم يَعُدْ يرجِعُ لبَيْتِهِ بَعْدْ

وفي خاصِرةِ المِئْذَنَةِ

ثمَّة يَمامةٌ مَذْعورةٌ.

وهناك دكّانٌ واحدٌ فَقَطْ

يَفْتَحُ أَبوابَهُ

كُتِبَ على جَبينِهِ

بخطٍ كبيرٍ ورَديء…

بيّاعُ التّوابيتْ.

هذه اللَّيْلة

فـي هذِهِ اللَّيلة… المصابيحُ كُلُّها مُضيئة

لكنّ مَنزِلي مازالَ مُعْتَماً

لِمَ لَمْ تَعودي… لِمَ؟

فـي هذه اللَّيلة… كلُّ المَصابيحِ مُطْفَأَة

لكنّ مَنْزِلي مازالَ مُضيئاً

إِذَنْ… فَقَدْ عُدْتِ

قِصَّةُ رَجُلْ

نسج النَسّاجُ حتى مماتِهِ

نَسَجَ السُجّادَ.. ونَسَجَ الورودَ

ولكنّهُ لمْ يَمْلِكْ لنَفسِهِ

سُجّادَةً واحِدة

ولم يضَعْ أَحدٌ

على قَبْرِهِ

وردة!

الزواجُ بِبُحيرةٍ أَرمَلَة

بَعدَ الحَرْبِ

وعلى صَهْوةِ غَيْمةٍ بَيضاءْ

سافَرَ لَحْنٌ وشِعْرٌ وقِصّةٌ مَعاً

لزِيارَةِ بُحَيرةٍ أَرْمَلَة.

نَزلوا بِخُيُوط المَطَرِ فَوقَها

تَمَشَّوا مع الرِّيحِ حتّى جَدائلِ البُحَيرة

صَنَعَ اللَّحْنُ مِنَ الحُبِّ سَماءً جَديدة

صارَتِ القِصّةُ طائِراً بِجَناحَينِ كَبيرَينْ

وطارَتْ في السّماءٍ الجَديدة

صار الشعر أُفُقاً فَتيّاً

وفي أَوَّلِ أَيّام نَوروز

تزوّجَ من البُحيرةِ الأَرمَلَة.

مصدر  مجلة اللحظة الشعرية، العدد 14 عام 2009
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!