في عينيكِ وحدهما أرى كلّ السماء!

0

بقلم: شيركو بيكه س

ترجمة: حسين عمر

1/

اليوم، في هذه المدينة، اليوم
فتاةٌ من غيم
قبل أن تهطل
ألقت بنفسها من شرفةٍ خضراء.

آه! لقد أطبقوا عليها السماء!
كانوا يراقبون
الفتاة من غيم من الشرفة:
في الأسفل، مثل زهر الختمية البيضاء
نمت وتفتّحت
وأزهرت ورداً حُمْراً
في الشارع وعلى عتبة البيت!
فتاةٌ من غيم!

2/

في ليلة مقمرة مضيئةٌ
فجأةً
انقطع خيط عِقْدها!
بحث الجميع
عن حبات الخرز تحت الطاولة.
أمّا أنا، فأردتُ أن أعثر فقط على الخرزة
التي كنتُ أراها دائماً
تنام بين نهديها!

3/

هذا المساء، كلّ المصابيح مضاءةٌ
ومع ذلك بيتي غارقٌ في العتمة
لِمَ لم تعودي؟!
هذا المساء، كلّ المصابيح مطفأة
ومع ذلك بيتي طافحٌ بالنور
أهذه أنتِ قد عدتِ؟!
4/

لو لم أعرف ذاك التشرّد
لما أصبحتُ قطّ هذا الطريق
لو لم أعرف ذاك الظلام
لما أصبحتُ قطّ هذا المصباح
ولكن ها أنا الآن أرى
التشردّ والظلام
في عينيكِ!

5/

في حضرة ليمونتيكِ
حملتُ الليمونة التي على طاولتي، أخذتها إلى البيت
حينما أردتُ تقطيعها
صرختْ
حينما أردت أن أبقيها معي للذكرى فقط
عبست وغضبت منّي
لكن حينما أمسكتها
شممتها وقبّلتها
وعصرتُها بلطف
ضحكت فرحاً ملء غرفتي!

6/

«رأس» كِ قيثارة
أمسكُ شعركِ بلطف!
تصبح كلّ شعرة في يدي
وتراً
تصبح خصلاتك أوتار ألحانٍ
ورويداً رويداً
تعزف عليها أصابعي!

7/

كانت شجرةٌ معمِّرة نائمة.
هبّت «ريحٌ»
وهزّتها
أيقظتها
ثمّ همست في أذنها:
كم من الأيام يمكنكِ
أن تؤوي
عاشقين مُطارَدين من هذه المنطقة؟!
أعرفُ أنّك تلك الشجرة
التي من أجل عشق ساقيةٍ
قطعوا يدها اليمنى!
صمتت الشجرةُ المعمِّرة لبرهةٍ
ثمّ قالت:
وما فائدة هذا الجوف الدافئ
في أحشائي
إن لم يكن لهموم العشق؟!
ليس كم يوماً
بل إن شئتِ فليظلّا هنا
حتى يُولَد في جوفي
طفلهما البكر!

8/

بنسمةٍ واحدة
عرفتُ للمرّة الأولى أوراق خريفي المتساقطة
وبأوراق الخريف
عرفتُ للمرّة الأولى عزلتي
وبالعزلة عرفتُ الغربة
وبالغربة عرفت العشق
وبالعشق عرفتُ الشِعِر!

9/
امرأةٌ في هيئة
كمنجةٍ في زيّ الحداد
كلّما رأيتُها من بعيد
أصبحُ الأصابع النحيلة لقصيدةٍ
والنوتة التي أمامها
عشق ينتظر واقفاً
وذقني وسادة غيمٍ
لقامتها الحزينة
وإلى حين اختفائها
أكون أنا «الريح»
وهي أوتار
المطر
وأعزف عليها!

10/

شجرة «الصفاف الباكي» امرأةٌ
ركلها الرجلُ في ظهرها
شدّ الرجلُ شعرها
امتطى الرجل أعلى رقبتها
ولهذا هي متهدّلة الأغصان هكذا!

11/

سقطت وردةٌ مُطارَدة
في طوق لهبٍ
وذبُلت،
منعوها من الوصولِ إلى عشقها.
لكنّها تركت خلفها
قطرة العطر تلك
من روح الذكرى
للحبّ العذري!

12/

ما عساه أن يكون عشقك؟!
ما أعرفه هو
أنّه حدقتان إضافيتان لي
أذنان إضافيتان
جناحان إضافيان
ولكن ليس في صدري
قلبانِ… أبداً!

13/

في ألياف ورقة واحدة
أرى غابة
في قطرة ماء واحدة
أرى محيطاً
في ذرّة ترابٍ واحدة
أرى الكرة الأرضية
في عينيكِ وحدهما
أرى كلّ السماء!

14/

الصور التي التقطتُها
لم يلتقطها سواي من قبل
صوّرتُ خرير الأمواج، لا الأمواج!
هيبة الجبل، لا الجبل نفسه.
ابتسامة الطفل، لا الطفل نفسه.
بكاء الخبز، لا الخبز نفسه
صرخة الحجر، لا الحجر نفسه
نشيج أوراق الشجر، لا الأوراق نفسها
صوّرتُ عشق حبيبتي
لا حبيبتي نفسها!

15/

كانت هديّتكِ لي ربطة عنق
حينما أرتديها في لقاءٍ معكِ
وحاولت أن أستفزّكِ وأغضبكِ
وأُغيظُكِ
بقيتِ صامتة هادئة.
بدلاً من يديكِ،
كانت الربطة تضغط على عنقي
كما لو أنّها تخنقني!

مصدر  مختارات من قصائد شيركو بيكه س، دار «العين» - القاهرة ، ترجمة: حسين عمر
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!