رحلة الموت السوري.. في رواية: أرواح صخرات العسل

0

الكاتب: ممدوح عزام.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: دار سرد للنشر ودار ممدوح عدوان للنشر/ ط١. ورقية، ٢٠١٨م.

ممدوح عزام روائي سوري مخضرم ومتميز، منذ روايته قصر المطر قبل عقدين تقريبا، أصبح حضوره الروائي في الأدب السوري كبيرا.

أرواح صخرات العسل، رواية عزام الأحدث، يعود فيها إلى ذات المكان الذي يعبر عن خصوصية التكوين الأول لأبطاله، بلدات وقرى مجاورة لمدينة السويداء. مغطيا عقود من الزمن لهؤلاء الأشخاص الذين وضعهم تحت مجهر متابعته، حتى نهاية إنجاز روايته عام ٢٠١٧م. وصنع من حياتهم الخاصة وما ينعكس عليها من الوضع العام روايته هذه.

طريقة سرد الرواية تعتمد على الخطف خلفا حيث وصل للراوي خبر وفاة عابد ثالث الأصدقاء الثلاثة مع خالد وحامد. عابد الذي تنبأ يوما بوفاته وأصدقائه تباعا ومبكرا.

سيروي نائل قريب عابد الأحداث، وكذلك صديقهم غير المقرب أحمد، وسيدوّن الراوي الحكاية. تبدأ الأحداث من طفولة لأطفال ثلاثة في بلدة المنارة من ريف السويداء، حيث يلتم شملهم من طفولتهم وأيام المدرسة الابتدائية، تتوطد العلاقة بينهم، ويصبحون مثار إعجاب وتعجب من يحيط بهم، يلتقون من صغرهم في منطقة مجاورة للمنارة اسمها صخرات العسل، يعيشون طفولة شقية في ريف مضبوط الإيقاع والتفاعلات، الروابط الاجتماعية محددة سلفا، الكل تقريبا مستوري الحال، البعض يعمل بالزراعة والبعض يعمل في البلدات المجاورة أو السويداء بأعمال البناء وغيرها من الأعمال التي تحتاج الجهد والمشقة.

في المدرسة الابتدائية سيواجهون قساوة المدير الذي سينسون اسمه ويسمونه بلقب البربيش نسبة إلى بربيش بلاستيكي يضرب به التلاميذ على طول الخط. عاش الأطفال مع غيرهم من التلاميذ مطالبتهم بأن ينضبطون بالطلائع وشعاراتها غير المفهومة والتي يطالبون بترديدها، كذلك الهندام الذي يعاقب أي مخالف له بأقسى العقوبات من بربيش المدير. لذلك كان موقفهم النفسي من الطلائع عدواني، لقد أحسوا ذلك قيدا على حريتهم.

في الإعدادية يواجهون وضعا جديدا، لقد تم دعوتهم وإلزامهم بالانتساب إلى الشبيبة، كان زميلهم أبو طرة الذي يكرهونه لسوئه وانتهازيته، هو من دعاهم للالتحاق بالشبيبة، مقدماً الإغراءات بمستقبل أفضل سيصنعونه مع الشبيبة وحزب البعث لاحقا في الثانوية، وكذلك دعاهم المدير للانتساب لأنه سيؤمن لهم العمل والقوة، انه انتساب للسلطة، وفي الحالتين رفض الأصدقاء الثلاثة هذا الانتساب، لكونه جاء عن طريق أبو طرة والمدير البربيش مع عدائهم وكرههم لهم.

كان خالد أحد الأصدقاء الثلاثة قد أحب هيفاء ابنة بلده والتي هي معه في المدرسة والصف، وظهر ذلك من تجوالها معه وتفاعلهما دائما مع بعضهم، مما دعا أبو طرة ممثل الشبيبة لأن يقرر محاكمتهم وإياها على التسيب الأخلاقي، مما دفع الأصدقاء الثلاثة لخوض معركة لحماية صديقهم خالد وإنقاذ سمعة حبيبته هيفاء، ونجحوا بذلك عن طريق تهديد أبو طرة بالضرب والذي جاء من أخ أحد الأصدقاء الثلاثة.

كان عند حامد حبيبة أيضا اسمها هند، لم يستطع أن يتواصل معها لأنه أخطأ البداية وكشف أمرها لأهلها، صارت مهددة في مجتمع مغلق ممنوع به الحب، وهو وقع في أكثر من كمين لأقرباء هند لضربه وتأديبه، ولولا أصدقائه ودفاعهم الجسدي عنه لما نجا من تلك الاعتداءات.

الأصدقاء الثلاثة لم يتابعوا دراستهم بعد الثانوية وانتقلوا للعمل ليؤمنوا سبل العيش، كانوا متضامنين في كل أمور المعيشة، أحدهم كان والده يعمل في ليبيا ويحول المال له ولأمه، وكان يصرف على أصدقائه دون حساب، وعندما امتنع الأب عن إرسال المال، صار الأصدقاء يعينونه، الآخر تدعمه أخته، وهكذا يدبرون شؤون حياتهم، الثلاثة ذهبوا إلى الجيش في وقت واحد تقريبا، وعندما انتهت مدة خدمتهم العسكرية عادوا لسابق صحبتهم وتواصلهم الدائم، بدؤوا بالعمل تارة في بلدتهم المنارة أو البلدات المجاورة، أو السويداء، كانت فرص العمل عند الدولة ضئيلة جدا، كان البربيش الذي أنهى خدمته كمدير مدرسة وأصبح المسؤول الحزبي في البلدة، يعد كل من ينتسب لحزب البعث بفرصة عمل ودعم من السلطة، الأصدقاء الثلاثة استمروا على موقفهم من عدم الانتساب للحزب. وعندما حاول بعض الأهل التوسط لديه ليوظف أبناءهم كان يؤمن لهم عملا مؤقتا لمدة ثلاثة أشهر غير قابلة للتمديد.

تبدو الرواية منحازة لعزلة السويداء وريفها على حساب شروط موضوعية وأسباب تطال سوريا كلها بما فيها السويداء وريفها، إنه ظلم النظام واستبداده وقمعه وغياب العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية وحقوق الإنسان.

عندما بدأت أحداث الثورة على النظام في سورية، وبدأ يصل صدى هتافات قرى درعا المجاورة للمنارة الى أسماع أهل المنارة والأصدقاء الثلاثة، كانوا متفاجئين مما يحصل وماذا يعني أن هؤلاء يطالبون بالحرية، كان الموضوع لا يعني أهل المنارة والأصدقاء الثلاثة، خاصة أن التظاهر سيصاحب بعد حين بإطلاق رصاص من السلطة على المتظاهرين وسقوط قتلى وجرحى.

بدأ أبو طرة والبربيش بتشكيل مجموعات مسلحة لدعم النظام، كانوا يسلمون الشباب السلاح ويعطونهم معاش ويدعونهم لقتال المتظاهرين. لم يلتحق الأصدقاء الثلاثة بالميليشيات التي شكلها أبو طرة والبربيش، واكتفى أحدهم باستلام سلاح من البربيش لحماية نفسه إن احتاج الأمر.

الأوضاع تطورت في سورية بعد ذلك، الثوار شكلوا مجموعات مسلحة سميت الجيش الحر، النظام صعّد من استعمال العنف، يضرب البلدات والمدن ويدمرها، ينزح الكثير من الناس ويصلون هاربين بحياتهم إلى المنارة والبلدات المجاورة حتى السويداء. لم يغير ذلك من واقع الأصدقاء الثلاثة فقد استمروا يبحثون عن عمل ويعيشون حياتهم متضامنين.

لكن ما يحصل في سورية لم يتركهم على حالهم، فقد طُلب خالد للاحتياط كان رأي اصدقائه أن عليه عدم الذهاب إلى الجيش لأنه سيخوض معركة ليست معركته، وقد يموت، لكنه رفض وأصر على الذهاب لأنه لا يريد أن يبدو جبانا عندما يستدعيه الوطن للقيام بواجبه.

وبالفعل التحق خالد بالجيش وسرعان ما جاء خبر مقتله في مواجهات مع الجيش الحر. صدم أصدقاؤه وأحسوا بكارثة فقدانهم صديقهم. كما أن والد حامد كان قد خُطف في أثناء انتقاله للعمل بين المنارة والسويداء، خُطف لطلب الفدية، ولأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يدفعوا المبلغ الكبير من المال، جاءهم رأس والد حامد في سحارة موز إلى البيت، جنّ حامد مما حصل لوالده وقرر الذهاب للبحث عن جثة والده، ذهب وغاب كثيرا، اكتشف أن هناك بلدات كاملة قد أزيلت وأن هناك الكثير من الموتى، المفقودي الهوية، وأن هناك الكثير ممن كانوا بلا رأس أو يد أو رجل، وأن بعض القبور تحتوي على أشلاء آدمية، عاد حامد وقد أدرك أن مأساته بغياب جسد والده صغيرة قياسا بما عاشه ويعيشه كثير من السوريين.

عاد إلى بلدته وصحبة صديقه عابد وتجرع المآسي التي يعيشها من غياب خالد وما حصل لوالد حامد وما تعيشه البلاد المجاورة وكثير من أهل المنارة، حيث قائمة القتلى زادت لشباب أغلبهم كان في صف النظام والبعض مع الثوار.

لم تنتهي محنة الصديقين حامد وعابد عند هذا الحد، فقد جاء استدعاء حامد الى الاحتياط، رفض أن يلتحق بالجيش، رفض أن يكون مصيره الموت كصديقه خالد، قرر صديقه عابد حمايته، لكن النربيش والأمن جاءوا وأطلقوا النار على عابد ونقل للمستشفى وسيق حامد الى الجيش، لم يغب كثيرا عاد حامد مقتولا من جراء معركة مع النصرة. عاش عابد أوقاتا قاسية جدا بمقتل صديقيه، فكر بالانتقام من أبي طرة والبربيش لكنه لم يستطع، كان يرفض القتل والقتال. انقطع عن العالم، داوم على التواجد في صخرات العسل، يتذكر أصدقاءه الراحلين قبله. وبعد حوالي الشهر، وجد عابد ميتا في صخرات العسل، لم يستطع فراق أصدقائه، لذلك رحلت روحه إليهم.

هنا تنتهي الرواية.

في تحليلها نقول:

إننا أمام أسلوب سرد مركب فالراوي يتكلم هو أحيانا، وتارة على لسان قريب أحد الأصدقاء الذي يخبره عن الأحداث، أو صديقهم غير المقرب المسمى “لي مصادري”، كل ذلك يجعل تتبع الحدث الروائي متعب قليلا، هذا إضافة لكثرة الأسماء وتنوع الأحداث ومسارها.

للرواية خصوصية المكان ريف السويداء، وخصوصية أهل السويداء “ضمنا الدروز” سواء بالعادات والتقاليد وخصوصية التدين وسريته على الغير في أغلب الأحيان. يصحب ذلك ضوابط صارمة في العلاقة بين الرجل والمرأة والتربية الاجتماعية والعائلية. كل ذلك يجعل السويداء وريفها وتجمعات الدروز في أي مكان آخر له خصوصيته ومجتمعه المغلق على نفسه وعلى أعرافه.

الراوي لم يبرز موقفا جماعيا من أهل السويداء وريفها، فهم عندما احتدم الصراع بين الثوار والنظام ودخل المرحلة العسكرية، امتنع أغلب اهل السويداء وريفها عن إرسال أولادهم للجيش أو الاحتياط، ضمن خلفية أن معارك النظام والثوار ليست معركتهم.

تظهر الرواية أن مجتمع السويداء وريفها لا يخترقه إلا حضور السلطة السياسية للبلد. حزب البعث وشبيبة الثورة، حيث يلتحق بعض أهلها بالشبيبة والحزب، ويصبحون لسان حال النظام، يتحركون وفق أوامره، وتحقيقا لمصالحهم الخاصة ولو على حساب أهلهم وناسهم، وهذا غالبا ما يجعلهم منبوذين من مجتمعهم، ولا يلتحق بهم إلا الانتهازيين مثلهم. نستخلص أن حضور السلطة السياسية السورية في مجتمع السويداء وريفها كان سلبيا على كل المستويات.

تظهر الرواية أن واقع الثورة السورية كان بالنسبة إلى ريف السويداء والسويداء ـ في الرواية طبعا ـ حدث عابر وغير مهم ولم يعبر عن حاجة أو مبررات داخل هذا الحيز. بحيث توقفوا جميعا أمام عدم إدراك مضمون الحرية التي طالب بها الثوار. والتي حاول البعض أن يتصرف وكأن الحرية هي التصرف غير المسؤول والعبثي العشوائي.

تبدو الرواية منحازة لعزلة السويداء وريفها على حساب شروط موضوعية وأسباب تطال سوريا كلها بما فيها السويداء وريفها، إنه ظلم النظام واستبداده وقمعه وغياب العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية وحقوق الإنسان، لقد جعل النظام الدولة مزرعته والشعب عبيده وذلك عبر عقود طويلة.

هل غاب ذلك عن ذهن الروائي أم أراد أن يبرر حيادية السويداء وريفها في مسار الثورة وكأنها لا تعرف ما يحصل في سورية أو ليست تعيش ذات الظلم والاستبداد؟.

لا يقترب الكاتب أبدا لمشاركة شباب السويداء وريفها بحراك الثورة السورية خاصة بدايتها السلمية، وهذا إنكار للواقع، صحيح أن السويداء وريفها انحازت للنأي بالنفس وتركت البلاد تسير في صراع الثوار والنظام لتتخذ موقفها التالي. هل هي عقلانية؟!. أم انتهازية مقنعة؟!. كما أن الراوي لم يبرز موقفا جماعيا من أهل السويداء وريفها، فهم عندما احتدم الصراع بين الثوار والنظام ودخل المرحلة العسكرية، امتنع أغلب اهل السويداء وريفها عن إرسال أولادهم للجيش أو الاحتياط، ضمن خلفية أن معارك النظام والثوار ليست معركتهم. وأن النظام ضمن سياسة تحييد مكونات الشعب السوري من دروز ومسيحيين وأكراد، قد صمت عن امتناعهم عن الالتحاق بالجيش وخوضهم معاركه مع بقية الشعب السوري من السنة، وأصبح صلب قواته من الطائفة العلوية وحزب الله والمرتزقة الطائفين من إيران والعراق وأفغانستان، هذا غير الجيش الإيراني ذاته.

كان لعدم التحاق أبناء الدروز بالجيش تبعياته التي تبعها صراع مع النظام حينما أصبحت الغلبة له في السنوات الأخيرة فواجه أهل السويداء وريفها بالقوة العارية واستعاد شبابهم للجيش، ووجه عليهم مجموعات داعش التي كان قد رباها وأوجدها في سورية، وانطلقت من منطقة اللجاة إلى ريف السويداء تنذرهم بعودتهم ليكونوا تحت سطوة النظام وأوامره، عبيدا مرة أخرى ككل الشعب السوري الذي تبقى تحت سيطرة النظام، بعدما هرب ولجأ الكثير، هذا غير القتلى والجرحى والمصابين.

أخيرا. هل صحيح أن مجتمع السويداء وريفها منعزل وذو خصوصية تجعله منعزلا عن بقية سورية وما حصل فيها؟. الجواب بالطبع لا إن السويداء وريفها ككل سورية ضحية استبداد النظام ووحشيته، لكنها إن انحازت اليوم للنأي بالنفس فقد ساعدت مع أسباب أخرى على عودة سيطرة النظام مجددا، واستمرار عبودية كل الشعب السوري له، وجعلتنا ننتظر مجددا وقتا آخر نثور به نطالب بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والديمقراطية والحياة الافضل، كلنا أبناء سورية بكل تنوعنا وتعددنا كمواطنين أحرار متساوين، وننتصر.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!