محاولات إقامة دولة كُردية في القرن العشرين

0
الأيام السورية

راودت فكرة إقامة دولة كُردية مستقلة أحلام الكُرد في مناطق تواجدهم الموزعة على أكثر من بلد، وبدأ الكُرد في التفكير بإنشاء دولة مستقلة لهم مع مطلع القرن العشرين، وتحديدًا في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، إذ وضع الحلفاء المنتصرون تصورًا لوجود دولة كُردية في معاهدة “سيفر” عام 1920، لكن هذا التصور تلاشى تمامًا بعد توقيع اتفاقية” لوزان” عام 1923، وهي المعاهدة التي اعترفت بالحدود الحالية للدولة التركية مما لا يسمح بإمكانية إقامة دولة كُردية.

في القرن العشرين قامت عدة دول كُردية في مناطق مختلفة، لكن جميعها باءت بالفشل بشكل أو بآخر، لينتهي معها حلم الكُرد الأكبر في دولة كُردية شاملة تسع كافة مناطقهم الجغرافية المنتشرة في إيران والعراق وتركيا وسوريا وأذربيجان.

 1/ مملكة كُردستان 1922 ـ 1924

حاول الكُرد في العراق خلال انهيار الإمبراطورية العثمانية، إقامة دولة شبه مستقلة، واستطاعوا النجاح بتشكيل “مملكة كُردستان”، التي استمرت من أيلول/ سبتمبر 1922 حتى تموز/ يوليو 1924.

أقيمت بمدينة السليمانية في كُردستان وريفها بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، ودامت سنتين حتى تحركت القوات العراقية بدعم جوي وبري للاستعمار البريطاني وسيطرت على السليمانية وأنهت سيطرة البرزنجي.

ينتمي الشيخ محمود البرزنجي، إلى أسرة كُردية عريقة ومشهورة في السليمانية، كانت الدولة العثمانية التي تخوض صراعا شرسا مع بريطانيا للحفاظ على نفوذها في العراق، قد وضعت لواء السليمانية بالكامل تحت تصرف البرزنجي عام 1918.

بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، انضم البرزنجي للجانب المنتصر، وقام بتسليم لواء السليمانية والفوج العثماني نهاية عام 1918 إلى بريطانيا، ليكافئه الإنجليز بتعيينه حاكمًا على لواء السليمانية مع رائدين بريطانيين، وهو ما اعتبره غير كافٍ نظير خدماته، كونه كان يتطلع لحكم المزيد من الألوية الكُردية.

بدأ البرزنجي ينقلب على الإنجليز، فعينوا بدلًا منه الميجور سون حاكمًا سياسيًا على السليمانية، لكن البرزنجي قام بانقلاب عسكري في السليمانية مستعينًا بقبائل كُردية إيرانية، لينجح في زيادة نفوذه، لكن بريطانيا أرسلت حملة عسكرية في حزيران/ يونيو 1919 تمكنت من محاصرته حتى وقع أسيرًا وتم نفيه إلى الهند.

تركيا التي أرادت أن تستفيد من الغضب الكُردي لعدم إقامة حكم ذاتي لهم، أرسلت حملة عسكرية تمكنت من احتلال مدن كُردية. ففكرت بريطانيا من جديد بالاستعانة بالبرزنجي ليقف أمام المد التركي، فأعادته من منفاه وعينته حاكمًا عامًا.

ولأن البرزنجي شعر أن بريطانيا ستستغني عنه قريبًا لأنها تريده فقط لمحاربة الأتراك، وأيضاً ورقة ضغط على الحكومة العراقية للتوقيع على إحدى المعاهدات، لذا نظم صفوف قواته ووسع نفوذه في لواء السليمانية وبدأ يتجه نحو كركوك، وأعلن نفسه ملكًا على كُردستان في تشرين الثاني/ نوفمبر.

بعد معاهدة لوزان عام 1923، أرسلت الحكومة العراقية حشدًا عسكريًا للقضاء على حكم البرزنجي، وتمكن الجيش العراقي من السيطرة على السليمانية في تموز/ يوليو 1924، فلجأ البرزنجي للجبال حيث بدأ يشن حرب عصابات حتى وافقت الحكومة العراقية على مغادرته وأهله إلى إيران عام 1926.

القائد محمود الحفيد البرزنجي (موسوعة جياي كورمنج)

2/ كُردستان الحمراء 1923 ـ 1929

لم يشكل الوجود الكُردي في المثلث الأرمني الروسي الأذربيجاني قوة يمكن الاعتماد عليها، لكن هذه الدول الثلاث استخدمت الورقة الكُردية لتحقيق مصالحها، ودفع الأذريون الكُرد إلى إعلان جمهورية كُردستان الحمراء التي امتدت من عام 1923 إلى عام 1929 في ناغورنو كاراباخ، وهي منطقة هامة تقع بين أرمينيا وأذربيجان.

تأسست جمهورية كُردستان الحمراء في بداية عهد لينين في تموز/ يوليو 1923، وجرى تشكيل المؤسسات الإدارية في الإقليم الجديد، وانتخب أول رئيس للبرلمان وأول رئيس لكُردستان السوفيتية.

وكانت كُردستان الحمراء، جمهورية حكم ذاتي تابعة لحكومة أذربيجان، عاصمتها كانت مدينة لاجين، وكانت تقع داخل منطقة تسمى «ناكورنو قراباغ». هذه المنطقة كانت تضم حوالي 70% من الكُرد.

استمرت هذه الجمهورية لمدة ست سنوات فقط حين انتهت بشكل تراجيدي عام 1929، إذ كما بارك الاتحاد السوفيتي قيامها، كان هو أيضًا وراء نهايتها. فنتيجة لمعارضة بعض الرموز السوفيتية مثل وزير الشؤون الخارجية لأي تحرك كُردي قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بكل من تركيا أو إيران، جاءت نهاية هذه الجمهورية بعدما تم ترحيل الكُرد من هناك.

دول كردية حديثة (الأيام السورية)

3/ جمهورية آرارات الكُردية 1927 ـ 1930

استمرارا لمحاولات كُرد تركيا تحقيق حلم الدولة، خاضوا سلسلة من المواجهات مع تركيا بدأت بثورة في مناطق جبال آرارات باسم “ثورة آغري” عام 1927، بقيادة إحسان نوري باشا (1896-1976) الذي أعلن ثورة عارمة في وجه الدولة التركية، وأعلن مناطق جبال آرارات في مقاطعة أغريAgirî ، دولة كُردية مستقلة، عاصمتها قرية كُرداڤا.

اللجنة المركزية لـ حزب خويبون، هي التي قادت هذه الجمهورية، وأعلنت استقلالها في 28 تشرين الأول/ أكتوبر1927، لتبدأ بعدها حربا شاملة مع الدولة التركية انتهت بسقوط هذه الجمهورية، رغم استنجاد قادة خويبون بالقوى العظمى وعصبة الأمم، وكذلك   إرسال رسائل إلى الكُرد الآخرين في العراق وسوريا طلباً للتعاون والمساعدة.

لكن هذه المحاولات باءت بالفشل التام بعدما تمكن الجيش التركي من هزيمة هذه الدولة الوليدة التي لم تحظ بأي دعم مالي أو عسكري من القوى الكبرى الدولية أو الإقليمية عام 1930.

قيادة جمهورية آرارات الكردية (ويكيبيديا)

جمهورية مهاباد 1946 ـ 1947 

تأسست هذه الجمهورية في أقصى شمال غرب إيران عام 1946، حول مدينة مهاباد التي اتخذت عاصمة لها، ونشأت هذه الجمهورية نتيجة للخلاف السوفيتي الأمريكي حول إيران، وعلى الرغم من إعلان إيران الحياد خلال الحرب، لكن القوات السوفيتية دخلتها بذريعة تعاطف شاه إيران رضا بهلوي مع هتلر.

وأعلن أكراد إيران بقيادة قاضي محمد زعيم الحزب الديمقراطي الكُردستاني عن ولادة “جمهورية مهاباد الشعبية الديمقراطية” في 24 كانون الثاني/ يناير 1946، في احتفال في مدينة صقيز، شارك فيه مندوبون من المناطق المحيطة، وأصبح قاضي محمد رئيسًا للإقليم، بينما أصبح مصطفى بارزاني قائدًا عامًا.

أقيمت الجمهورية على ثلاثين في المئة من أراضي كُردستان الشرقية في إيران، واتخذت من مدينة مهاباد عاصمة لها.

مجلس الرئاسة في جمهورية مهاباد (اليوم الثامن)

استفاد الكُرد من الدعم السوفيتي في الوقت الذي كانت فيه القوات السوفيتية لا تزال تسيطر على أجزاء من إيران منذ دخولها إلى هناك في صيف عام 1941 بصحبة القوات البريطانية، وقام السوفييت بالمساعدة على تأسيس جمهوريتين في منطقة نفوذهم العسكري داخل إيران، كانت أولاهما جمهورية أذربيجان بينما كانت الثانية جمهورية مهاباد، لم يكن شعار جمهورية مهاباد الانفصال بل الحصول على حق الحكم الذاتي رسميا داخل إيران، وشهدت التجربة التي استمرت نحو عشرة أشهر تشكيلات وزارية بزعامة قاضي محمد وقوات عسكرية محلية بزعامة الملا مصطفى البارزاني.

عوامل عديدة دولية وإقليمية وداخلية أدت إلى الانهيار السريع للجمهورية الوليدة، وتمثلت أبرز العوامل الدولية في الصراع السوفيتي مع الغرب الذي استثمرته حكومة طهران، إلى جانب العوامل الداخلية المتعلقة بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية للقبائل الكُردية.

لذا ونتيجة للضغط الذي مارسه الشاه على الولايات المتحدة التي ضغطت بدورها على الاتحاد السوفيتي كان كفيلاً بانسحاب القوات السوفيتية من الأراضي الإيرانية، لتقوم الحكومة الإيرانية بإسقاط جمهورية مهاباد بعد 11 شهراً من إعلانها وتم إعدام قاضي محمد في 31 أذار/مارس 1947 في ساحة عامة في مدينة مهاباد، فيما انسحب مصطفى البارزاني مع مجموعة من مقاتليه من المنطقة.

قاضي محمد ومصطفى البرزاني مؤسسا جمهورية مهاباد (فيسبوك)

جمهورية لاجين الكُردية 1992

استغلت بعض القيادات الكُردية الفوضى التي عمت الجمهوريات المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي، وأعلنت ربيع 1992 عن قيام دولة للكُرد في لاجين التي استولت عليها القوات الأرمينية في إطار النزاع على إقليم قره باغ بين باكو ويريفان.

شهد عام 1992 إعلانًا جديدًا لولادة جمهورية لاجين الكُردية برئاسة ويكيل مُصطفاييف في مدينة لاجين. وجاء هذا بعد أن استولت القوات الأرمينية على لاجين، حيث تم نقل المثقفين والشباب الكُرد الموجودين في أرمينيا إلى لاجين بأذربيجان من خلال حافلات.

إلا أن هذه الدولة لم تنجح وانهارت بسرعة. نتيجة ممارسات الحكومة الأذربيجانية، التي تلقت دعمًا مباشرًا من الأتراك، إضافة إلى الصمت الروسي والمحاولات الأرمينية للسيطرة على المنطقة. مما اضطر مُصطفاييف للفرار إلى إيطاليا وطلب اللجوء السياسي هناك..

دولة الكُرد في لاجين، ولدت ميتة لأنها لم تحظ بالتأييد الشعبي اللازم على وقع النزاع الأذري الأرمني في قره باغ، ولتدخل القوات الروسية التي فضت النزاع وما زالت ترابط هناك حتى الساعة.

وكيل مصطفاييف رئيس جمهورية لاجين الكردية (يكيتي ميديا)

المصادر:

1/تاريخ الكرد وكردستان، محمد أمين زكي بك

2/ دراسات أكاديمية في تاريخ كردستان الحديث، سعدي عثمان هروتي.

3/ الكرد وكردستان، أرشاك سافراستيان

4/ ساسة بوست

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!