أصل الكُرد ومفهوم كُردستان حسب باسيل نيكيتين في كتاب الكُرد

0
بقلم: حنان معمو

يعتبر كتاب الكُرد (أصلهم، تاريخهم، مواطنهم، عقائدهم، عاداتهم، آدابهم، لهجاتهم، قبائلهم، قضاياهم، طرائف عنهم) للكاتب باسيل نيكيتين، واحداً من أهم الكتب التي تحدثت عن الكُرد، وهو كعمل سوسيولوجي ـ تاريخي قدم المؤلف من خلاله صورة شاملة لكُردستان والكُرد، تشكل خلفية تاريخية مهمة لفهم التطورات التي تعرضت لها المسألة الكُردية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، والتي تبدو على حقيقتها بصفتها قضية شعب، لا مسألة أقلية اثنية مقننة في كيان سياسي محدد.

رغم أن عددا كبيرا من المختصين في الشؤون الكُردية بدأوا منذ أكثر من نصف قرن بدراسة الكُرد دراسة منتظمة، إلاّ أن معلوماتنا عن كوردستان والكُرد ما تزال غير كافية، وهذه الدراسة تعتبر أول مؤلف شامل يتناول مختلف أوجه المسألة الكُردية.

أهمية الكتاب

الكتاب قديمٌ يعود تاريخُه إلى منتصف القرن العشرين، لكنَّه قَيِّم للغاية، وتعود أهميتُه لسببين رئيسين:

الأول: أهمية مؤلفه، فمؤلِّف الكتاب المستشرق الروسي الكبير الدكتور “باسيل نيكتين”، والذي شغَل منصب قنصل روسيا في إيران عام 1915، حيث كان مقرُّ عمله الدبلوماسي في مدينة “أروميه” في كُردستان إيران؛ وخلال عمله فيها تعلَّم اللغة الكُردية بشكل جيِّد، وتجوَّل كثيرًا في كُردستان إيران، جامعًا خلالَ جولاته هذه الكثيرَ مِن الوثائق والمخطوطات الهامَّة، وساعده أيضًا كونه أحدَ علماء “الأنثروبلوجيا”، أو ما يعرف بعِلم السلالات البشريَّة في دراساته أثناء فترة خدمته؛ ممَّا جعله على اطِّلاع كبير بقضية الكُرد، فكرَّس معظم كتاباته وبحوثه الدراسيَّة بعدَ ذلك للكتابة عن الكُرد والقضية الكُردية، حتى بعدَ اعتزاله العمل الدبلوماسي، وله أكثرُ مِن 25 مقالة ودراسة بحثيَّة هامَّة عن القضية الكُردية نشرَها في العديدِ مِن الجرائد والمجلاَّت الإنجليزيَّة والفرنسيَّة والإيطالية، وغيرها.

أمَّا السبب الثاني لأهميَّة هذا الكتاب، كونه مرجعًا هامًّا لا يَستغني عنه أيُّ مهتم بالقضية الكُردية أو باحِث فيها؛ فعلَى حدِّ قول المستشرق “ماسينيون” في مقدمته التي صدَّر بها الكتاب “هذه الدراسة التي يقدِّمها متخصِّص ضليع في الشؤون الكُردية، هي أوَّل مؤلَّف شامل يتناول المشكلةَ الكُردية من جميع أوجهها”؛ (ص: 11).

وضَع المؤلِّف كتابه عام 1943 باللغة الفَرنسية في باريس، لكنَّه لم يتمكَّن من طبعه وقتذاك، وتَمَّ طبعه عام 1956 بمساعدة مالية مِن المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلميَّة، وقام بالتقديم له المستشرقُ الشهير “لويس ماسينيون”، والذي كان له الفضلُ الكبير في حثِّ المركز الوطني على طباعة الكتاب، وصدرت للكتاب ثلاثُ ترجمات، باللغة الروسية والتركية والعربية.

غلاف الكتاب(انترنت)

على الكُرد أن يكتبوا تاريخهم

يقول نيكيتين في مقدمة الكتاب بأن على “الكُرد أن يكتبوا تاريخهم فلن ينصفهم أحد”، وهذه حقيقة فقد تعرض تاريخ الشعب الكُردي للتشويه المتعمد من قبل الحكومات التي تحكم كُردستان بحكم الظروف الدولية التي أجبرت هذا الشعب أن يعيش المآسي والويلات.
يتكون الكتاب من إثني عشر فصلاً هي التالية: الكُرد، أصلهم وخصائصهم اللغوية والعرقية، كُردستان مفهومها الاصطلاحي وأهميتها الحقيقية، نمط الحياة والمشاغل والأعراف الكُردية، فردية الكُردي وطباعه، العائلة الكُردية، العشيرة الكُردية، العشائر في الزمان والمكان، الكُرد والدولة، الأمة الكُردية، الحركة الوطنية الكُردية، الحياة الروحية للكُرد، والأدب الكُردي.

وفي استعراضنا لهذا الكتاب سنقسم قراءتنا إلى قسمين، حيث سنركز في القسم الأول على مراجعة الفصلين الأول والثاني اللذين يتحدثان عن أصل الكُرد وعن مفهوم كُردستان.

البحث في أصل الكُرد

يتمحور الفصل الأول حول البحث في أصل الكُرد فيعرض المؤلف لنظرية مينورسكي في 1938، ولنظرية الجافيتتيد ولوك في 1911، ولرأي الكُرد أنفسهم حول أصلهم استناداً إلى ما ورد في كتاب “شرفنامة” أشهر مؤلف تاريخي كُردي ألفه بالفارسية الأمير شرف خان البدليسي عام 1596. وقد وجد غموض تاريخي ولغوي يشوب أصل الكُرد كما أن علم الأنثروبولوجيا لا يقدم الكثير في هذا المجال إذ أن التقديرات الأنثروبولوجية مختلفة بعضها عن بعض.

وفي هذا الكتاب يحاول المؤلِّف الإجابةَ عن سؤالَيْن:

“مَن هم الكُرد؟ وما الفائدة مِن دراسة تاريخهم ومجتمعهم؟”؛ وذلك بهدف “أن نُقدِّم للقارئ خلاصةَ جميع الدراسات التي وُضِعت حتى الآن عنِ الكُرد؛ كي يكونَ على اطلاع على حقيقة إحْدى بقاع آسيا، هذه القارة الواسعة التي تستفيق اليوم مِن رقادها في انتفاضات قومية وثورات إجماعيَّة ملاحقة، فالكُرد يُشكِّلون عنصرًا هامًّا في آسيا، ويلعبون دورًا رئيسيًّا في تطورات الشرق السياسيَّة والاجتماعيَّة والروحيَّة”؛ (ص: 14).

أصل الكُرد ومميزاتهم اللُّغوية والإنسانيَّة:

هناك فرضيات عن أصلِ الكُرد تستمدُّ براهينها مِن الأسماء التاريخيَّة في منطقة آسيا الوسطى التي تواجد بها الكُرد، فقد ربَط بعضُ الباحثين بين الكُرد وبين “الكُردوخيين”، وهم شعبٌ عاش في منطقة كُردستان، كما ورد في تاريخ المؤرِّخ الإغريقي “كزينوفون”، وذكر بعضهم الآخَر احتماليةَ أنهم ينحدرون مِن “السرتيين” الذين ذكَرهم “سترابون” وغيره من المؤرِّخين؛ وكانوا يسكُنون بلاد “ميديا الصغرى” و”برسيس”، وظنَّ البعض الآخَر أنَّ الكُرد هم أنساب “الكلدانيين” سكَّان “بابل” رغمَ عدم وجود رابط بين اللُّغة الكلدانية ذات الأصل السامي واللغة الكُردية ذات الأصول الآرية.

ويرَى “مينورسكي” أنَّ الكُرد في أصولهم ينحدِرون من “البختانيِّين”؛ والذين يُشكِّلون مع الأرمن السبطَ الثالث عشر مِن إمبراطورية الفرس، مستندًا في ذلك إلى أنَّ لُغة الكُرد رغمَ تعدُّد لهجاتها هي لُغة إيرانية الأصل تأثَّرت باللغة الميدية القديمة، وخلاصة رأيه أنَّ الكُرد ليسوا مِن دمٍ واحد، ولا مزيج واحد، وإنَّما هم مزيجٌ من قبائل عديدة متنقلة.

وبذلك أمامَنا إذًا نظريتان عن أصْل الكُرد:

النظريَّة الأولى: تقول بأنَّ أصلهم إيراني، وأنَّهم رحَلوا في الجيل السابع قبلَ الميلاد مِن جنوب بحيرة أورميا نحو بوهتان.

النظرية الثانية: أنَّهم شعبٌ أصيل لا ينحدِر من أصل إيراني، وإنَّما هم أنسباء للخلديِّين والجورجيِّين والأرمن، وقد استبدلوا بلغتهم الأصلية بمرور الوقت اللغة الإيرانية.

أمَّا الكُرد أنفسهم – بشأن أصولهم – يرجعون في تاريخهم المكتوب إلى أسطورة غريبة ذُكِرت في كتاب “شرف – نامه”، والذي كتبه بالفارسية “أمير شرف خان بدليسي” عام 1596، وتروي الأسطورة قصةَ الملك الإيراني الطاغية “ضحاك”، والذي نصحَه الأطباءُ لتخفيف آلام دائه أن يستعملَ مرهمًا من دماغ شباب مملكتِه، فأمَر جلاَّده بذبْح شابَّيْن يوميًّا والتضحية بأدمغتهما، ولكن الجلاد كان يخالف أمرَه بذبح شابٍّ والاستعاضة عن الآخَر بدماغ خروف، وهرب الشباب الناجون ليحتموا بالجبال النائية، وهناك نموا وتكاثروا إلى أنْ أصبحوا شعبًا هُم الشعب الكُردي.

أمَّا عِلم السلالات البشرية فيميِّز بين نوعين من الكُرد، فالكُردي الشرقي يشبه تمامًا الإنسان الفارسي في لونه الأسمر، وفي شكل جمجمته، وهي من نوع (brachycephale) .

أمَّا الكُرد الغربيُّون فهم يختلفون عنهم بلونهم الأشقر، وعيونهم الزرقاء، وشكل جمجمتهم، وهي مِن نوع (dolichephale)، وقدْ أثبتت دراساتُ العالَم “فون لوشان” أنَّ هؤلاء ينحدِرون مِن شعوب أوروبا الشماليَّة.

صورة من جبال كردستان (عربي بوست)

مفهوم كُردستان الاصطلاحي

في الفصل الثاني يعرض المؤلف لأهمية مفهوم كُردستان الاصطلاحي، ويذكر أن أول مؤرخ ذكر اسم كُردستان هو حمد الله ابن المستوفي القزويني في القرن الرابع عشر الميلادي في كتابه “نزهة القلوب”. كما يعرض للجغرافيا الطبيعية لكُردستان، وكذلك للجغرافيا السكانية وتوزع الكُرد وأعدادهم التقديرية في الثلاثينات من القرن العشرين.

أين تقع بلاد كُردستان، وما معنى هذا الاسم؟

أوَّل مؤرِّخ ذكر كلمة “كُردستان” هو “القزويني” في كتابه المسمَّى “نزهة القلوب” سنة 740 هجرية؛ أي: في القرن الرابع عشر للميلاد، ولفظة  “كُردستان” تعني بلادَ الكُرد، وقدْ أطلقها “سنجار”، وهو آخر ملوك السلجوقيِّين على إحدى مقاطعات مملكته، وذلك في القرن الثاني عشرَ بعد الميلاد، وكانتْ هذه المقاطعة تضمُّ عدَّة ولايات يفصل بينها سلسةُ جبال “زاجروس”، ففي شرق هذه السلسلة تقَع ولايات همدان ودَيْنَور وكَرمَنشاهان، وفي غرْبها تقَع ولايتا شهر زُور وسنجار، أمَّا عاصمتها فكانتْ قلعة بهار الواقعة شرقي همدان، وكانتْ هذه المنطقة قبل القرن الثاني عشر تُدْعَى “جبال الجزيرة”، أو “ديار بكر”، ويحدها شمالاً أذربيجان، وغربًا العراق العربي، وجنوبًا خوزستان، وشرقًا العراق الفارسي، وكانتْ مقاطعة كُردستان تضمُّ ستة عشر قضاءً إداريًّا، ونجد أنَّه في القرن الخامس عشر فقدت مقاطعة “كُردستان” معظم أجزائها باستيلاء الفُرس على ولايتي همدان ولورستان، ولم يبقَ مِن كُردستان الفارسي سوى ولاية أردلان مع عاصمتها “سنندج”.

أمَّا المنطقة التي يسكُنها الكُرد حاليًّا، فهي تمتدُّ لأراضٍ شاسعة، تبدأ قُرب بغداد عند ضاحية “مندلي”، وتمتدُّ شمالاً على طولِ الحدود العراقيَّة والإيرانية ثم على حدودِ إيران وتركيا، حتى جبل أرارات، وهي تشمل منطقةَ القوقاز السوفياتية؛ أي: مقاطعتي أرمينيا وأذربيجان، وكان عددُ الكُرد كبيرًا جدًّا في القسم التركي مِن أرمينيا، غير أنَّ السلطات التركية الأتاتوركية عملتْ على إجلائهم في عامي 1926 و1927، ونفت منهم إلى برِّ الأناضول أكثرَ مِن مليون شخص، ودمَّرتْ قراهم وأبادتها تمامًا، ونرَى الكُرد بصفة عامَّة مشتتين في مناطق متفرِّقة على الحدود الجبليَّة لتلك البلدان في المنطقة، ويقل عددهم في السهول وعلى ضِفاف البحيرات.

مصدر  كتاب الكُرد/ باسيل نيكيتين
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!