شعرة معاوية.. تراث الوحي والعقل

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن الأكثر تشدداً في المنحى الديني، لديه نظرية مؤامرة أبدية، بأن الحروب التي تقودها الدول الغربية على المجتمعات العربية والإسلامية تعود لأسباب الرغبة بكسر الدين الإسلامي وإلغائه من خلال ما يُطلقون عليها اسم حروب صليبية؛ وبالطبع المسألة أبسط من ذلك، إنها لا ترتبط أبداً بذلك الاسم، إنها تماماً موضوع اقتصادي بحت، لكن آلية تنفيذ الحرب تتطلب فهم كل مجتمع على حدة ونقاط قوته وضعفه في التاريخ والحاضر، لذا يبدو الشكل العام أنه محاولة المساس بالتاريخ الديني.

فمثلاً الحرب الأمريكية على فيتنام وكوبا لم تكن المسألة دينية أبداً. إن فهمنا لهذا الموضوع يجعلنا ندرك آلية الصمود والمقاومة والتحرير أيضاً. وذات الأمر ينطبق على النظام السوري، الموضوع لا دخل له بسنة وشيعة، فمثلاً لو إيران لم تكن موجودة أو حكم الشاه ما زال قائماً، فالنظام السوري أيضاً سيقتل الشعب السوري بدعم سنغالي أو أفغاني أو أرجنتيني، أو حتى بدعم الشاه الإيراني صاحب الديكتاتورية العلمانية؛ إنه يحتاج قوة لتدعيم وجوده بغض النظر عن طبيعة القوة العرقية والثقافية تلك. السلطة السياسية والاقتصادية لا تهتم بطبيعة الداعم، إنها تهتم بمن يثبّت أقدامها ومصالحها فقط.

عندما يستطيع العقل الديني الشعبي فهم المسألة بهذا الشكل، حينها يمكن أن تختلف معايير الصمود نفسه، وعدم الوقوع في المطب الأيديولوجي ذو البعد الواحد.

لكن هذه الحروب الاقتصادية في العالم تحتاج إلى جهة لتحميلها عبء الدمار المحتمل، ولا أفضل من القاعدة المغلقة التي لا ترى الأمور إلا كصورة أزلية تهتم فقط بضرب خلودها في السماء. إنهم الفئة التي تغرق في الصراع الجانبي.

عندما خسرت أمريكا حرب فيتنام مع المليشيات ليس لأن الولايات المتحدة لم تملك قوة اقتصادية وعسكرية، بل لأن الفيتناميين كانوا يدركون أن تلك الحرب كانت على فيتنام وليست على المسيحية أو البوذية أو الهندوسية. ببساطة لم تستطع أمريكا تحميل عبء الكارثة على فئة معينة.

لماذا الأديان بالعام والدين الإسلامي على نحو خاص هو الحلقة الأضعف الذي يتم تحميله عبء الدمار والصراعات؟.

لكن كل ما سبق يُعيدنا إلى نقطة جوهرية وسؤال مهم، لماذا الأديان بالعام والدين الإسلامي على نحو خاص هو الحلقة الأضعف الذي يتم تحميله عبء الدمار والصراعات؟.

والجواب يعود إلى طبيعة الدين نفسه، عدم عقلانيته التاريخية، أشياء مرتبطة بالقدرية والنقل، ودور العقل في التراث وتأثيره وحضوره اليوم.
دائماً الحروب التي تتم على المجتمعات الإسلامية تؤدي دائماً إلى صراعات عرقية هامشية، فتساعد على تفسخ المجتمع وسيطرة الآخر عليهم.

هناك سؤال أساسي لفهم هذه المعضلة، هل كان الإسلام التقليدي “الكلاسيكي” في مرحلة نشوئه، نظاماً قائماً على الوحي فقط وبهذا يكون عبارة عن ديانة وحضارة غير عقلانية، أم أن الحضارة الإسلامية بُنيت على قاعدة متينة من الأفكار المنطقية، إن كانت هذه الأفكار مستمدة من الفلسفة والثقافة أو القانون والتعليم أو حتى من الدين ذاته؟.

نحن بشكل طبيعي ننتمي إلى التراث الإسلامي، لكن هناك من يريد أن ننتمي إلى وحي التراث وليس عقل التراث. وهذه نقطة الضعف الأساسية والأبدية بأي فكر ديني.

عندما تقوم حرب على دولة معينة، فمن المهم أن تكون القاعدة الشعبية في الدولة المُحاربة مؤمنة بوحي التراث، كي يكون هناك نماذج شبيهة بالقاعدة وداعش، لأنه ببساطة عقل التراث لن يُعيدك للجهاد وابن تيمية وابن اسحاق والسلطات العباسية. عقل التراث سيُعيدك لابن رشد والكندي والرازي والفارابي وابن حيان والمعري والحلاج. عقل التراث سيُعيدك لفهم بنية المجتمع الأول وتطوره وما بُني عليه لاحقاً من فرز طبقي سياسي واقتصادي وعلمي.

الحروب بالإضافة إلى جانبها الاقتصادي الجوهري تريد بالضبط أن توصل المجتمعات إلى ذلك الخيار الثنائي، إما تراث الوحي وإما الإسلاموفوبيا، وهما خياران خاسران بالنسبة لنا.

الآخر لا يقوم بحربه على الإسلام أبداً، بل على العكس إنه يريد تثبيت الإسلام والدين، لكنه تثبيت لتراث الوحي فقط وإبادة العقل. عندما تدمّر منطق الوحي وتتمسك بمنطق العقل وتراثه فإن جميع حروبك منتصرة.

بين العقل والوحي شعرة معاوية؛ في عالم اليوم لم نعد قادرين على التمييز الحقيقي، إما أخذ كل شيء ينتمي إلى الوحي وإما رفض كل شيء بما يُسمى الإسلاموفوبيا. الحروب بالإضافة إلى جانبها الاقتصادي الجوهري تريد بالضبط أن توصل المجتمعات إلى ذلك الخيار الثنائي، إما تراث الوحي وإما الإسلاموفوبيا، وهما خياران خاسران بالنسبة لنا.

التراث العقلي الإسلامي وثقافته يُشكّل نسبة كبيرة من آليات فهمنا المعاصر، شئنا أم أبينا، فعملية رفضه على حساب تراث الوحي وامتداده، لن يُنقذ مجتمعاتنا مما هي فيه، بل سيزيدنا غرقاً وانفصاماً ثقافياً واجتماعياً، وفي أفضل الأحوال سيُشكّل صدمات ليخلق حالة رفض مطلق لكل شيء مرتبط بذلك التراث.

من كل ما سبق نستطيع القول، بأن ما نحتاجه لنحافظ على أنفسنا من الانهيار الكلي، هو أن ننظر لتلك الشعرة التي تفصل الوحي عن العقل بعمق، أن نُسقط التفقّه الذي يُغرقنا بجهل مستمر وصراعات لا فائدة منها، ونركّز على تراثنا العقلي، لا للتمسك به، بل لخلق مزيج أكثر عالمية تجاه أفكارنا وتطورنا العقلي والثقافي والاجتماعي.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!