جدار الفصل بالضفة الغربية

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تقديم

لا تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى التعريف بجدران الفصل بين البشر في العصور القديمة والمعاصرة بشكل عام؛ بل هدفها استحضار أشهر الجدران التي أقيمت لغايات متعددة، وتتجلّى وظائفها في تحقيق غايات لا عنفية.

بمعنى أنها ليست استراتيجية حربية في النزاعات المسلحة فقط، بل إنها تبنى حيث لم تستطع الحرب وكذلك جهود السلام إيجاد حل للصراع بين طرفين متنازعين، فتغدو بذلك قوة ردع أكثر منها قوة دفاع، وبالتالي فإننا نجد تصنيفها عند الكثير من الخبراء بوصفها قوة ناعمة.

وقد بات معروفاّ أنّ الحرب الحديثة قد خففت من تلك الجدران العنفية كوسائل فاعلة في النزاعات المسلحة، بينما جدران الفصل، رغم أن القانون الدولي والميثاق الدولي لحقوق الإنسان ببنود كثيرة يعدان ذلك خرقا كبيرا، ماتزال تتزايد سواء بإنشائها أو الدعوات المروجة لها، مثل ما يقوم به الآن رئيس الولايات المتحدة “ترامب” من حيث إصراره على بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ومن حيث دعوته حكومة إسبانيا لبناء جدار عازل في الصحراء الكبرى لمنع أمواج الهجرة الواسعة إلى إسبانيا.

وفي هذه المقالات، سنقوم بتسليط الضوء على أشهر جدران الفصل (العزل) قديما وحديثا، والتي أقيمت بين طرفين يختلفان بالواقع التاريخي اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً، أو سياسيّاً، أو فكريّاً، أو اثنيّا، وذلك من خلال التعريف باسم الجدار وبالأقوام الذين هم على طرفيه، وكذلك التعرف على مكانه وزمانه، والوقوف على أسباب بنائه ومآلات الفصل.

جدار الفصل بالضفة الغربية

من أبرز الأحداث التي شهدها العام الثالث للانتفاضة الفلسطينية مسألة جدار الفصل الذي تبنيه إسرائيل لعزل الأراضي الفلسطينية، رغم التنديدات والمناشدات الدولية، تحت ذريعة “الإجراءات الأمنية” التي تقضي بمنع دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل دون رقابة.

ورغم أن عملية “العزل” أو “الفصل” هذه فكرة قديمة وردت على لسان بن غوريون، كما وضع موشيه شاحال خطة لتنفيذها أثناء تقلده منصب وزير الشرطة في مطلع عام 1994، حينما قال رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين “أخرجوا غزة من تل أبيب” إلا أن رئيس الوزراء الحالي أرييل شارون هو أول من وضع هذه الخطة قيد التنفيذ. وكان ذلك في منتصف العام الماضي 2002 عقب فشل عملية “السور الواقي” في القضاء على البني التحتية للمقاومة، وبعد تمكن الأخيرة من ضرب أهداف في العمق الإسرائيلي ردا على تلك العملية.

جرافيتي على جدار الفصل العنصري (قناة الغد)

مواصفات الجدار

شرعت إسرائيل في بناء جدار الفصل على مراحل ثلاث، كل مرحلة لها مواصفاتها الخاصة، المرحلة الأولى أو “أ” تمتد بطول حوالي 360 كلم، من قرية سالم أقصى شمال الصفة الغربية حتى بلدة كفر قاسم جنوبا، ويبلغ ارتفاع الجدار المبني فيها من 7 إلى 8 أمتار تقريبا.

وقد نفذت إسرائيل حوالي 150 كلم منها بكلفة بلغت أكثر من مليار دولار. ويذكر هنا أنه عقب بناء المقطع الأول من الجدار وتصاعد الاحتجاجات الدولية، صرح المدير العام بوزارة الدفاع الإسرائيلية اللواء احتياط عاموس يارون قائلا في مؤتمر صحفي عقد بهذه المناسبة “العالم لن يقرر إذا كنا سنبني الجدار أم لا.. الجدار سيبنى”.

أما المرحلة الثانية أو “ب” والتي تمتد على طول 45 كيلو متر تقريباً من قرية سالم وحتى بلدة التياسير على حدود غور الأردن، فقد نفذت إسرائيل 30 كيلو مترا تقريباً منها. وحسب تصريحات مسؤولين إسرائيليين، فإن هذه المرحلة يفترض أنها ستكتمل بكل أجزائها بنهاية العام 2003. وهذا يعني أن إسرائيل أنهت حوالي 40% من مساحة الجدار حتى الآن.

في حين تمتد المرحلة الثالثة، التي أنهت وزارة الدفاع الإسرائيلية إعداد المسار الخاص بها، من مستوطنة “إلكنا” حتى منطقة البحر الميت، وسيقام الجدار بصورة أعمق من المرحلتين السابقتين داخل أراضي الضفة بحيث تبقى معظم المستوطنات غرب الجدار. ووفق تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون ووزير دفاعه موفاز، فإن هذه المرحلة ستفصل بين غور الأردن وتجمعات السكان الفلسطينية في قرى ظهر الجبل، الأمر الذي يعزز الاعتقاد بأن هناك نية حقيقية لزيادة طول الجدار باتجاه الجنوب، وبحيث يتم فصل غور الأردن عن باقي أراضي الضفة الغربية.

صورة مروان البرغوثي على جدار الفصل (مصر العربية)

مواصفات المرحلة الثالثة

تنفذ إسرائيل الجدار على الأراضي الفلسطينية داخل الضفة الغربية وليس على طول الخط الأخضر، ويبلغ عرضه من 80 إلى 100 متر مكونة كالتالي:
أسلاك شائكة لولبية، وهي أول عائق في الجدار.
خندق بعرض أربعة أمتار وعمق خمسة أمتار يأتي مباشرة عقب الأسلاك.
شارع مسفلت بعرض 12 م، بغرض عمليات المراقبة والاستطلاع.
يليه شارع مغطى بالتراب والرمل الناعم بعرض 4 م لكشف آثار المتسللين.
ثم الجدار، وهو جدار أسمنتي يعلوه سياج معدني إلكتروني بارتفاع أكثر من ثلاثة أمتار، مركبة عليه أجهزة إنذار إلكترونية وكاميرات وأضواء كاشفة.
وتوجد هذه المنشآت نفسها من الجانب الآخر للجدار.
كما عمد الإسرائيليون إلى تثبيت رشاشات بالجدار ذات مناظير عبارة عن كاميرات تلفزيونية صغيرة يمكن التحكم فيها من مواقع للمراقبة عن بعد.

خطورة جدار الفصل

يعد هذا الجدار أخطر مخططات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، ووفقا لما ذكرته هيئة التنسيق الفلسطينية الموحدة للدفاع عن الأراضي ومواجهة الاستيطان في شهر يوليو/ تموز 2003 فإن إسرائيل ضمت أكثر من 10% من الأراضي الفلسطينية الأكثر خصوبة وغنى بالماء في الضفة الغربية من خلال هذا العمل. كما حذرت الهيئة الفلسطينية العامة للاستعلامات في تقرير أصدرته بهذا الشأن من سعي إسرائيل للاستيلاء على أكثر من 45% من مساحة الضفة بهذا الجدار.

وقد بلغت مساحة الأراضي الفلسطينية المصادرة والأراضي المجرفة خدمة لهذا الجدار حوالي 187 ألف دونم معظمها في محافظات جنين وقلقيلية والقدس، كما دمرت إسرائيل لأجله عددا من المباني والمنشآت.

نتج عن هذا التعدي على الأراضي الفلسطينية العديد من الآثار الاجتماعية والاقتصادية السيئة على الفلسطينيين، كان أبرزها تهجير أكثر من 1400 أسرة إضافة لحصار عدد من القرى والبلدات الفلسطينية بين الجدار والخط الأخضر، بجانب عزل عدد آخر من تلك القرى في صورة “كانتونات” وهي تلك المحصورة بين هذا الجدار وما يسمى بـ “جدار العمق” الذي يبنى إلى الشرق منه.

هل يحقق هذا الجدار الأمن الإسرائيلي المزعوم؟

من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، ومن داخل المستوطنات التي تسعى الحكومة الإسرائيلية لتوفير أكبر قدر من الأمان لها، يأتي الجواب على هذا السؤال.
فقد علق الجنرال إيفي إيتام زعيم حزب المفدال الديني الوطني على موضوع الجدار بقوله “إن من يريد إثبات انتصار الحركة الوطنية الفلسطينية على الحكومة الإسرائيلية عليه أن ينظر إلى هذا الجدار الذي يعكف الجيش على إقامته حولنا، أي إنجاز يريده الفلسطينيون أكثر مما حققوه بإجبارنا على الانغلاق خلف الجدران الإسمنتية والأسلاك الشائكة”.

ويذهب بنحاس فالنتشتاين أحد قادة المستوطنين في الضفة الغربية إلى حد وصف هذا الجدار بجدار معسكر “أوشفيتز” وهو أحد مراكز الاعتقال التي أقامها النازيون لليهود في بولندا أوائل الأربعينيات، مضيفا أن الفرق المهم هو أن “أوشفيتز” بناه أعداؤنا أما هذا الجدار “فنحن الذين نقيمه لأنفسنا”.

إضافة لذلك، فهناك من يرى أن الفدائيين وإن تعذر عليهم تنفيذ هجماتهم داخل الخط الأخضر، فإنه بإمكانهم تنفيذها ضد المستوطنات داخل الضفة الغربية والقطاع، وهو ما عبر عنه عضو الكنيست إيلي كوهين، ممثل مجلس مستوطنات الضفة والقطاع في حزب الليكود حين قال “إن النتيجة الفورية لبناء ذلك الجدار هي وقوع عمليات ضد المستوطنين، إنني أسمي هذا الجدار بجدار الوهم”.

فلسطينيون على الجانب الآخر من الجدار (قناة الغد)

المصادر:

1- موقع الدولة الفلسطينية.
2– الجزيرة نت.
3 – وكالة الأنباء الفلسطينية، وفا.
4- مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!