اتفاق أوسلو …  عشرات السنين والأحلام تتآكل

0
الأيام السورية

في عام 1979، طلب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات من النرويج أن تتوسط لتوفير قناة اتصال سرية مع الإسرائيليين، إلا أن إسرائيل لم تبدِ في ذلك الوقت اهتماماً للتواصل المباشر مع عرفات أو مع منظمة التحرير الفلسطينية.

وبعد عقد من الزمن، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية، وفاق حجم التظاهرات الحاشدة التي تزامنت مع أحداث الانتفاضة توقعات كل من إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وفي العام الثاني للانتفاضة، تحديداً 1988، أعلن ياسر عرفات قبوله بقراري الأمم المتحدة 242 و338 اللذين منحا إسرائيل الحق بالعيش في “حدود آمنة ومعترف بها”، ما سمح لها بالاستمرار باحتلال مناطق استراتيجية مهمة في الضفة الغربية.

واجهت إسرائيل وقتها إدانة دولية بسبب الوسائل التي قمعت فيها المتظاهرين الفلسطينيين، وتعرضت لضغوطات خارجية من المجتمع الدولي للبدء بمحادثات سلام مع الفلسطينيين.

ما قبل أوسلو

قررت إسرائيل وقتها البدء بمفاوضات مباشرة سرية مع منظمة التحرير الفلسطينية في النرويج. ومن أجل إنكار حقيقة المفاوضات، تمت المحادثات جميعها عن طريق مؤسسة فافو FAFO، وهي مؤسسة أبحاث نرويجية تابعة لحزب العمال النرويجي.

وخلال المحادثات السرية عام 1993، انتهزت إسرائيل المكانة الضعيفة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي وصلت إليها بعد حرب الخليج. فقد أعلنت المنظمة خلال الحرب دعمها للعراق في مواجهة الكويت والبلدان الغربية، ما أضعف موقف المنظمة بعد هزيمة العراق عام 1991.

خلال مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، والمباحثات التي جرت في العام التالي في العاصمة الأميركية واشنطن، ركز الوفد السياسي الفلسطيني كل جهوده على مناقشة إنهاء بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن في أوسلو، همشت إسرائيل القضايا الأساسية المهمة، بما فيها المستوطنات والقدس واللاجئين، وأجلتها لجولات مفاوضات لاحقة.

بعد عقود من المصافحة الشهيرة بين ياسر عرفات وإسحاق رابين في البيت الأبيض بواشنطن خلال عهد الرئيس بيل كلينتون، ظلت تطلعات الشعب الفلسطيني الوطنية بعيدة المنال.

جولات تفاوض سري

كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تدرك جيداً حدود اتفاق أوسلو، لكنها رأت أن لا خيار أمامها إلا القبول به، فقد ضعف وضعها كثيراً في عصر ما بعد الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية، فتصالحت عن وعي تام مع إسرائيل وضمنت لنفسها موطئ قدم فوق التراب الفلسطيني قبل أن يتعرض وضعها الإقليمي والدولي لمزيد من الضعف والتردي، فبعد عدة جولات من التفاوض السري المباشر، والغير مباشر، وقعت منظمة التحرير الفلسطينية في الثالث عشر من أيلول 1993 على اتفاق “إعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي.. أوسلو”، في حديقة البيت الأبيض بواشنطن، ووقع الاتفاق عن الجانب الفلسطيني محمود عباس “أبو مازن” وعن الجانب الإسرائيلي وزير الخارجية شمعون بيريس، كما وقعه بصفتهم شاهدين – وزيرا خارجية الدولتين الراعيتين لعملية السلام، “أندريه كوزيريف” عن روسيا الاتحادية، “وارين كريستوفر” عن الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يراقب مراسم التوقيع من خلف المنصة، كللٌ من الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون”، والزعيم الفلسطيني الراحل “ياسر عرفات”، ورئيس الوزراء الإسرائيلي “إسحاق رابين”.

وقعت اتفاقية أوسلو في البيت الأبيض، إلا أنها اكتسبت اسم العاصمة النرويجية لأنها المكان الذي جرت فيه المفاوضات السرية التي سبقت توقيع الاتفاق.

مبارك وعرفات وكلينتون ورابين والملك حسين (الميادين)

مراحل الاتفاق

تنص اتفاقية إعلان المبادئ على إجراء مفاوضات للانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية وغزة على مرحلتين:

المرحلة الإعدادية (الأولى):

تبدأ في 13/10/1993 وتنتهي بعد ستة أشهر، وفيها تجرى مفاوضات تفصيلية على محورين:

المحور الأول:

– الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا، وينتهي هذا الانسحاب في غضون شهرين، ويجري انتقال سلمي للسلطة من الحكم العسكري والإدارة المدنية الإسرائيلية إلى ممثلين فلسطينيين تتم تسميتهم لحين إجراء انتخابات المجلس الفلسطيني..

المحور الثاني:

– تنص الوثيقة فيه على تشكيل سلطة حكم فلسطيني انتقالي تتمثل في مجلس فلسطيني منتخب يمارس سلطات وصلاحيات في مجالات محددة ومتفق عليها لمدة خمس سنوات انتقالية.

المرحلة الانتقالية (الثانية):

وتبدأ بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا، وتستمر لمدة خمس سنوات تجرى خلالها انتخابات عامة حرة مباشرة لاختيار أعضاء المجلس الفلسطيني الذي سيشرف على السلطة الفلسطينية الانتقالية

الوضع النهائي

وبالنسبة لمفاوضات الوضع النهائي فقد نصت الوثيقة على البدء في تلك المرحلة بعد انقضاء ما لا يزيد عن ثلاث سنوات والتي تهدف بحث القضايا العالقة مثل: القدس، والمستوطنات، واللاجئين، والترتيبات الأمنية، والحدود، إضافة إلى التعاون مع الجيران وما يجده الطرفان من قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، كل ذلك سيتم بحثه استناداً إلى قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338.

صورة تاريخية لعرفات وشامير بعد توقيع الاتفاق ( القنطرة)

ملحقات

وتبع هذا التوقيع، الاتفاق على بروتوكول باريس، وهو الاتفاق الاقتصادي الذي وقع في 29 نيسان/ابريل 1994م؛ ومن ثم اتفاق “غزة أريحا” الذي وقع في القاهرة بتاريخ 5 أيار/ مايو 1994؛ فالاتفاق التمهيدي بشأن “نقل السلطات والمسؤوليات” الموقع عند حاجز “أيرز” بين غزة وإسرائيل، وقد تألف إعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي (أوسلو) من سبعة عشر مادة، وأربعة ملاحق “إضافة إلى محضرين تفسيري لبعض مواد الإعلان، وحدد في مادته الأولى، هدف المفاوضات في إقامة” سلطة ذاتية انتقالية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات، تؤدي إلى تسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338. وبذلك تكون اتفاقية اوسلو قد أكدت المرجعية القانونية والسياسية التي تقوم عليها أسس التسوية السياسية بين الجانبين.

مزايا الاتفاق

يعتبر التوقيع على اتفاق أوسلو نهاية مرحلة وبداية لمرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني، مرحلة اعتمد فيها النضال السياسي والدبلوماسي محل الكفاح المسلح، حيث نتج عن الاتفاق بشكل فعلي انهاء انتفاضة الحجارة الفلسطينية التي انطلقت في نهاية 1987، والتي أعادة الاعتبار لمنظمة التحرير وللقضية الفلسطينية، فقد هيأ اتفاق أوسلو والاتفاقات الفلسطينية -الإسرائيلية التي تلته، وما سبقه من مفاوضات علنية وسرية، لتحولات واسعة في الحقل السياسي الفلسطيني، لعل أبرزها قيام سلطة وطنية على جزء من إقليمها الفلسطيني.

واعتمد المفهوم السياسي لاتفاقية أوسلو على الافتراض بأنه ليس بالإمكان إيجاد حل متكامل لجميع القضايا السياسية المختلف عليها، وذلك لتشابكها مع مسائل قومية مؤلمة وحساسة بالنسبة للطرفين، فاقترحت اتفاقية أوسلو حلاً جزئياً كممر يمهد الطريق للحل الدائم، المتمثل بدولتين لشعبين، ورأى السيد أحمد قريع أن اتفاقية أوسلو بمثابة محصلة موضوعية لميزان قوى، ذاتية، إقليمية ودولية، تقدم الفلسطينيون عبره عتبة التاريخ إلى حيّز الجغرافيا.

اعتبر الاتفاق خطوة عظيمة خاصة بعد عمليات التطهير العرقي التي ارتكبتها إسرائيل لاقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه، سواء بالقتل أو التهجير القسري.

عند توقيع اتفاقيات أوسلو، اعترفت إسرائيل لأول مرة بمنظمة التحرير الفلسطينية، كما اعترفت المنظمة بإسرائيل.

لحظة توقيع الاتفاق (بوابة الهدف)

حقائق

خلقت اتفاقية أوسلو ثلاث حقائق موضوعية مهمة، يمكن عدّها على النحو التالي:

الأولى: أنها مكنت الشعب الفلسطيني من إقامة كيانه السياسي لأول مرة على أرض فلسطينية، ووضعت بين يديه سلطات وصلاحيات سياسية ومدنية وإدارية واقتصادية وأمنية وتشريعية وقضائية لا حصر لها.

الثانية: أنها أوجدت أرضية ملائمة لإدامة الكفاح الوطني الفلسطيني، بعد غلق الأبواب والحدود والعواصم، وانسداد السبل والدروب أمام الشعب الفلسطيني.

الثالثة: إنها خلقت أملاً لشعب كاد يفقد الأمل بأن الاحتلال سوف يتزحزح يوما ما من مكانه.

اعتقد كثيرون في ذلك الوقت أن هذه الخطوة قد تؤدي للتوصل إلى حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكن ما حدث خلال المفاوضات التي لحقت توقيع الاتفاقيات على مدى 20 عاماً، أثبت أن هذه الخطوة كانت فقط عبارة عن وسيلة تستخدمها إسرائيل كذريعة لمواصلة بناء وتوسعة المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967.

وبالرغم من انتهاء مدتها، ما زالت معاهدات أوسلو ترسم مستقبل الشعب الفلسطيني حتى يومنا الحاضر.

مآلات الاتفاق

جاءت انطلاقة انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000م كتعبير عن وصول عملية السلام لطريق، بعد أن سعى اليمين الإسرائيلي لتعطيل عملية السلام ووقف اتفاق أوسلو، مستغلاً العمليات الانتحارية التي كانت تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية في قلب إسرائيل، فبعد انسداد أفق التسوية عقب صعود اليمين الإسرائيلي لسدة الحكم في إسرائيل بعد اغتيال إسحاق رابين عام 1995م-، حاول الرئيس الراحل ياسر عرفات الضغط على إسرائيل من خلال إصراره على إطلاق انتفاضة الأقصى ودعمها بالمال والسلاح بعد زيارة شارون للمسجد الأقصى المبارك عام 2000م.

لقد شكل اندلاع انتفاضة الأقصى لنهاية عملية لمسار أوسلو، بعد فشل مؤتمر كام ديفيد عام 2000م في منح هذا المسار أخر فرصة ممكنة. لكن رغم كل ما يُقال عن اتفاق أوسلو، يظل هذا الاتفاق هو الإطار القانوني الوحيد الذي جسد الكينونة الفلسطينية وسمح للشعب الفلسطيني أن يحكم نفسه على جزءٍ من الأراضي الفلسطينية، وسمح أيضاً بإنشاء أول سلطة وطنية فلسطينية على طريق الدولة، فقد حقق اتفاق أوسلو رغم ما يعتريه من أزمات جزءاً من العودة، فهو الوثيقة الوحيدة التي اعترفت فيها دولة الاحتلال بحقوق الفلسطينيين السياسية كشعب مثل باقي شعوب العالم.

مصدر الجزيرة نت BBC
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!