الجاسوس في النتفلكس والشباب الكوول

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

قد أبدو شخصاً لا يحترم قانون الحماية الفكرية عندما أقول بأني ميّال لاستخدام مواقع التورنت في تحميل الأفلام السينمائية. وحتى بالنسبة للشبكات التي تحاول جاهدة الإيقاع بالتورنتيين وبعض الدول التي تفرض رسوم انتهاك حقوق الملكية تلك، ينبع سؤال جوهري، لماذا يجب أن نلتزم بزيادة ثراء تلك الشركات، التي هي بشكل طبيعي تربح مبالغ هائلة من إنتاجها قبل توافرها على التورنت.

فشبكة كـ “النتفلكس” تطبّق المثل بأننا يجب أن ندفع السنت قبل الدولار، إنها محاولة لكسب كل شيء، وكي لا يبدو الموضوع هنا تلاعباً سأكون صريحاً إزاء الفكرة؛ إن “النتفلكس” اليوم تقدّم نفسها كشخص مصاب بالهذيان يريد أن يستولي على كل شيء وبأسرع صورة، إنها تريد أن تُنتج في الدراما والجواسيس والرعب والأكشن والأنميشن والوثائقي والروائي، وخرجت من هوليود لتنتج في ألمانيا وإسبانيا والأروغواي والمكسيك واليابان حتى وصلت إلى الأردن، وشراء الأفلام القديمة لعرضها على منصتها، وكل ذلك في آخر سبع سنوات. Hey Netfilx, come down.

ولو كان إنتاج “النتفلكس” على الجودة الدرامية والفكرية المطلوبة، فلن يكون لدينا مشكلة من دعمها مادياً فعلياً، لكن هذه الشركة الإنتاجية هي أسوأ شيء يمكن أن يحصل في تاريخ الإنتاج الدرامي، تجربتي لأشياء أنتجتها “النتفلكس” هي أسوأ ما يمكن أن أشاهده، هناك تدخل صريح ليس فقط في طرح الأفكار وتوجيه السكريبت، بل حتى في عمل المخرج ورؤيته. ومن لا يرى هذه النقطة فلديه عمى سينمائي ودرامي بشكل واضح.

ومع ذلك الشباب الكوول ميالين لأن يكونوا جزءً من هذه الصورة البصرية الحضارية (نحن نشاهد على النتفلكس“)، وبطبيعة الحال لا أعلق على تلك العبارات سوى بالابتسام. فنحن أشخاص أحرار ورافضون لكل مؤسسات الرأسمالية ومحاولة التحكم بأفكارنا ومتمردون على كل القوانين لكن مع “النتفلكس” يجب أن نكون كوول، يجب أن نكون هادئين ومطيعين، وننتمي إلى الصورة المدفوعة التي تضعنا نفسياً كأشخاص أكثر إبهاراً ولسنا مجانيين، أن نأخذ كل ما يأتي كصورة أكثر شغفاً.

في الحرية الفكرية داخل هذا العصر لا يمكننا أن نرفض شيء، من حقنا شيء وحيد أن نقول بأننا نرفض لكننا مضطرين للرضوخ.

مسلسل الجاسوس أطلق النزعة التناقضية الشعبية بين الشباب الكوول والوطنيين. فالبعثي الأصيل امتعض، والبعثي الأسدي شعر بالفخر، لكن الجميع متفق على الإنتاج البصري المذهل والمتقن للنتفلكس.

هذه الشركة لم تعد تكتفي لتكون منصة عرض، بل تريد أن تغيّر وجه الصناعة الفكرية قبل تغييرها بصرياً، ويظهر سؤال: لماذا إلى اليوم لا تستطيع “النتفلكس” استقدام فلاسفة الإخراج السينمائي الذين ما زالوا أحياء؟. وما تجربة الفيلم المكسيكي الأخير “روما” من إنتاجها وإخراج أحد أهم صناع السينما المستقلين ألفونسو كورون إلا كرّد فعل جماهيري على المستوى الدرامي المتدني والموجّه الذي صنعته النتفلكس خلال مسيرتها، لقد أرادت أن تثبت للعالم أنها أيضاً تستطيع أن تنتج ما هو مميز وعميق.

كل ما سبق قد يبدو للبعض تجنّياً على تجربة إنتاجية مختلفة، لكن بالوقوف قليلاً على هذا الإنتاج ومقارنته بسينما أخرى نستطيع أن نفهم جوهر الاختلاف والطرح والأفكار.

من أواخر ما أنتجته “النتفلكس” كان مسلسل الجاسوس من ست حلقات، يتحدث عن الجانب الإنساني في حياة العميل 88 المعروف باسم كامل أمين ثابت “أيلياهو كوهين” جاسوس الموساد في سوريا أيام حكم البعث، والدعم الكامل الذي قدمه إزاء ثورة الثامن من آذار 1963.

طبعاً المسلسل كان يقدم البعثيين الأوائل، ضباط وسياسيين ومفكرين، كحمقى تم اختراقهم والضحك عليهم كأمين الحافظ وعفلق، ومحاولة تجنب ذكر حافظ الأسد إلا مرة واحدة في جملة لجورج سيف وزير الإعلام، انه يريد أن يصبح وزير دفاع. “يقصد حافظ الأسد”.

مسلسل الجاسوس أطلق النزعة التناقضية الشعبية بين الشباب الكوول والوطنيين. فالبعثي الأصيل امتعض، والبعثي الأسدي شعر بالفخر، لكن الجميع متفق على الإنتاج البصري المذهل والمتقن لـ “النتفلكس”.

ما تم طرحه في المسلسل اتجاه بعث 63 وإخفاء دور الأسد، شبيه بأن نقول بأن رابطة العمل الشيوعي عملاء وبكداش هو العلماني المدني المتحرر.

المضحك في الموضوع أن لا أحد استطاع أن ينظر للأمر من منحى الفشل الدرامي للمسلسل والأداء المبالغ به الذي يفوق طبيعة الشخوص على اعتبارها بيوغرافي، وحتى بتقديم أحداث المسلسل كصورة فيلم أكشن هوليودي تجاري. عندما تصبح الدراما هي صورة خطف بصري وليست معالجة فكرية، نفهم حينها الدور المتقن لشبكات مثل “النتفلكس” وغيرها.

طبعاً هنا لا نتحدث فقط عن مسلسل الجاسوس من منحى الأحداث وحقيقتها، لأن البعث بأسره نمط دموي وانقلابي منذ نشأته بفكرة التفرد القومي، بخلاف إن كان عميل أم لا، لكننا نتحدث عن صورة الإنتاج بالعام لمثل هذه الشبكات وطريقة تحوير الفكر إلى نمط معين وتوجيه خاص.

مسلسل مثل الجاسوس هو إدانة للبعث لكن ليس لحافظ الأسد. هنا في المستوى الفكري نصبح أمام حقيقة، شئنا أم أبينا، قبلنا أم رفضنا، لا يمكننا كسوريين نكران الدور السياسي التاريخي للبعث قبل 1963 في صناعة تاريخ سوريا، مهما كان موقفنا الفكري من أيديولوجية هذا الحزب، مثل جميع الأحزاب، القوميين السوريين أو الشيوعيين.

ما تم طرحه في المسلسل اتجاه بعث 63 وإخفاء دور الأسد، شبيه بأن نقول بأن رابطة العمل الشيوعي عملاء وبكداش هو العلماني المدني المتحرر.

وبخلاف كل شيء تبقى الصورة المهمة بأن المسلسل فاشل درامياً ويعتمد على الجذب البصري فقط. “النتفلكس” كمنصة عرض وإنتاج تقوم اليوم بأسوأ دور على مستوى الفكر وعلى مستوى الدراما أيضاً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!