التأسيس لثقافة حوار قائم على الشفافية ووضوح الرؤية وجرأة الطرح

0
كفاح زعتري

لقاءات وحوارات ومناظرات على مختلف الوسائل الإعلامية، مواضيع اجتماعية، سياسية، فكرية… تتنوع المواضيع وتختلف الوسيلة الإعلامية، مع قاسم مشترك هو اللغة المستخدمة. إما الوعظ والتنظير والأستذة، أو الشتائم والسباب والتخوين، وصولاً إلى التكفير.

وعلى مستوى الفيس بوك فالوضع أدهى وأمرّ، حيث التحشيد، وردّات الفعل، واللغة البذيئة السوقية.

أين نحن من الحوار! لماذا لم نستطع أن نكسب مساندة شعوب الدول الديمقراطية التي تناصر الحريات وحقوق الإنسان. هل لكونها مجتمعات منافقة ومزيفة ومدعية؛ أم لأن العيب فينا. ولماذا مشاكلنا معلّقة بلا حلول.

الحوار ثقافة مجتمعية تبدأ من الأسرة ثم المدرسة إلى سائر المؤسسات العامة، عندما تسود في المجتمع السلطة الأبوية يتراجع الحوار بين أفراد الأسرة، فالأب هو صاحب الرأي الأول والأخير والصغار عادة لا يُصغى إليهم ولا يسمح لهم أحياناً حتى بإبداء الرأي، هم فقط يتلقون أوامر ونواهي، والأبوين فقط من يعرف.

ولما المناهج المدرسية تنطلق من عقيدة ما، أياً كانت، يكون الطفل متلقٍ وفقط يستمع ويحفظ ويقبل ما يقدم له من معلومات، حيث النقاش بحدود إيصال الفكرة وليس نقاشها، فالمناهج جزء من السياسة العامة في البلد، تسوق للرأي الواحد، فتكون المدرسة أسوأ مربٍ.

وفي المؤسسات أوامر إدارية وطاعة وتنفيذ، لم يكن المرؤوسين شركاء في القرار، والمدير يفهم بكل شيء وأكثر قدرة على تقدير المصالح، والقيادة الحكيمة من يخطط لكل التفاصيل، بينما الأفراد والمنظمات والمؤسسات جوقة هتيفة (إلا من رحم ربي). هي تربية وممارسة قائمة على الإذلال وطمس شخصية الفرد والحط من كرامته.

تكون النتيجة “شعباً” لا يتقن لغة الحوار، بأفضل حالاته يجيد الكلام، لا يسمع سوى لصوته ولا يقبل سوى رأيه. وحيث تسود المحرمات وسقف للحوار لا يمكن تجاوزه، كما تسود ثقافة التكفير أو التخوين، فتحل الشتائم محل لغة العقل والمنطق.

لنتمكن من التأسيس لثقافة حوار قائم على الشفافية ووضوح الرؤية وجرأة الطرح؛ نحتاج بداية إلى الشعور بالأمان، فالرأي الذي سيبنى عليه مواقف أو الذي سيكون الفرد مهدداً أو غير آمن بسببه، سيتردد قبل التعبير عن رأيه.

الثقافة الأحادية التي كرسها النظام طوال عقود، خلّفت العديد من العيوب السلوكية، وساهمت في تدني قيمي بقصد الإفساد وتخريب النسيج الاجتماعي وهتك القيم. لا تزال هذه الثقافة منتجة ولا تزال هي السائدة، تحرر اللسان وانطلاقه لم يترافق بتحرر على مستوى لغة الخطاب ولم يرافقه تحرر من ثقافة الاستبداد والارتقاء بلغة الحوار بحيث نصل إلى قواسم مشتركة وتوافق رؤى تؤسس إلى فعل على المستوى السياسي والفكري يمكن له أن يستمر وينتج.

إحدى مشاكلنا التربوية على مستوى التواصل مع الآخر، هي عدم الإنصات أو الإصغاء له وهو مرتكز أي حوار، الإصغاء للآخر يفتح مجال للتعارف والتواصل، ويدلل على احترامنا واهتمامنا بما يقول. ثنائية الكلام والصمت هما أساس التبادل الثقافي والمعرفي، وهنا الصمت لا يعني عدم المشاركة، أو الاستماع السلبي الذي يعكس لا مبالاة بالمتحدث. إنما يعني الإصغاء بكامل الحواس والتقاط الأفكار والمعاني وتحليلها وفهمها، ومن ثم قبولها أو الاعتراض عليها بالحجة والبرهان، الأمر الذي يعكس علم ومعرفة المتلقي. أما مجرد استقبال أفكار الآخرين دون مشاركة فربما ينطوي عن قلة معرفة أو جهل أو خجل وعدم ثقة. في حين أن الحوار يعتمد على الثقة والمعرفة.

لو استرجعنا البرامج الحوارية على المحطات الفضائية، نلاحظ الصراخ والسباب بدل الحوار، نجد ردّات فعل وانفعالات نجد تزييف للحقائق وخلط للأوراق. الأمر الذي يدلل على رفض مسبق للرأي المختلف، هو حديث من طرف واحد، فالاعتراض مرفوض، والآخرين متلقين، أو الغرق بمشادات كلامية دون جدوى، وتبقى المشاكل دون حل.

من جانب آخر، لنتمكن من التأسيس لثقافة حوار قائم على الشفافية ووضوح الرؤية وجرأة الطرح؛ نحتاج بداية إلى الشعور بالأمان، فالرأي الذي سيبنى عليه مواقف أو الذي سيكون الفرد مهدداً أو غير آمن بسببه، سيتردد قبل التعبير عن رأيه، كذا الشخص المنهك جراء تأمين احتياجاته اليومية، لن يكون مكترث بإبداء رأيه، خاصة إن كان سيرتب عليه مساءلة أو ربما أكثر من ذلك، أيضاً يجب أن تسود ثقافة احترام الآخر والإصغاء له، كما تتطلب اطلاع ومعرفه وتواضع وتحرر من شخصية الإنسان الشامل العارف بجميع العلوم وبواطن النفوس.

لا شك هي مهمة صعبة وتحتاج إلى تضافر جهود وصبر وإخلاص ووطنية، البناء دائماً صعب وهنا البناء في المجتمع وأفكار المجتمع.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!