السيرة الهلاليّة (سيرة بني هلال) قواعد وأخلاقيات صاغتها مخيلة الجماعة الشعبية

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تعرف في مصر باسم “السيرة الهلالية”، وفي الشام باسم “تغريبة بني هلال الكبرى الشامية”، وفي تونس “تغريبة بني هلال ورحيلهم إلى المغرب وحروبهم مع الزناتي خليفة”، وكان لتنوع الأحداث وانتقال الصراع بين أبطالها أثره في تربّعها على عرش السير الشعبية.

ما يميزها عن غيرها

إذا كان من تقاليد الفن الشعبي أن تحمل السيرة اسم البطل، مثل أن نقول سيرة “عنترة بن شداد”، سيرة الأمير “سيف بن ذي يزن”، أو سيرة “الظاهر بيبرس”، أو سيرة “ذات الهمة”، فإنّنا لا نجد هذا الأمر في السيرة الهلالية على وجه التحديد، ففي شرق الوطن العربي حين ستسأل من بطل السيرة، في الغالب ما تكون الإجابة “أبو زيد الهلالي سلامة”. غير أنك ما إن تعبر ليبيا، متجها غربا، حتى تكون الإجابة على نفس السؤال بأن البطل ليس سوى “الزناتي خليفة”. أما إذا اتجهت جنوبا فقد تطالعك إجابة مختلفة تماما،على سؤالك المتكرر لتكون “دياب بن غانم”.

فقد تميزت إذاً ، بعدم ارتباطها ببطل واحد، فطوعت كل ثقافة رواية السيرة الهلالية على طريقتها، فكل شخص(راوٍ) ومنطقة اختارت بطلها.

موضوع السيرة الهلالية هو الصراع العربي ـ العربي، وهذا الموضوع لم يُطرح في أي سيرة من السيرة الشعبية الأخرى سواء قبل الإسلام أو بعده، فكل السير الشعبية باستثناء السيرة الهلالية كان موضوع الصراع فيها هو الصراع مع الآخر الاستعماري، المحتل للأرض. وبالتالي كان البطل في السير الشعبية بطلاً قوميًّا مدافعًا عن الأمة والدين، بينما في السيرة الهلالية بطلاً قبليًّا مدافعًا عن قبيلته وسلطانها.

انفردت عن نظيراتها من السير الشعبية برصد تاريخ الأمم ومواقف الأبطال، فباتت الأكثر ثراء وتشويقا، لما تحتويه من مغامرات وأحداث درامية،  تكونت من مليون بيت شعر تناولت فيها حياة القبائل الهلالية في شبه الجزيرة العربية في الجزئين الأول والثاني، وسردت في الجزء الثالث “التغريبة” قصص 450 ألف عربي انتقلوا إلى تونس في محاولة لتوحيد كلمة العرب تحت راية القائد والزعيم أبي زيد الهلالي، بينما ركزت في الرابع والأخير على مقاومة الأبطال لسلطان الأتراك “الغطريف” الملقب بـ “الملك الغضبان”.

تاريخ تدوينها

وتمت صياغة نسخها النهائية بشكلها الشعري في العصر العثماني، وأضيف لها عدة فصول تربط شرق العالم العربي بغربه، تتحدث عن أصول الهلالية في الجزيرة العربية، وانتقالهم من الحجاز إلى الشام، ومنها إلى مصر وليبيا وصولا إلى تونس والمغرب العربي، وهي تصور مغامرات أبي زيد الهلالي نصير الضعفاء الذي تحول إلى رمز للنضال.

أحداثها

لا ينفي الطابع الأسطوري للسيرة الهلالية أصولها التاريخية في القرن الحادي عشر الميلادي، حين قرر الوزير الفاطمي الحسن اليازوري إرسال قبائل بني هلال وبني سليم من صعيد مصر إلى تونس بهدف تأديب الوالي المستقل عن الخلافة الفاطمية حديثا، المعز بن باديس.

هاجمت القبائل تونس وانتشرت في بلاد المغرب العربي إلى حدود الأطلسي، وحملت معها الفوضى السياسية إلا أنها نجحت على المدى البعيد في ترسيخ اللسان العربي في بلاد المغرب، ما يراه المؤرخ حسين مؤنس في كتابه “معالم تاريخ المغرب والأندلس”، سببا في احتفاظ تلك البلدان بلسانها العربي حتى يومنا هذا.

إنها التجربة الحياتية للحلف الهلالي المكون من قبائل نجد المقاتلة والمدافعة عن قيم الأمة وشرفها. وكعادة الملاحم، هي تستنهض الأمم بذكر أمجادها العسكرية، وبطولات القادة الذين أنجبتهم أرضها في السلم والحرب. وتعيد السيرة الشعبية تاريخ الأمة وتفسره بطريقة فنية حسب معتقدات البسطاء والمحكومين لا الحكام، إنها حكاية الشعب، كما يفهما الشعب، أو كما يحب أن يفهما.

“هلال” الجد البعيد الذي تنتسب له القبيلة المحاربة قبيلة “بني هلال” هو أحد رجال الإسلام الذين أبلوا أحسن البلاء في الدفاع عن الرسول في “غزوة تبوك”

وأهم أحداث السيرة وملحمتها الأساسية ما يعرف بـ”الريادة” و”التغريبة”، ونحن نعني هنا بالشق الثاني الذي هو “التغريبة” لأنه هو ما صنع الاختلاف الكبير في الروايات، بل في طريقة النظر لهذا البطل من ذاك.

تغريبة بني هلال (ثقافات)

“التغريبة” موجة هجرة كبيرة قامت بها قبائل من نجد مخترقة مصر عابرة إلى المغرب العربي، بعد ما مر بهذه الأرض من مجاعة أهلكت الجميع. واستوطنت تلك القبائل أرض تونس، بعد أن زحفت إليها تسوق رجالها ونساءها.

أما تلك الحادثة فلها أصل تاريخي كما هو شائع في الملاحم، وأما تفسير هذا السلوك وتبريره فهذه مهمة الفنان الشعبي، الذي يمنطق هذا الفعل بمنطق غالبا ما يخالف ما حدث تاريخيا، لصالح وجهة نظره الفنية والإنسانية.

على أية حال فالثابت تاريخيا، أن قبائل هلال، وسليم، ودريد، والأثبج، ورياح، قد هاجرت من نجد من منتصف القرن الخامس الهجري، واستمرت موجات الزحف لما يقرب عن قرن. وقد استطاع “عبد المؤمن بن علي” إمام الموحدين التصدي لها بعد أن وطن بعضها واستعان ببعضها على بعض.

وتحت عنوان “تغريبة بني هلال”، يأتي الجزء الثالث ليحكي عن سيرة الهلالية في المغرب العربي شمال إفريقيا، بعد أن وطد أبو زيد الهلالي دعائم الوحدة العربية بالجزيرة العربية والشام، استقر رأيه على ضرورة الهجرة إلى شمال إفريقيا.

يندفع أبو زيد الهلالي زعيم التحالف العربي إلى تونس غربا، ويقع في أسر حاكمها الزناتي خليفة، الذي يأمر بسجن رجاله، وإطلاق سراحه ليعود له بالفدية من نجد، إلا أنه يجهز جيشا عظيما لغزو تونس، وفي طريقه إليها يخوض حروبا مع الخفاجي عامر، والملك التركي الغضبان – نموذج الطغيان العثماني في أبهى صوره –  قبل أن ينتصر على جيش الزناتي ويتمكن من قتله، ليخلو المسرح السياسي للجيوش العربية، ويستقر رأي القبائل على تولية أبي زيد الهلالي سلطانا على تونس والمغرب.

“أبو زيد بالعربان ليس مثاله * بالجود والمعروف وحسن ثبات

حوى حكمة لقمان وجود حاتم * وصبر أيوب وكل صفات

وحاز خصال الخيرين جميعهم * أمير ابن أمير سيد السادات”

وأصل الأمر أن هذا الزحف قد تم بتدبير الوزير “اليازوري” وزير الخليفة الفاطمي في مصر، والذي منح “المعز بن باديس” حاكم أفريقية عام 435 هجريا لقب “شرف الدولة”، وبدلا من أن ينحاز “المعز” بعد هذه المنحة للخليفة الفاطمي، انحاز لعامة شعبه الذين قاموا بثورة ضد أصحاب المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبالفعل أمام الثورة الشعبية نادى المعز باتباع مذهب الإمام مالك وخطب في المساجد للخليفة العباسي “القائم بأمر الله”، واعترف له الأخير باستقلال المغرب تحت إمرته.

البطل

الرواية في الشرق كما أسلفنا بطلها “أبو زيد الهلالي سلامة”، الفارس الأسود، الذي تُتهم أمه في شرفها لسواده وهي التي دعت الله أن يهبها غلاما يماثل الطائر الأسود القوي الذي رأته واختارته:

“يا أسمر .. والرب حلاك

في جسمي البلا كلموني

لو أسمر قوي برضه عاوزاك

وحتى إن لاموني يلوموني”

“تمنت وطلبت من الله

يعطيها غلام صالح

كي يعمر لرزق دياراه

ويقضي جميع المصالح”

“ويكون قلبه للعلم مشروح

يصلي على البدر “طه”

كان يوم دي باب العرش مفتوح

استجاب الإله دعاها”

لكن في رواية المغرب ستجد أن بطل السيرة هو زناتة، لاحظ فكرة التأريخ من وجهة نظر الفن، وبطل زناتة هو “الزناتي خليفة” هذا البطل الذي وقف يدافع عن أرضه تونس وبلاده، ضد الغزاة الغاصبين الهاجمين من الشرق، والذين جاءوا ليستولوا على الأخضر واليابس بقيادة الوحش الأسود أبو زيد الهلالي.

والزناتي يظهر أقوى وأروع آيات البطولة، ثم المقاومة بعد الاحتلال، وهو نموذج البطل الشعبي المناضل في السيرة، وهكذا يختلف منظور السيرة حسب زاوية النظر.

وكما هو  معلوم، فالروايتان لا تقللان أبدا من قدر بطولة البطل الآخر، مع الاحتفاظ بكونه العدو. بل إن الرواية المغربية تعطي أبو زيد من الأوصاف والمقدرة والبطولة ما تجعله لا يهزم البشر فحسب بل الجان كذلك.

كما أن الرواية الشرقية تعطي الزناتي من أبيات المدح في مآثره وشجاعته وجسارته ما يفوق الأخرى، كذلك فإن كلا البطلين لا ينكران قيمة الآخر، بل يكيلان المديح لبطولة الآخر، بل إن بطلا لا يواجه آخر في السيرة إلا ويعظم من قيمة خصمه، ربما ليكون لمضاعفة قيمة الانتصار عليه:

“جالس على الكرسي “خليفة” الغندور

راجل منظره يهيب الأسْوده

بطل المغارب نعم وعنده شعور

يا ما فيه ناس حسوده وحقوده…”

بطل الجنوب وحامل الأمل

السيرة إذن ليست تعرضا لنمط أحادي من البطولة، ولا تبخس العدو بطولته، بل تفهم الدوافع والأسباب، ومبررات السلوك، وهي بذلك حالة جدل وتحاور بين أنداد على نحو ما، تصلح دائما للاستلهام.

لم تخل الصراعات الكثيرة في السيرة الهلالية، تلك الملحمة الشعبية الراسخة، من قواعد وأخلاقيات صاغتها مخيلة الجماعة الشعبية. رفعت هذه المخيلة من قدر من احترموا قواعد الصراع، وفي المقابل عاقبت كل من انتهك هذه القواعد غير المكتوبة.

فارس من السيرة الهلالية (يوتيوب)

إقرأ المزيد:

السّيرة الشعبية.. مقاربة في المصطلح والبنية واللغة


المصادر:

1-سيد ضيف الله: آليات السرد بين الشفاهية والكتابية، السيرة الهلالية ورواية مراعي القتل

2- عبد الحميد يونس: الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي

3- عمر أبو النصر: تغريبة بني هلال ورحيلهم إلى المغرب

4- شوقي عبد الحكيم: سيرة بني هلال

5- عبد الرحمن الأبنودي: السيرة الهلالية

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!