تثبيت النمط لاستعباد الشعوب

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن البشر بشكل طبيعي تتعامل مع المفاهيم والصفات ونقائضها كحقائق ثابتة دون البحث أو التفكير في خلفياتها، فبالنسبة للناس، نقيض الشجاعة هو الجُبن. ونقيض الكرم هو البخل، ونقيض الحب هو الكره. إنها حقائق ثابتة وأصبحت جزءً من وعي عالمي، لكن إذا ما دققنا قليلاً فيها، قد نصل إلى تعريفات مغايرة.

بالمنحى اللغوي قد يعتبر البعض أن هذا السرد غير دقيق، لكننا هنا نُخضع الصفة للسلوك ولا نناقشها كمجرد لغوي.

قد يبدو غريباً القول بأن نقيض الشجاعة ليس الجُبن، بل هو التزلّف. فالجبان هو شجاع مؤجل، يمتلك تقنية عالية في إخفاء إحساسه، فإذا ما سنحت له الفرصة، ستظهر شجاعته ولو بشكل سلبي أو انتقامي، لكن المتزلف لا يمكن أن يكون شجاعاً حتى لو سنحت له الفرصة، لأن سلوكه قائم على تعيّش وجوده من رد الفعل.

ونقيض الكرم أيضاً ليس البُخل، إنما هو الجشع. فالبخيل يمكن أن يمارس هذه الصفة مع الجميع، لكنه قطعاً لا يمارسها مع نفسه. البخيل هو كريم اتجاه ذاته، لذا لا يمكن إطلاق صفة البخل كنقيض للكرم. لكنّ الجشَع هو نقيض الكرم. فالشخص الجشِع يمتلك تقنية الفائدة المطلقة من الآخر، لكنه لا يمكن أن يستفيد من نفسه. لأنّ جوهر الجشع هو الاستغلال، فمن غير المنطقي أن يكون الجشِع جشِعاً اتجاه نفسه.

وذات الأمر ينطبق أيضاً على مفهوم الكره. نقيض الحب ليس أن تكره، بل أن تكون لامبالي. أنت تكره لأنك تحب، لكن إذا ما فقدت الحب فلن تكره، ببساطة ستكون لا مبالياً. إن الشخص اللامبالي لا يكترث بكل ما يجري مع الآخر باعتباره شكلاً طبيعياً للحياة، لكن الكاره هو عاشق عميق، حتى وإن تجلت صفة الكره بشكل مغاير من إذلال الآخر أو الانتقام منه. ببساطة حالة الانتقام السلبي أو الإذلال هي لحب عميق متجلياً بصفة كره.

جميع المفاهيم والصفات التي نعاملها بشكل ثابت، هي بالأصل ليست دقيقة، إنما تم ترسيخها عبر التاريخ البشري بأسره لينتج منها نمط مشترك عالمياً. فدون وجود نمط لا وجود لمعرفة مسبقة عن السلوك. بمعنى إن وجود مفاهيم من الخير والحب والكرم والشجاعة هي صفات وعي إيجابية، فكل نقيض لها يحتوي نسق نمطي يتجسد في ردود الفعل للسلوك البشري، وبالتالي إمكانية معرفة سلوكك النمطي والسيطرة عليه هو أولوية لاستعبادك الأبدي.

قد يبدو للبعض أن الأمر غير مهم وأنه يحمل تأويلاً أكبر من حجمه، بأنّ ما هو الفارق إن علمنا نقيض الشجاعة هو الجُبن أو التزلف، أو حتى إن علمنا نقيض الحب هو الكره أو اللامبالاة!. ما الذي سيتغيّر!

إن الشخص اللامبالي لا يكترث بكل ما يجري مع الآخر باعتباره شكلاً طبيعياً للحياة، لكن الكاره هو عاشق عميق، حتى وإن تجلت صفة الكره بشكل مغاير من إذلال الآخر أو الانتقام منه. ببساطة حالة الانتقام السلبي أو الإذلال هي لحب عميق متجلياً بصفة كره.

الذي سيتغير ببساطة هو الموقف من الحياة، وإمكانية أكبر لتغيير الواقع.

لنأخذ مثالاً بسيطاً في الواقع السوري. كثير من الناس لم يشاركوا بالانتفاض ضد النظام السوري، وتم وصفهم بالجبناء، وعلى خلاف إن كانت هذه الصفة صحيحة أم لا، لكن هذا الوصف مارس في الوعي شرخاً اجتماعياً منذ البداية بالنسبة للناس. الجبناء لا يعني أنهم مع النظام، يعني أنهم شجعان مؤجلون، يحتاجون تقنية وعي لتُظهر هذه الشجاعة المؤجلة بطريقة مبتكرة، وليس مهاجمتها كنقد حاد في محاولة دفع عشوائية للمشاركة. وعلى الجانب الآخر كثيرون مارسوا الثورة، لكن لم يمارسوها في بداياتها، بل بالضبط عندما تحررت أجزاء من البلاد من قبضة النظام. تلك الممارسة صحيح أنها لا توُصف بالجُبن، لكنها بدقة تُوصف باستغلال الواقع لتكون كشخص ضمن منهج جديد يفرض نفسه. اختيارك أن تكون جزءً من حركة حتى لو لم تكن مقتنعاً بها، إنها صورة متزلفة، دقيقة، تتعيّش بوجودها على رد الفعل، ولا تقوم بالفعل الشجاع، أو تؤجل إحساسها بما يُطلق عليه صفة الجُبن.

جزء كبير من الناس الذين وُصِفوا بالجُبن والصمت في مناطق النظام من قِبل المتزلفين الذين ركبوا موجة الثورة عند التحرير، اتخذوا موقفاً تشنجياً عكسياً من مفهوم الثورة نفسه. لقد اتسعت دائرة الشرخ لأننا لم نعلم شكل النمط الثقافي المرتكز في الأدمغة.

لو كان البشر يدركون بالأساس أن نقيض الشجاعة هو التزلّف وليس الجُبن، لكانت خارطة الواقع والسياسة والمجتمع تغيرت كلياً، لكن النمط الذي يحدد مفاهيمنا يجعلنا نعطي آراء قطعيّة وجاهزة.

ويبقى السؤال من الذي يريد للشعوب أن تبقى ضمن هذا النمط من المفاهيم؟

إن تحرير رؤيتنا اتجاه أي قاعدة مفهوماتية هي المفتاح الأساسي لمنطق أي تحرر، لا يمكن أن يبدأ التحرر من قاعدة ثابتة ومطلقة. إننا نحتاج للتفكير ملياً بكل ما نختزنه من ثوابت، لإعادة تشغيل التحرير.

ليس بالضرورة أن يكون التحرير جمعياً، يمكن أن يكون فردانياً، إعادة خلق مفردات جديدة لفهم الواقع، لأنّ التحرر عملية ذهنية وليست عملية سياسية أبداً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!