اللايك الذاتي وتقييم الآخر

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

قبل أن نتحدث في هذا الموضوع، يجب التنويه بأننا لا نمتلك أية إحصائيات حول هذه الظاهرة التي لا نعرف لماذا كثير من البشر يمارسونها، وهي ممارسة وضع اللايكات الذاتية على البوستات الشخصية.

قد يبدو الموضوع سخيفاً جداً لأن نُفرد له مادة كاملة في عصر تتآكل فيه المجتمعات وينهار الإنسان كلياً أمام وحش الحضارة، لكن التعامل مع اللايك الذاتي ليس سوى تجلي أيضاً لهذا الانهيار.

إذا ما دققنا قليلاً في آلية الفهم العام للتعامل مع السوشيال ميديا، فإننا نلاحظ بوضوح وجود قواعد ثابتة، منها: أنه يحق لك أن تفعل الريتويت على التويتر، أو الريبلوغ على التمبلر أو الشير على بوست قديم لك على الفيس بوك، لكن لمجرد وضع علامة إعجاب على أحد من هذه الوسائل لشيء شخصي أنت نشرته، فيتحول الأمر برمته إلى نوع من سخرية مبطنة للمتابعين.

هذه السخرية بطريقة ما ليست سوى نقد لقاعدة وسائل التواصل اتجاه الشخص الثائر عليها، الذي ببساطة يضع لايك لشيء يراه عظيماً حتى لو كان تافهاً، وحتى لو رآه الآخرون عظيماً ومدحوه طويلاً، لكن لا يجب أن يضع لايكه الشخصي على البوست.

إنها قاعدة مرتكزة في الوعي البشري لا يجب كسرها. إنك كممارس لوسائل التواصل، تتصف مهمتك كشخص يجب عليه أن يأخذ دور الحكيم المتقن والذي يطرح رأيه وينزوي منتظراً ردود الأفعال، فتفتح جبهة تعليقات أو تعيد نشر بوستك بعد مدة زمنية كنوع من التذكّر والتذكير بأنك مارست حكمة عميقة وعاطفة جياشة وفكرة مبدعة في زمن سابق.

في زمن قديم عندما كنت لا أزال استخدم الفيس بوك، أتذكر حادثة جرت مع أحد الحسابات، عندما شاهدت لايكه الذاتي على جملة شعرية كتبها صاحب الحساب تقول: “أحبك كورقة صفصاف صفراء”. بالطبع لم يبقى أحد من أصدقائه الفيسبوكيين إلا ومارس التعليق السخيف بأنه يضع لايك على شيء نشره. حقيقة رغبت أن أقرأ تعليقاً واحداً يتحدث عن الجملة الشعرية.

هذه السخرية بطريقة ما ليست سوى نقد لقاعدة وسائل التواصل اتجاه الشخص الثائر عليها، الذي ببساطة يضع لايك لشيء يراه عظيماً حتى لو كان تافهاً، وحتى لو رآه الآخرون عظيماً ومدحوه طويلاً، لكن لا يجب أن يضع لايكه الشخصي على البوست.

الشاب الذي كتب تلك العبارة الساذجة، هو بطبيعة الحال ليس أدونيس وليس أنسي الحاج، إنه مواطن بشري عابر في الحياة ويريد أن يشعر بالحب، وبعيداً عن العبارة أنها لا تحمل الكثير من الشعرية أو التشبيه المختلف، لكنه كان يراها انجازاً معرفياً وعاطفياً، إنه متصالح مع فكرة إرسال رسالته المبطنة لفتاته التي ربما عشقته بعدها، لا نعلم. وربما اليوم يعيش بهناء منقطع النظير معها.

لكن في اللحظة التي وضع فيها لايكه، جميع من يقدمون أنفسهم كأحرار يحترمون سلوكيات البشر، مارسوا أشد أنواع السخرية والاستهزاء، لأن شخصاً كسر إحدى قواعد السوشيال ميديا، وهي لا يحق لك سوى إعادة النشر، لأن إعادة النشر تُظهرك كشخص صدق حدسه أو فكرته أو عاطفته في زمن مضى، لكن اللايك الذاتي يُظهرك كشخص أبله لا يصدّق أنه استطاع أن يكتب شيئاً مميزاً، حتى لو كان مميزاً بالنسبة للآخرين، فلمجرد وضع لايكك الذاتي عليه، يصبح شيئاً أحمق.

طبعاً لا يوجد دستور يمنعك من أن تُعجب بمقولتك، إنه نوع من الدساتير الظليّة، غير المعلومة والواضحة. إنها متمركزة في الجزء المظلم من وعيك. بمعنى أنها الرقيب الذاتي في تحصين شخصيتك أمام الهيكيلية الضخمة للقانون الفكري الذي يمارسه البشر، وهو، اطرح رأيك وانتظر رد الفعل دون أن تهبط لمستوى الإعجاب الشخصي بما قدمته، لأنك أرقى وأكثر ذكاءً من ذلك، لأنك كوبولا سينما السوشيال ميديا، ولأنك هايدجر فلسفة السوشيال ميديا، ولأنك بايرون شعر السوشيال ميديا، ولأنك كالفينو الأفكار السريعة والمختلفة في السوشيال ميديا.

بالتأكيد ليس الهدف بعد كل ما قيل أن نضع لايكات ذاتية، لكن أن نفهم أن عدم وضعنا لتلك اللايكات الذاتية، ليس لأننا لم نفكر بذلك قبلاً، أو لأننا لم نُعجب بكتاباتنا وأفكارنا الشخصية، بل لأننا يجب أن نتخذ أدوار الحكماء العاطفيين والعميقين.

إنها القاعدة التي يجب أن تقتنع بها كي تكون عضواً في هذا العالم الافتراضي، أنك أكثر بلاغة وعمق من الواقع.

لا يمكن فهم عدم إعجابك الذاتي بشيء مميز أنت كتبته بحق وبصدق وبحب عميق، إلا كصورة تنتظر تقييمها من الآخرين دون تقييمها من نفسك، خوف من أن تقول للآخرين أنك تحب ما كتبت، والدليل أنك لا تضع لايكاً على شيء أنت كتبته. إنك لا تريد أن تقيّم ذاتك بقدر ما هو انتظار تقييم من الآخر.

قاعدة الميديا هذه هي ضرورة كي تقدّم نفسك كشخص يفقد عفويته في التعبير عن ذاته، وليس كما فعل صاحب المقولة الشعرية وأُعجب بها؛ لا يجب أن تكون مثله، كي لا تصبح عرضة للسخرية وامتهان الذات في الدرجة الأولى. الرقيب الداخلي أمام الهيكلية يخبرك بذلك.

حتى في العالم الافتراضي بكل الحرية التي يحتويها، نحن محكومون بقوانين لا دستورية، مثل الواقع تماماً، خاضعين لآليات أن نكون مهذبين، راقيين، مفكرين، رومانسيين، أحرار، وثوريين، لكن مع الحفاظ المطلق على الهيكلية التي تتحكم بطريقة تفكيرنا ورؤيتنا للحياة الواقعية وللحياة الافتراضية أيضاً.

بالتأكيد ليس الهدف بعد كل ما قيل أن نضع لايكات ذاتية، لكن أن نفهم أن عدم وضعنا لتلك اللايكات الذاتية، ليس لأننا لم نفكر بذلك قبلاً، أو لأننا لم نُعجب بكتاباتنا وأفكارنا الشخصية، بل لأننا يجب أن نتخذ أدوار الحكماء العاطفيين والعميقين، وهو في حقيقته ليس سوى انتظار تقييم من الآخرين.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!