السّيرة الشعبية.. مقاربة في المصطلح والبنية واللغة

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

العناية بالأدب الشعبي المضطهد تاريخيًا. وربما حتى يومنا ، تساعد على كتابة التاريخ الحقيقي لشعوبنا العربية؛ لأن ما نملكه الآن هو تاريخ سلطوي اعتنى بالتأريخ لحاكم على حساب الشعب المحكوم، والأدب الشعبي التلقائي البعيد عن المحاذير السلطوية اكتنز الحقائق السياسية وحقيقة الممارسات العقدية والعادات والتقاليد.

الإفادة الإيجابية من التراث

كما أنّ الاستعانة بالأدب الشعبي ستساعدنا على فك كثير من طلاسم الحياة الفكرية والعرقية لأسلافنا الأقدمين، وستساعدنا على تسكين أوجاع الخلافات الداخلية في بعض أفكارنا العربية كلبنان وسوريا والعراق والسودان…، فالأدب الشعبي الأسبق إبداعًا ووجودًا بخاصية التأليف الجمعي ـ وهي سمة الفنون البدائية ـ فهو الأسبق إلى فكرة تراسل الفنون التي يلجأ إليها الأدب الرسمي اليوم ، بحثُا عن التطور في بنيات النصوص، وكذلك في تطوير مهارات السرد واختلاق الشخصيات كنماذج راسخة في أذهان المتلقين.

وإذا كانت القاعدة التأسيسية للبناء الحضاري تعتمد على الإفادة الإيجابية من التراث كما يقول د. محمد نجيب التلاوي؛ فإننا لن نبلغ من الدقة منتهاها إذا أسقطنا الأدب الشعبي من مفهوم التراث وهو أقدم من الأدب الرسمي، وهو الذي يجسد التاريخ الحقيقي للشعوب، والذي يمثل توظيفه في الأدب الفصيح تيارًا رئيسيًا كشفت عنه دراسات التناص الحديثة التي أكدت الامتداد المؤثر للأدب الشعبي في أصلاب الأدب الرسمي بكل أجناسه قديمًا وحديثًا.

إن هذه القراءة لأهمية أدبنا الشعبي هي دعوة لاستكمال منظومة اهتمامنا بالتراث، واستعادة ما تناثر منه واستنطاق المسكوت عنه في الأدب الشعبي الذي يحمل الكثير من الحقائق التي ينبغي مواجهتها بصراحة وقوة.

سيرة بني هلال (ويكيبيديا)

مصطلح السيرة الشعبية

السيرة الشعبية هي نوع أدبي يُطلق على الروايات التي روُاتها (مؤلفوها الشعبيون) مجهولون، تأثروا بأدب السيرة، من حيث ابتداؤها ببيان النسب، وذكر النبوءات المبشرة بميلاد بطلها وتكوِّنه، ومن حيث اعتمادها على عنصر الصراع القصصي من أجل أن يحقق البطل أهدافه، أو ما يُنْتَظَر منه.

غالبا ما تحمل السيرة اسم بطلها، وتروي قصة حياته من الولادة إلى الوفاة. وهو البطل، غالبا ما يكون شخصية تاريخية وردت أخبارها في كتب التاريخ والسيرة والأدب، مثل: عنترة بن شداد، والمهلهل بن ربيعة الزير سالم، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس.

وغالبا ما تحمل السيرة اسم بطلها، وتروي قصة حياته من الولادة إلى الوفاة. وهو(البطل)، غالبا ما يكون شخصية تاريخية وردت أخبارها في كتب التاريخ والسيرة والأدب، مثل: عنترة بن شداد، والمهلهل بن ربيعة (الزير سالم)، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس. “ومن الصعب الوقوف عند المراحل الأولى لرواية السيرة الشعبية، لأنها نصٌّ مفتوح، لم يغلق إلا بعد تدوينه الذي تحدده الباحثة المصرية ألفت الروبي بالقرن الرابع عشر، في زمن المماليك بمصر. غير أنه ليس من الصعب الوقوف على طبقات السيرة ورواتها، فتجد داخل فصولها وحكاياتها أكثر من راوٍ، وكل راوٍ يبني حكايته على خطابه هو، وخطاب المرحلة والزمن الذي يعيش فيه. لهذا تجد داخل السيرة تفسيرات لآيات قرآنية من جهة، وحكايات عربية وفارسية وتركية، بل وحتى أوروبية، قديمة. ربما هذا من جهة تشابه الحكايات الشفاهية بين الشعوب، لكن من الصعب تحديد أصل أيّ حكاية وجذرها والمدينة التي بدأت تروى فيها”.

والسير الشعبية هي فضاء للقيم، والإنتاج الفني والجمالي تخلقه الجماعة الشعبية وتتبناه وتضيف قيمها ولا يجب أن نختزل التعامل مع السير الشعبية في قيم سلبية وإيجابية فقط وإنما لابد أن ننظر لها بالتقدير كعمل إبداعي وجمالي بما فيها البعد الدرامي والتفاعل مع الشخصيات.

وقد ثبت من خلال الأبحاث والدراسات العلمية للموروث الشعبي أن هناك تأثيراً كبيراً لما تحويه السير الشعبية من قيم في تقدم الأمم.

البطل في السيرة الشعبيية (ارم نيوز)

مرتكزات بنيتها

وتستند السيرة الشعبية على حكايات الماضي الشفهية والمكتوبة من مثل: الخرافات والحكايات الشعبية المليئة بالجن والسحر وقصص الأنبياء والأولياء والصالحين و أيام الجاهلية وأخبار الفتوحات وقصص الفرسان، حيث شكلت روافد مهمة استقى منها الراوي الشعبي عناصر لتشكيل الأجواء الملحمية التي صورها، لكن الراوي الشعبي مارس فيها حرية واسعة في التعامل مع التاريخ من حيث الأحداث والشخصيات.

ففي السيرة الواحدة، تتجاوز الإحالات إلى تواريخ متباعدة، وتجتمع شخصيات تاريخية تفصل بينها قرون، كما سنرى في “سيرة سيف بن ذي يزن” التي جعل هذا البطل العربي الجاهلي يقاتل الملك سيف أرعد الذي حكم الحبشة في القرن 14م (8هــ). وفي “سيرة علي الزئبق” التي تجري أحداثها في عهد هارون الرشيد (ت 193هــ)، بينما سلطان مصر في السيرة هو أحمد بن طولون الذي حكمها بين سنتي 254هـ و 270هــ، وبعض أحداث القصة تقع في الأزهر الذي تم بناؤه في 361هــ38.

والقصة المركزية في السيرة الشعبية هي قصة حياة بطلها منذ مبتدئها حتى الوفاة. وتنتظم في وحدات حكائية متفاوتة الطول يقوم تعاقبها على منطق عام تشترك فيه مختلف السير. فالوحدات الأولى تتعلق بالنسب والنبوءات المبشّرة والولادة الخارقة والنشأة الصعبة.

سيرة علي الزيبق (اصوات)

لغتها

لغة السير الشعبية النثرية لغة سهلة مسجوعة تكاد تقترب إلى لغة التخاطب عند أهل المدينة التي يمتزج فيها الأصل العربي بروافد شعبية من مختلف الشعوب مع بعض آثار اللغة الدارجة التي تستخدم محلياً؛ فهي تكونت بحكم المزج والاستعمال والاختلاط وبالتزاوج اللغوي.

وتختلف السيرة عن الملحمة في سمات كثيرة، أهمها الخلو ممّا يخالف المعتقد الإسلامي، كتعدد الآلهة وتوالدها مثلا، ولكن هناك نقاط تشابه بينهما فهي أي السّير كذلك ، شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة

والسجع في السيرة لا يقصد لذاته كحلية لغوية، وإنما هو يقصد كوسيلة مساعدة للحفظ، وليتم تناقل السيرة مشافهة وعن طريق السماع، وكذلك يخدم هذا الهدف أيضاً الأسلوب العام المتبع في تقسيم الجمل إلى فقرات صغيرة متناسقة موسيقياً ومتساوية من حيث الطول، وعدد الحروف، ومن ناحية الإيقاع الموسيقي أيضاً.

استعمال الشعر في السير الشعبية يأتي للاستدلال أو الاستشهاد وكذلك يأتي كأداة صراع داخل المعركة. إذ يخوض الأبطال معارك كلامية قبل معارك السيف ، واستعمال الشعر في الحوار بين الأبطال أمر شائع في السير الشعبية كلها، وهنا يقف المشهد من الناحية السردية تماماً، وتنتقل المسألة كلها إلى عملية حوارية بالشعر واستعمال الشعر في الحوار له دلالته الفنية في تصوير الصراع وتجسيده، وفي إبراز المعالم النفسية التي يقوم عليها هذا الصراع.

ويأتي الشعر كذلك على لسان الأبطال لرسم موقفهم من الأحداث فالمؤلف يستعمله للتعبير عن الانفعالات النفسية في المواقف التي يكون فيها الشعر أصدق دلالة وأبعد أثراً، والشعر بوظائفه هذه لا يطغى على العمل الأصيل، وإنما يساعده ويحسّنه، ولو نزعنا من معظم السير كل ما بها من شعر لما غيّر هذا من مكانتها القصصية في شيء.

سيرة الظاهر بيبرس (أصوات)

علاقة السيرة بالأجناس الأدبية الأخرى

وتختلف السيرة عن الملحمة في سمات كثيرة، أهمها الخلو ممّا يخالف المعتقد الإسلامي، كتعدد الآلهة وتوالدها مثلا، ولكن هناك نقاط تشابه بينهما فهي أي (السّير) كذلك ، شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثيرٍ من الخُرافات والأساطير، فضلاً عن اتساع رقعة الميدان الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات، كذلك فللجن والسحر والمعجزات والكرامات، والرؤى والنبوءات الصادقة، وجود في تلك السِّير.

ويدافع د. أحمد شمس الدين الحجاجي عن السيرة الشعبية بوصفها نوعًا أدبيًا “من أنواع الأدب العربي الذي أُهمل، أو أُغفل؛ ذلك لأنه لم يندرج ضمن الأنواع الأدبية المعروفة، وقد اشترك في هذا الإهمال كثير من الباحثين، عربًا كانوا أم غير عرب. وقد أدى ذلك إلى التهاون في جمع نصوصها، فضاعت النصوص التي كانت تُروي في الأربعينيات عن عنترة، وسيف بن ذي يزن، والمهلهل، بوفاة رواتها. كما ضاع كثير من النصوص المختلفة لسيرة بني هلال لوفاة رواتها”.

وينفى د. الحجاجي أن تكون السيرة رواية، حيث إن السيرة فن “نبت وتطور وارتقى قبل أن تظهر الرواية وغيرها من الأنواع الأدبية، فإضافة لفظ رواية لعمل له قوانينه الخاصة التي استقرت، يُعَدُ إضافة بعيدة عن الموصوف؛ فالرواية فن لم يستقر بعد،…، ولا يمكن تطبيق قواعد فن لم يكتمل على فن اكتمل منذ أمد بعيد”.

وانطلاقا مما ذكرناه عن أهمية السير الشعبية في الأدب والحياة معاً، ومما لها من أثر راسخ في وجدان الناس في كل العالم العربي؛ سوف تقوم “الأيام” بنشر مقالات على شكل حلقات، في كل حلقة، تتناول فيها سيرة من السير الشعبية، وذلك للتعريف بها، من حيث الموضوع والبطل والشخصيات، وكذلك من حيث الأحداث والزمان والمكان.

سيرة عنترة بن شداد( المصري اليوم)
مصدر محمد حسن عبد الحافظ، الحوار المتمدن المجلس العلمي، د ابراهيم عوض الموسوعة التونسية/ مجلة الجسرة الثقافية
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!