قهوة وسكر

1

بقلم: نزار غالب فليحان

على غير عادتي، أضفْتُ اليومَ قليلاً من السُّكَّرِ إلى قهوتي الصَّباحية، لم أكنْ قبلُ أستسيغُها حلوةً، و لا أدري لماذا غلبتْني يدي و تجاوزَتْ علبةَ القهوة نحو علبة السُّكَّر لتغرفَ ملعقةً كاملةً من هذا الأبيضِ اللألاءِ الذي يَقْلِبُ موازينَ الطَّعمِ و يحيلُ المزاجَ إلى وجهةٍ مختلفة .

ربما شردْتُ مع صوت فيروز :
“قال يا بيتاً لنا …
جاورتكَ الأنهرُ
ليتَ ما كان هنا
من سنىً لا يهجرُ”

لم أنتبهْ أنني إنما أملأ ملعقتي سُكَّراً، ربما مررْتُ بسكتة ذهنية أخرجتْني من سياقي اليومي المكرور فارتكبْتُ هفوةً سلوكيةً على هذا النحو، ربما فعلْتُ ذلك عامداً كي أبدِّدَ الرَّتابةَ التي لم أعدْ أجدُ لها مبرراً أو معنىً …

“أفلتَتْ من غصنِها
وردةٌ في معبرِ
هتفَتْ أخْتٌ لها
لا تروحي انْتظري”

هي الذاكرة تُلِحُّ علينا كأنها المصيرُ، ملاذُنا الذي نجد فيه ضالَّتَنا، ليس لأننا لا نتوق إلى مستقبل، بل لأن الذاكرة أكثر دفئاً و ربما أكثر أماناً، فهي الخوف الذي عبرناه وجَرَّبْناهُ وعرفنا طعمه فلم يعد يؤرِّقُنا كما القادم الذي لا نعرف شكل الخوف الذي يكتنف الغموض الماكث فيه .

“ذاكِرٌ ليلَ هنا
قلْتُ أينَ القمرُ
جاءَ حتى بابِنا
قمرٌ يعتذرُ”

ربما حين حَلَّيْتُ القهوة بالسكر على غير عادتي كنت أستعيدُ سلوكاً طفوليّاً هو في حقيقة الأمر ذنبٌ كنْتُ أقترفه كسائر أترابي، كنا نخلط ملعقة من القهوة بملعقة من السُّكَّر و نأكلها بفائض من التلذُّذِ، حينها كانت القهوةُ وقْفاً على الكبارِ ممنوعةً عنا نحن الصغار فكنا نأتيها خلسةً كاللصوص .

“صاحَ بي عندَ الرُّبى
في الَمَمرِّ الأخضرِ
بلبلٌ مِلْءُ الصِّبا
هاتفاً لا تكبُري”

حاصل الأمر أنني شربت القهوة بسُكَّرٍ، أحالني طعمها إلى مزاج صريح خالٍ من القلق واضحِ المعالم، استمعْتُ دون شرود إلى فيروز حتى …

“كلهُمْ قد كبُروا …
أهلُنا و الزَّهَرُ …
و أنا في هُدْبِ من أَهْوى …
سنونو تَعْبُرُ ”

عبرْتُ سكتتي الذهنية لأوقنَ أنني إنما أضفْتُ السُّكَّرَ كي أدركَ وأنا بكامل وعيي أن القهوةَ لذيذةٌ أيضاً مع السُّكَّرِ، وخضْتُ تجربةً ناجحةً نحو تبديل عادة بأخرى بحيث لا تدخل ممارسة القهوة مُرَّةً أُطُرَ الإيديولوجيا، حَرَّرْتُ ذاتي من عادة أوشكت أن تصير معتقداً وحرَّرْتُ القهوة من إطار يقيِّدُ جموحَها وعِشْتُ لدقائقَ فوضىً طفوليةً أنستْني أنَّني دخلْتُ عِقدي السادس في غفلة من حياة.

نزار غالب فليحان: كاتب سوري

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!