كاريزمات ثقافية للبيع.. العقل الميكانيكي في الإنتاج المعرفي

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في إحدى مراحل حياتي، والتي استمرت ست سنوات، عملت ضمن ورشة صغيرة لما يمكن أن نسميه مجازاً صناعة الأنتيكات، كنا عاملَين ومعلِّم، وبالرغم أن الدخل لم يكن جيداً كثيراً، إلا أن المتعة التي كنا نشعر بها لا يمكن أن تتوفر بأي عمل آخر يحقق شرطاً مادياً ممتازاً، لكن كانت الفكرة تكمن بأنك تشتري حريتك ومتعة عملك بمردود أقل.

قد يسمي البعض هذا السلوك، وخاصة من دعاة النيوليبرالية والحياة المريحة، أنها صيغة انهزامية أمام السعي إلى رفاهية الحياة، ولن نتوقف للرد على هؤلاء، لأن الفكرة ببساطة تكمن بإحساسك أنك تنجز شيئاً أهم من كل العمل الروتيني الذي يمكن أن تفعله في مؤسسة كبرى ومحترمة، ترتدي البذلات الرسمية.

كنا نمارس أشكال الحفر على الزجاج، زخارف على اللمبديرات الخشبية، تشكيل موديلات للثريات السقفية، رسم موديلات جديدة للساعات الجدارية بأحجام متنوعة. نمارس العمل بهدوء ونحن نحتسي القهوة ونسمع أغاني من المسجل العتيق، ورائحة الأصباغ والأخشاب منتشرة بكل مكان. بالتأكيد صحياً كان العمل سيء، لكنه ممتع وفني.

بالإضافة لذلك، كان معلم الورشة غير مستعد أن يقوم بخدمة لزبائنه “باعتبار العمل بيع جملة” إلا أن يقدّم لهم المُنتج المادي، لم يكن يجامل بالابتسام، أو يراوغ بالكلام من أجل بيع أكثر، أو يدخل ترهات المفاصلة، لأن العمل واضح كسلعة ومحلات البيع الفردي بحاجة إليه.

مثال هذه الورشة الحرفية، تضعنا أمام مفهوم العمل المعاصر بتقنياته الثقافية.

في المؤسسات الإنتاجية، إن كانت إنتاج مادي تقني، سلعي تكنولوجي، أو استهلاكي ثقافي، أو حتى إنتاج معرفي (باعتبارها جميعاً تدخل الحيز المعلوماتي)، من نمط المؤسسات الثقافية، الإعلامية، الفنية، لم يعد للمفهوم الكلاسيكي الماركسي أي حضور، فهذه المؤسسات بطريقة ما تعقد صفقات تجارية باسم التواصل المعرفي، لكنك كشخص قائم على عقد هذه الصفقة المعرفية، يجب أن تكون جزءً من سلعتها وترويجها، إنك غير منفصل عن طبيعتها، بل على العكس، إنك مُجبر أن تبيع كاريزمتك الخاصة معها؛ ابتسامتك، تهذيبك، ثقافتك، ووعيك بأكمله المحصور في إجراء هذه الصفقة، إنك كإنسان لست أكثر من تلك السلعة رغم ما توحي به أناقتك وحضورك الثقافي من انفصال كلي عنها، بعكس ما توحي به مثلاً مجموعة من العمال الذين يعملون بجهد عضلي في معمل.

العمال أكثر فكاهة، وأكثر ابتذالاً، وأكثر حرية في التعبير عن ذواتهم، بل الأكثر من ذلك صادقون في امتعاضهم وتمردهم أيضاً، وإن كان هذا الامتعاض في كثير من الأحيان لا يتبلور كفعل واقعي مباشر وسريع.

أولئك العمال قد يوحون للبعض أنهم أكثر روتينية وأكثر استعباداً، لكن الحقيقة الواضحة أن أولئك العمال يستطيعون ممارسة أشياء لا تستطيع أنت بالكاريزما الثقافية أن تفعلها داخل المؤسسة. العمال أكثر فكاهة، وأكثر ابتذالاً، وأكثر حرية في التعبير عن ذواتهم، بل الأكثر من ذلك صادقون في امتعاضهم وتمردهم أيضاً، وإن كان هذا الامتعاض في كثير من الأحيان لا يتبلور كفعل واقعي مباشر وسريع. قد يكون شكل التعبير لا يناسب العالم الحضاري، لكنه بالمقابل أكثر حرية، والكاريزما المؤسساتية أكثر عبودية للأسف، ضمن منطق التعامل مع الواقع.

في أحد الأيام سألني أحد الأصدقاء: ما هو سر تعلقك بالعمل فريلانس بأجر زهيد مقابل أن تعمل في مؤسسة قد تحقق لك دخلاً أفضل بعشرات المرات!. ببساطة كان جوابي: أني أكره النمط في الإنتاج.

إن المؤسسات رغم ما تقدمه من نظام إنتاج معلوماتي دقيق، وحرية وهمية بالنسبة لموظفيها الكارزماتيين، لكنها بالمقابل تخلق فيهم انفصاماً متواتراً، إحساس بالتبلّد والروتينية والشرخ لعدم الانجاز الحقيقي، ولنأت بمثال بسيط وواضح في المؤسسات الإعلامية السورية المعارضة؛ عندما يكتب شخص واحد في المجال السياسي عن موقف سياسي ساخن مثلاً، فإنه قد يكتب نفس المقال الصحفي بتعاقده مع أربع أو خمس مواقع الكترونية “باعتباره يكتب فيها بشكل منتظم”، فهو لا يقدم انجازاً معرفياً أو فكرياً مختلفاً، هو ببساطة يغير فقط في السرد اللغوي في المقال ليناسب أربع مواقع؛ ما يفعله ليس سوى تعيّش من وهم الثقافة التي لا تُقدّم ولا تؤخّر في تغيير واقع ما أو تأثير مختلف حتى وإن كان تأثيراً على مستوى فردي اتجاه البعض.

إنه يمارس أقذر الأنواع الروتينية في العمل التي تناسب فقط سقف المؤسسة المؤدلجة ذات الأجندة المعينة لجهة معنية. إنها عملية اجترار المعنى والثقافة دون فائدة حقيقية. وهذا الاجترار لا يساهم أبداً في التغيير الاجتماعي والثقافي، سوى أنه يزيد من فرز البشر أيديولوجياً، كل بحسب قناعته المسبقة.

مؤسسات اليوم لا تستغل الإنسان بقوة عمله كما عبّر ماركس، بل تستغل كل جزء وشبر ومسام وخلية في جسده وروحه من أجل حضورها، تستغل بؤسه وسأمه وروتينيته وإحباطه من أجل إقناعه بالحياة المرفّهة من منطق ليبرالي إنتاجي.

ببساطة تلك المؤسسات تريد هذا النمط من الإنتاج الثقافي الفارغ، الذي يقتل كل إمكانية عقلية قابلة للفهم، إنها تخلق عقلاً ميكانيكياً في الإنتاج المعرفي، لكنها تلبس حلّة الكاريزما الإنتاجية المختلفة والمتطورة.

مثل هذه النماذج مضطرة للرضوخ والابتسام والمسايرة على قوانين المؤسسة حتى وإن كانوا يرفضونها جملة وتفصيلاً، لأنهم أكثر عبودية من عمال أحرار يبذلون جهدهم العضلي.

مؤسسات اليوم لا تستغل الإنسان بقوة عمله كما عبّر ماركس، بل تستغل كل جزء وشبر ومسام وخلية في جسده وروحه من أجل حضورها، تستغل بؤسه وسأمه وروتينيته وإحباطه من أجل إقناعه بالحياة المرفّهة من منطق ليبرالي إنتاجي، إنها تستنزف العقل إلى أقصى حد، وتجعل أولئك الكارزماتيون عبارة عن هراء أجوف يكررون ذات المنطق التعيّشي والتوهّم المعرفي التحليلي الفارغ، الذي لا يؤدي إلى أي تطوير نقدي ثقافي حقيقي سوى اجترار المعنى المكرر.

إنها تُدخلهم في لعبتها الإنتاجية الفارغة لضرب كل إبداع محتمل لدى أولئك الناس. إنهم يريدون بشراً لا يتجاوزون سقف المؤسسة الأيديولوجي.

إذاً أليس من حقنا أن نصرخ من باب مفهوم التحرر نفسه: سحقاً لكل المؤسسات ولتسقط جميع المؤسسات بما فيها المؤسسات الثقافية والمعرفية!.

تلك المؤسسات، عبارة عن عالم لهدر طاقات الأفراد المبدعين في دوامة الإنتاج المكرر، تحت اسم كاريزما ثقافية إنتاجية مختلفة، وهي ليست سوى كاريزما جاهزة للبيع في صفقة لا معنى لها اتجاه الفكر.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!