في رواية: الأعراف (برزخ بين جنتين) أسلوب خاطئ لتوصيل الرسالة

0

الكاتب: أنور السباعي.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: كتابنا للنشر، لبنان/ط١، ٢٠١٧م نسخة انترنت.

أنور السباعي روائي سوري خلفيته إسلامية، ذكر في مقابلات صحفية أنه كان قريبا من أجواء حزب التحرير الإسلامي، وهذا يعني أنه كان مطّلعا على موضوعه العقائدي والإيماني بشكل كبير، وبالتالي؛ فهو يخوض في مجال يعرفه، وإن ظهر أنه قام بعملية مراجعة كاملة وتطوير وتنوير في اعتقاداته وإيمانه، هذه روايته الأولى، التي نقرأها، وله مجموعة شعرية مطبوعة.

الأعراف (برزخ بين جنتين)، رواية متميزة بموضوعها، مناقشة الإيمان والكفر بالله والإسلام والقرآن والحديث والرسول محمد ص، كل ذلك يخوض الكاتب فيه بجرأة وتحدٍّ، والسخرية أحيانا، يضع كل اعتقاد تحت المساءلة والمحاسبة، تذكرنا الرواية بكتابات فرج فودة خاصة كتابه الحقيقة الغائبة، كتبه التي منعت لكونها تتطاول على الذات الإلهية والدين الإسلامي، مما دفع بعض رجال الدين إلى الإفتاء بهدر دمه؛ لأنه حسب زعمهم مرتد عن الإسلام، وأدى بعد ذلك ليقوم أحدهم باغتياله وقتله. وكذلك الإفتاء بتكفير نصر حامد أبوزيد، وتطليق زوجته منه. معلوماتنا؛ أن الرواية هذه منعت في بعض البلدان وسحبت من التداول أيضا.

تبدأ رواية الأعراف من معتقل ما داخل سوريا، وذلك في فترة الثورة السورية الحالية التي بدأت في عام ٢٠١١م. داخل المعتقل توجد زنزانة واسعة مرفهة فيها كل الخدمات، يقيم فيها الشيخ أو الإمام البلقيني أحد رموز الاتجاه الديني السلفي الجهادي، غرفة كأنها في فندق، والسجانين كأنهم الندل الذين يلبون كل احتياجات الشيخ البلقيني.

يحضر السجانون السجين غياث إلى زنزانة الشيخ البلقيني، غياث منهار نفسيا، وتبدو عليه آثار التعذيب الشديد، استغرق الشيخ وقتا حتى استطاع أن يهدئ من روع غياث، وأن يقنعه أنه ليس سجانا ولن يضربه أو يؤذيه، على العكس يريد أن يساعده. سرعان ما استرد غياث ذاته ووعيه، ووقف متحيرا أمام اختياره من قبل الشيخ ليعامل بهذه الطريقة الإنسانية داخل معتقلات النظام، حيث التعذيب والقتل والتنكيل لناشطي الثورة السورية، ثم ماذا عن الداعية المشهور البلقيني وتجييش الشباب ضد النظام؟، وهذه المعاملة التمييزية، أسئلة كثيرة دفعت غياث ليعرف حكاية الشيخ البلقيني، ولماذا تم اختياره لإنقاذه من هذا الجحيم؟.

سيحصل حوار ممتد على طول صفحات الرواية يزيد على ٣٦٥ صفحة، وتبادل معلومات، خيط الأحداث مربوط في ما يقوله الطرفان، رغم أن الشيخ البلقيني هو الفاعل الأكبر في تطور الحدث الروائي. غياث شاب نشأ في أجواء دينية، التزم دينيا، تعمق في كل ما يخص الإسلام، عقيدة وشريعة وتاريخ، كان قريبا من الأحزاب الإسلامية الأكثر جذرية، حزب التحرير الإسلامي، الذي كان ينشط بشكل سري في أجواء القمع الذي يمارسه النظام السوري بحق كل معارض في سوريا، خاصة الإسلاميين. اطلاع غياث الفكري لم يقف عند حد، سرعان ما وضع كل ما آمن به على المحك، وفي لحظة ما ارتد على كل إيمانه، لم يذكر سبب ردته، هل هي مزيد من القراءة والتفكير بالإسلام ومصادره، أم هو هذا الظلم الذي يعيشه السوريون وغياب أي دور لله في مواجهة الظلم والظالمين الواقع على السوريين جميعا؟.

لعل السبب الاثنان معا، المهم أن غياث ارتد عن كل إيمانه وقناعاته السابقة، أصبح يتهكم من الله والرسول محمد والقرآن والأحاديث، يبحث عن ثغرات في كل ذلك، طبعا حسب قناعته ويصل إلى مرحلة إنكار الإيمان بالله، أو على الأقل بهكذا إيمان من خلال المفهوم الإسلامي، لقد أصبح داعية تنوير انقلابي على الإيمان والإسلام، اعتبر نفسه يقف في الأعراف كبرزخ يفصله عن الجنة والنار، أقرب للإيمان بالعدم مصيرا للإنسان، القادم من المجهول قبل الحياة، والذهاب للمجهول بعد الموت.

لم يكن حال غياث النفسي والفكري مستقراً في ذلك، فهو متنقل فكريا وإيمانيا بين الإنكار الكامل والشك والإيمان لكن بطريقة مختلفة مستفيدا من التطور العلمي لمعرفة الإنسان في القرن الواحد والعشرين. عندما حدثت الثورة السورية كان من الطبيعي أن يكون غياث ومئات آلاف الشباب السوريين وملايين الشعب منخرطين في الثورة، وكان رد فعل النظام الوحشي أن يقتل ويعتقل الناشطين، وأن يقتل الناس ويدمر بيوتهم ومدنهم، يدفعهم للهرب بأرواحهم واللجوء لدول الجوار وكل دول العالم، أو يعودوا عبيدا في الدولة السورية مزرعته الخاصة.

نحتاج لتنوير ديني إسلامي، يصالح بين اعتقاداتنا الدينية وما توصل إليه العلم من التطور، نعم علينا أن ننقل شعبنا من الجبرية والتسليم بالحياة والسحر والشعوذة والغيبيات إلى رحاب العلم والعصر ومعرفة قوانين الكون والحياة والعمل لبناء حياة أفضل.

اعتقل غياث وخضع للتعذيب ليعترف بكل ما لديه من معلومات عن الناشطين والثوار مدنيين ومسلحين وكل شيء، لم يكن النظام مهتما لأجل حياة أو موت المعتقل. المهم المعلومات التي ستفيد في إخماد الثورة ولو أدى لقتل المعتقل تحت التعذيب أو من خلال المعاملة القاسية في سجون النظام ومعتقلاته. هكذا كان حال غياث حين وصوله إلى زنزانة البلقيني.

أما الشيخ الإمام البلقيني فإن حكايته مختلفة يسردها على غياث تباعا. الشيخ البلقيني وهذا لقبه، اسمه الحقيقي إسحاق، حياته السابقة لم تكن نظيفة، أحب في شبابه فتاة، وضبط معها في وضع جنسي، هرب من انتقام عائلتها، التحق بعصابة مخدرات وعمل معهم في تهريب وترويج المخدرات، وفي إحدى المرات طارد الأمن عربتهم التي تحمل المخدرات، هربوا، قلبت العربة وسقط منها إسحاق والعربة غرقت بمن فيها، زميله في التهريب مع المخدرات المحملة فيها. أنقذ إسحاق رجل مسن في المنطقة، كان شيخا سلفيا متدينا، عالجه حتى استرد وعيه أولاً حتى استرد صحته، أخبر الشيخ أن اسمه محمد وأخفى اسمه الحقيقي، تواصل مع العصابة في السر، علم أنه مطلوب لها، وإنهم حمّلوه ما حصل معهم وضياع المخدرات، وأن حياته في خطر، نصحه أن يختفي ويبتعد عن العصابة وأجوائها. لم يكن أمام إسحاق إلا أن يبقى في حضانة الشيخ الذي تبناه وبدأ يلقنه العلوم الدينية، حسب الفهم السلفي، يعلمه من كتب محمد بن عبد الوهاب، وقبله ابن تيمية والإمام أحمد ابن حنبل.

كان يتلقى التعليم على مضض، فهو شاب مستهتر يعيش حياته على هواه، له موبقاته، علاقات نسائية مفتوحة، ويشرب الخمر والدخان، علاقته مع الله كانت شبه مقطوعة، لكن الشيخ اعتبره مسؤوليته، واعتبر مسؤوليته الدعوية زرع معتقداته في إسحاق، لعله يخلفه في الدعوة وفي المسجد حيث يدرّس العلم الديني أيضا.

لم يكن أمام إسحاق من حل بديل، واظب على دراسة الدين وتلقّي الدروس من شيخه، والذهاب إلى المسجد، وأصبح مع الوقت معروفا ويلجأ إليه بعض المريدين لشيخه أن غاب عن الحضور للمسجد. لم يستمر الحال على ما هو فترة طويلة، سرعان ما سيصل إليه الأمن الذي يطارده على خلفية قضية المخدرات والعصابة التي ينتمي إليها، يعتقل ويفاوضه مسؤول كبير بالأمن على أن يعمل معهم، على أن يطوون صفحة ماضية، وأن يتلبّس شخصية رجل الدين السلفي الوهابي، وأن يلتزم حرفيا بتوجيهاتهم وقد أعطي لقبه الجديد الشيخ البلقيني، وهكذا ارتبط بالأمن، مظهره رجل دين سلفي جهادي ملتزم جدا، لكن عمقه مرتبط بالأمن ويعمل معهم، مستمر على موبقاته السرية، من النساء والكحول وغيرها. كان الأمن يلجأ للبلقيني ليروج للجهاد في أفغانستان والعراق، وكان يقدم التقارير الدورية عن الشباب الذين يلجؤون إليه ليذهبوا للجهاد، وأصبح مع الوقت داعية عالميا، كان لا يقترب من الوضع السياسي السوري الداخلي إلا بما يتم عبر توجيهات تأتي إليه.

وهكذا أصبح له خطبه وفتاويه التي حوّلت الى أشرطة يتم تداولها، وله موقع على الإنترنت ينظر للجهاد العالمي. استمر الحال حتى حصل الربيع العربي، ثم الربيع السوري، وقامت الثورة السورية. طلب الأمن من البلقيني أن يسكت عن الظاهرة ما قبل وصولها لسورية، وعندما أصبحت أمرا واقعا وبدأ الشباب بالتظاهر، طلب منه أن يعلن موقفا مؤيدا للثورة السورية، ويصرّ على لونها الإسلامي الطائفي، سواء ضد طائفة النظام العلوي، أو اعتبار الثوار من السنة، كما أنه جيّش من أجل انتقال الثورة إلى العمل المسلح.

كان يجمع التبرعات، ويعطيها للنظام وأجهزته الأمنية ويأخذ السلاح مقابلها.

نعم لقد نجح النظام عبر البلقيني وأمثاله وعبر العنف الوحشي بحق الشعب السوري إلى دفع الثورة السورية إلى الأسلمة والتسلح. كان للبلقيني دور في تقديم قوائم بأسماء الإسلاميين الجهاديين وقادتهم المسجونين في سجون النظام ممن كان البلقيني من أوشى بهم، وكان سبب سجنهم. سيفرج النظام عن هؤلاء الجهاديين والمعتقلين الذين سيلتحقون بالثورة السورية، ويكوّنون المجموعات المسلحة الجهادية، المخترقة بكثير من قادتها المرتبطين أمنيا مع النظام السوري، والمعبأة عقائديا بالسلفية الجهادية، الذي سيؤدي لظهور داعش والنصرة مرورا للقاعدة التي شكلت في أفغانستان منذ تسعينات القرن الماضي على يد أسامة بن لادن. كانت ولادة داعش والنصرة جزءاً من خطة النظام لتشويه الثورة باعتبارها نواة حرب أهلية طائفية، تدعمها القوى الدولية ضد النظام السوري الذي يسوق نفسه مقاومة وممانعة وقوميا وعلمانيا، مغطيا على استبداديته ووحشيته وطائفيته وقتله لكثير من الشعب السوري، وتدمير أغلب سوريا وتشريد أكثر من نصف شعبها.

نجح النظام عبر كل ذلك أن يسوق نفسه ضد الإرهاب الداعشي الذي أصبح وباء عالميا، أعاد النظام تسويق نفسه ضد الإرهاب وخادما للغرب ومصالحه. كل ذلك نجح بجهود الشيخ البلقيني وأمثاله من شيوخ السلفية الجهادية المخترقة من النظام السوري.

كان غياث يستمع للبلقيني في المعتقل ضمن خدمات تصل لخمس نجوم، لقد فهم؛ لماذا هذه الخدمة الممتازة في معتقل للتعذيب والموت، استمر غياث على تساؤله الأولي لماذا يعتقل البلقيني وهو أداة عند النظام وخادمه؟. وما هي علاقة غياث مع البلقيني ليهتم به ويتحدث عن نفسه بكل هذه الصراحة؟. شرح البلقيني لغياث كيف ارتبط مصيرهما معا؟!.

أخبر البلقيني غياث عن حياته الخاصة وكيف أنه بعد أن اعتمد شيخا سلفيا جهاديا، تزوج من ابنة شيخه التي كان شاهدها وأعجب بها، وإنه عاد وبحث عن حبيبته السابقة، ووجد أنها قد تزوجت وأنجبت. عمل بمساعدة الأمن على طلاقها ومن ثم الزواج منها. وإنه بقي سنين طويلة دون أن تنجب إحدى زوجتيه. درس حالته طبيا بالسر وعلم أن هناك مشكلة في الإنجاب عنده، وعليه أن يتعالج لعله يرزق بطفل في يوم ما، وبالفعل اعتمد ذلك إلى أن أنجبت إحدى زوجتيه طفلة أسماها فاطمة، اعتبرها الحالة الوحيدة في حياته النظيفة والتي تعطي لحياته معنى، أحبها كثيرا، لكن الأقدار كانت تتربص به، فقد أصيبت بشظية من قذيفة هاون سقطت قربهم عندما كانت معه في إحدى أحياء النظام، حيث كان قد أنهى دوره كداعية جهادي، وانتقل ليكون منسيا ينتظر دورا جديدا حسب طلبات الأمن.

هذه الرواية فلم تأت بجديد على مستوى المعرفة والنقد الفلسفي أو الديني، يزيد عما طرحه الآخرون ومن أزمان بعيدة، لكن تميزه بالإساءة جعله عرضة للمنع والتكفير واحتمال الانتقام.

إصابة ابنته أفقدته توازنه، عالجها بكل ما يستطيع، لكن لا أمل، الإصابة في الدماغ وهي شبه ميته تعيش على الأجهزة. أما غياث المعتقل لم يكن يعلم عن زوجته وابنته منذ اعتقاله أي شيء، لقد مرضت ابنته مرضا يحتاج لعلاج غالٍ جدا، لجأت للشيخ البلقيني على شهرته، ساعدها بما يستطيع، ولكن لم يكفها، أخبر أحد مريديه ممن يعمل مع النظام وهو منتدب للتواصل معه، وكان مثله كثير، يعمل في جمعية إسلامية ليساعد زوجة غياث، بما تحتاجه من المال، ساعدها لكن بعد أن استغلها جنسيا. ابنة البلقيني لم تُشف ولم تمت، وانتظر الأطباء موافقة والدها على رفع الأجهزة عنها لتموت واقعيا، وهو يتمهل. ابنة غياث تنتكس بعد العملية وتحتاج لقلب بدل قلبها الذي لم يعد يعمل، علم البلقيني وهو في صحبة ابنته بما تحتاج ابنة غياث، فقرر أن ينهي حياة ابنته الميتة واقعيا، ويتبرع بقلبها لابنة غياث لعله يبقى له من ابنته كائنا حيا، ويقوم بعمل صالح يرضي ضميره، وهكذا كان، ماتت فاطمة وقلبها حي في صدر ابنة غياث، كعمل صالح أخير يقوم به البلقيني يواجه به وجه الله عن ذنوب كثيرة وكبيرة.

كما فاجأ البلقيني الناس والنظام والأمن بخطبة على قبر ابنته، فضح فيها النظام ودوره وفعله بحق الشعب السوري، واعترف بها بدوره وأعماله التي قام بها في خدمة النظام. مما أدى لاعتقاله لمحاسبته عن ما صرح به على خطورته. تفاجأ غياث بكل ذلك، حقد على البلقيني، وتفهمه بعض الوقت، عادت شكوكية اعتقاداته إليه مجددا بين مؤمن بالله وكافر به ينوس بينهما، أما البلقيني فقد تجرّع سمّا بعد أن أوصل رسالته لغياث وأخبره بكل ما عاشه، وعاش سكرات الموت بين يدي غياث الذاهل عن الدنيا ومفاجآتها.

هنا انتهت الرواية. وفي تحليلها نقول:

على مستوى اللغة والصياغة اللغوية، نجحت الرواية أن تقدم موضوعا دينيا وفلسفيا وإشكاليا إلى القارئ مقتربة من نوعية ومستوى فهمه بمستوى مقبول، إضافة لقدرتها أن تخلط بين الفكري والاعتقادي والأدبي ليكون نصا روائيا وليس بحثا فكريا، رغم أن حيز مكان الرواية هو زنزانة في معتقل، وزمانها مفتوحا على عقود تطال العام والخاص المهم لسرد الحدث وإشباعه معلوماتيا ووضوحا وانضاجا.

على مستوى المحتوى الفكري، نحن أمام إشكالية الإيمان والكفر، بصفتها موضوعا غير قابل للحسم علميا ومعرفيا، نحن أمام موضوع لا يطاله العقل كحقائق، بل ترك الفلسفة والأديان والعقائد لتقول فيه ما عندها، لذلك نحن أمام عقائد وأديان كثيرة في الأرض، في الماضي والحاضر والمستقبل أيضا. هناك اختلاف داخل الأديان والعقائد والأفكار العلمية المعاصرة وما بينها، يصل إلى التناقض الكلي، كل ذلك مفهوم ومقبول ومعاش منذ آلاف السنين.

استخدم هذا التعدد والتنوع والاختلاف في الصراع بين الشعوب والأمم وداخل المجتمعات لتبرير مصالح هذه الأمة أو تلك وهذه الجماعة الاعتقادية أو تلك. للكل مبرر من الأديان أو العقائد لفعل ما فعل من أخطاء أو قتل أو احتلال أو ظلم وقع من البعض على البعض من البشر، ويفسر الكثير من التقدم والبحث العلمي والتطوير وصناعة الحياة الأفضل أيضا. البعض إرضاء لله الذي يؤمن به، أو لتحقيق مصلحة أمة أو مصالح خاصة يستبيح لأجلها حياة ومصالح الآخرين. هذا ما ينبئنا به التاريخ.

في الرواية مشكلة

جعلتها تظهر أنها رواية إشكالية. وهي أسلوب السخرية والتهكم والإساءة لعقائد مجموع كبير من الناس، بدءاً من الله إلى الرسول محمد إلى القرآن إلى السنة إلى التاريخ. نعم كل هذه الموضوعات مختلف عليها كثيرا، لكن هناك فرق بين الطرح المحترم لقائد الآخرين، وبين من يسيء ويتهكم ويشتم ويلحد ويكفر، هنا يصبح الدمج بين حرية التعبير عن الرأي مع الإساءة لاعتقاد الآخرين، هو إساءة مزدوجة للعقائد على اختلافها، والإنسانية المتنوعة أصلا. والإساءة لحرية الرأي والتعبير بأنه أصبح عنصر هدم وليس بناء، مع العلم أن النقد عبر السخرية والتهكم والإساءة لا يغير ولا يزيد من نصاعة المواقف ووضوحها وتبلورها، بل يسيء لها.

هناك الكثير من الكتابات التي تشرح عقائد العرب والمسلمين على اختلافها، بكل التفاصيل، بقيت محترمة ومعتبرة مراجع دون أي إشكال، ومثال على ذلك كنموذج كتاب مذاهب الإسلاميين للدكتور عبد الرحمن بدوي. أما هذه الرواية فلم تأت بجديد على مستوى المعرفة والنقد الفلسفي أو الديني، يزيد عما طرحه الآخرون ومن أزمان بعيدة، لكن تميزه بالإساءة جعله عرضة للمنع والتكفير واحتمال الانتقام. كتاب الحقيقة الغائبة لفرج فودة لا يحوي الكثير معلوماتيا ومعروف كل ما تحدث عنه، لكن أسلوبه كفّره وأدى ليكون ضحية متطرف لم يستطع تقبل الإساءة لعقيدته. والأمثلة كثيرة.

أخيرا، أود القول؛

إننا فعلا نحتاج لتنوير ديني إسلامي، يصالح بين اعتقاداتنا الدينية وما توصل إليه العلم من التطور، نعم علينا أن ننقل شعبنا من الجبرية والتسليم بالحياة والسحر والشعوذة والغيبيات إلى رحاب العلم والعصر ومعرفة قوانين الكون والحياة والعمل لبناء حياة أفضل، محققة الحرية الإنسانية والكرامة والعدالة والمشاركة السياسية، التي جاءت كل العقائد والأديان لأجل أن تحققها في حياة البشر.

لا أنكر أنني مررت بما مر فيه صاحب النص في البحث في العقائد وتلمس طريق خلاص فردي واجتماعي للأمة والشعب في سوريا والعالم. لكن نحن نختلف الاختلاف في أسلوب توصيل الرسالة. نعلم أن الأسلوب الخاطئ لتوصيل الرسالة، يسيء لها ولا يوصلها. خاصة أننا في عصر الربيع العربي والثورات العربية ضد النظم الاستبدادية وداعميها الغربيين، مطالبين أن نكون متمكنين عقائديا وعلميا وسياسيا وفي حسابات الميدان على كل المستويات. لعلنا ننتصر لتحقيق مطالبنا المحقة بالحرية والعدالة والديمقراطية وبناء الحياة الأفضل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!