اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وذكرى إلغائها يؤرخ لانتفاضة العبيد

0

منذ أكثر من أربعة قرون، اعتمد العالم نظام تجارة مبنيّ على إهانة شعوب معيّنة، بطريقة جرّدتها بالكامل ومن دون هوادة ولا تساهل – ولأغراض تجاريّة – من كلّ ما هو مطلوب للعيش بكرامة، أو من كلّ ما يُعتَبَر شكلاً من أشكال الإنسانيّة.

وقد استمرّ هذا الفصل من الإنسانيّة طويلاً، واتّسم بأكبر قدر ممكن من الوحشيّة، لأنّه تمّ الافتخار به والدفاع عنه بشراسة واستغلاله بلا رحمة.

واستمرّت التجارة عبر المحيط الأطلسيّ بالإفريقيّين ضحايا الرقّ أيّ (الاتّجار بهم)، من منتصف القرن الـ 15حتّى نهاية القرن الـ19.

ولا يمكن أبدًا التأكيد على أعداد الأشخاص الذين جُرّدوا بوحشيّة من هويّتهم، وأسرهم، ومنازلهم، وأراضيهم، وثقافتهم، وأصواتهم، ولكن، أكثر من 15 مليون رجل وامرأة وطفل اختُطِفوا، ونقلوا بالقوّة إلى أماكن بعيد آلاف الأميال. وممّا لا شكّ فيه أنّ الملايين من النساء والرجال والأطفال والرضّع لاقَوا حتفهم في خلال رحلتهم المشؤومة وقبل أن يبلغوا وجهتهم. وفي مقابل ذلك، بقي الملايين على قيد الحياة فتمّ بيعهم، ولا سيّما على الأراضي الأميركيّة، كمجرّد سلعة مخصّصة للاستغلال والتعنيف والتبادل، ومن ثمّ ماتوا في ظلّ هذه الظروف الفظيعة.

أوّل المناهضين

إنّ أوّل من بادر إلى إطلاق حملات مناهضة للرق هم ضحايا الرقّ أنفسهم المدافعون عن حقوق الإنسان، الذين تنظّموا عبر التحرّكات المدنيّة للدفاع عن الحقوق، حيث اندلعت ثورتهم في الليلة الواقعة بين يومي 22 و 23 أغسطس عام 1791 في سانتو دومينغو.
إذ ثار آنذاك الرجال والنساء الذين استعبدوا، على مستعبديهم في الشطر الغربي من الجزيرة، وهو الشطر الذي سمّي بعد إعلان الاستقلال بالاسم القديم “هاييتي” الذي أطلقه على هذه الأرض سكانها الأصليون.

ويعد مطلب الثورة الهاييتية المتمثل في الحرية مطلبا عالميا لا تحده حدود الزمان والمكان. فثورة عام 1791 ترشدنا إلى الطريق الذي ينبغي لنا أن نسلكه لبلوغ الغاية المنشودة، شأنها في ذلك شأن العديد من الثورات الأخرى في سائر أرجاء العالم، ولكن ما زال الطريق أمامنا طويلا.

طريق الرقيق

ووفقا لقاعدة البيانات التاريخية “رحلات العبيد”، كانت البرازيل مركزا لتجارة الرقيق تحت وطأة الحكم البرتغالي قبل وبعد الاستقلال البرازيلي عام 1822، كما كانت البرتغال أكبر شركات نقل الرقيق الوطنية آنذاك.

وسيطرت البرازيل على تجارة الرقيق حيث كانت ترسل عبر مينائي ريو دي جانيرو، وباهيا، الكثير والعديد من رحلات الرقيق أكثر من أي ميناء آخر في أوروبا.

وأنشئ رصيف فالونغو في عام 1811- أي بعد 3 سنوات من وصول العائلة الحاكمة البرتغالية هروبا من جيش نابليون في أوروبا- ثم سرعان ما أصبح الوجهة الرئيسية للسفن المحملة بالرقيق المتجهة نحو الأمريكتين.

وهذا الميناء كان على بعد خطوات قليلة من القصر الملكي، حيث كان الأمراء أثناء تجوالهم يشاهدون التجار وهم يجهزون بضائعهم التي تتضمن فصل الأسر وفرك أجساد العبيد الأفارقة بزيت الحوت لتغطية أي جروح.

وقد استقبلت البرازيل أكثر من 4 ملايين إفريقي خلال فترة تقارب الأربعة عقود من عبودية كانت تزرح تحت وطأتها البلاد.

ويعادل هذا الرقم أقل من نصف جميع الأفارقة الذين غادروا قارتهم الأصلية قسرا، وتمكنوا من الوصول إلى الأمريكتين أحياء، بعد رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر، حيث رسا ما يقرب من 60% من هذا العدد الهائل في ريو دي جانيرو، ودخل ما يقرب من مليون إفريقي ميناء فالونغو.

كما كانت وجهة رئيسية للرقيق على مر ثلاثة قرون ما بين عام 1560 و1850 في الأمريكتين.

وتشير تقارير اليونسكو إلى صورة لميناء فالونغو وارف، الذي كان ميناء رئيسيا لتجارة الرقيق في الأمريكتين في الثمانينات، حيث ظهرت أطلال من بقايا ما كان بالأمس أكبر ميناء لتجارة الرقّيق في الأمريكتين في عام 2011 بعد طمسها قرابة 200 عام.

وأجبر اكتشاف اليونيسكو البرازيل على الإفصاح عن إحدى حقبها التاريخية التي ما زالت تحاول طمسها.. حيث كانت البرازيل آخر الدول التي أقلعت عن تجارة الرقيق في الأمريكتين، مما يعني أنه لم يكن ميناء فالونغو أشهر ميناء لتهريب الرقيق فحسب، بل مستقبلا أيضا لربع الأفارقة المستعبدين الذين نزحوا إلى البرازيل على مر العصور.

وعندما قدم المعهد القومي البرازيلي للتراث التاريخي والثقافي ترشيحا للموقع لمنظمة اليونسكو، كانت رئيسته “كاتيا بوجوا”، هي من أوضحت للمنظمة أن ميناء فالونغو كان الميناء الوحيد الذي استقبل ملايين الأفارقة الذين استعبدوا وعملوا على بناء دولتهم في البرازيل، منشئين بذلك أكبر تجمع للأفارقة ذوي البشرة السمراء خارج القارة الإفريقية.

قوافل العبيد (عاجل)

مازالت تجارة الرق مستمرة

ليس الاسترقاق من فظائع الماضي فحسب. فعلى الرغم من العديد من الأدوات القانونيّة الدوليّة التي تحظّره عالميًّا، لا تزال تجارة الرقّ والرقّ قائمَيْن. وفي الواقع، ليس تحقير الناس لغرض استغلالهم من الممارسات التاريخيّة فحسب، بل هو أيضًا من الممارسات الحاليّة. ففي العام 2016، قدّرت منظّمة العمل الدوليّة بـ40 مليون شخص عدد الأشخاص الذين لا يزالون من ضحايا الرقّ أو يعملون في ظروف تشبه الاسترقاق، ومن بينهم 10 ملايين طفل. كما وثّقت السنة الماضية تقارير صحفيّة بيع أطفال المهاجرين المنحدرين من أصل إفريقيّ في المزاد العلنيّ.

إلاّ أنّ الاسترقاق اليوم أمسى في معظم الأحيان مخفيًا عن الأنظار، على غرار العمل القسريّ والسخرة، والزواج القسريّ وعمالة الأطفال والاتّجار بالبشر والاستغلال الجنسيّ.

وتمامًا كما كانت الحال بالنسبة إلى ضحايا الرقّ في الماضيّ، لا تُقدَّم أيّ معالجة أو إعادة تأهيل لضحايا اليوم – على الرغم من أنّ ذلك يشكّل التزامًا رسميًّا للدول.

جذور الرق

إنّ استئصال الرقّ من جذوره، يتطلب اعتماد أكثر من تشريعات وإجراءات سياسيّة وطنيّة فاعلة، يجدر تحويل الهيكليّة الاجتماعيّة الاقتصاديّة التي تسمح لهذه الجرائم بأن تنمو وتتفشّى.

ويتطلّب إلغاء أشكال الرقّ المعاصر نضالًا أوسع نطاقًا لمحاربة جذور الرقّ- أيّ الفقر والأميّة والنقص في التعليم، والحرمان من الأرض، والعمل غير المنظّم الاستغلاليّ، والتمييز، وعدم المساواة بين الجنسَيْن، والعنصريّة والتحيّز.

تجارة العبيد (سين وجيم)

إجراءات المنظمات الدولية

كانت اليونسكو قد أطلقت مشروع “طريق الرقيق” سنة 1995، بوصفه أداة عالمية لتوضيح النتائج والتداخلات الناتجة عن تجارة الرقيق وتحديد المواقع والأبنية وأماكن الذاكرة لهذه التجارة وكذا البحث عن سبل تعزيز التقارب بين الشعوب حول الموروثات المشتركة الناجمة عن هذه المأساة. ويتوخى المشروع وضع برنامج للتوعية التثقيفية من أجل حشد جهات منها المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني بشأن موضوع إحياء ذكرى تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، لكي تترسخ في أذهان الأجيال المقبلة.

وأوضحت اليونسكو أن أحد أهداف النضال ضد العبودية وإلغائها هو التعريف والاعتراف بالأثر الكبير الذي تركته الثقافات الإفريقية على ثقافات وحضارات العالم.

نشأت عنها بين إفريقيا وأوروبا والأمريكتين ومنطقة البحر الكاريبي.

ولهذا الغرض، كانت الأمم المتحدة قد أعلنت يوم 23 أغسطس من كل سنة يوما عالميا لإحياء ذكرى ضحايا الرق وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي بموجب قرار صادر عن الجمعية العامة في 17 ديسمبر عام 2007، تكملة لليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وذكرى إلغائها الذي أعلنته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”.

وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة العقد الدولي للمنحدرين من أصل إفريقي “2015-2024” سعيًا إلى اجتثاث جميع أشكال الظلم الاجتماعي، ووفقا لأهداف المشروع المشترك بين الثقافات المعنون “طريق الرقيق”، ينبغي إتاحة فرصة للنظر الجماعي في الأسباب التاريخية لهذه المأساة وأساليبها وعواقبها، ولتحليل التفاعلات التي ها تاريخ الرق، وسعيًا إلى مكافحة جميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

ووافقت لجنة التراث العالمي إبان دورﺗﻬا الحادية والأربعين (2-12 يوليو 2017) على إدراج موقع مدينة “مبانزا كونغو” القديمة حيث توجد أطلال عاصمة مملكة الكونغو القديمة (أنجولا)، وكذلك الموقع الأثري لرصيف ميناء فالونجو (البرازيل)، في قائمة التراث بالقيمة العالمي إقرارا العالمية الفريدة لكلا الموقعين.

واعترفت بالموقع الأثري لرصيف ميناء فالونجو أيضا في عام 2015 بوصفه موقعا للذكرى يرتبط بمشروع اليونسكو المسمي “طريق الرقيق: المقاومة والحرية والتراث”.

وفي يوليو عام 2017 أدرجت منظمة اليونيسكو الموقع في قائمة التراث العالمي بغرض تحويل الأحجار المفقودة منذ أمد بعيد من ميناء كيس فالونغو وارف إلى نصب تذكاري.

العبودية في أمريكا (المرسال)
مصدر صدى البلد الأمم المتحدة
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!