بلاغة الانحطاط

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

الانحطاط، معيار أخلاقي مضاد للقناعة البشرية السوية، يمكن وجوده عند الغني والفقير، عند المؤمن والملحد، وعند الذكر والأنثى. إنه ليس هوية تتحدد بفيزيولوجيا أو شكل، إنها صفة لها ظروف للظهور والتطور.

في حيواتنا قد نصادف ملايين من النماذج المنحطّة التي تُثير استغرابنا أحياناً واشمئزازنا أحياناً أكثر، لقدرتهم الفائقة على إيجاد مبررات إيديولوجية لانحطاطهم، دون أن يشعروا بأدنى إحساس بالقذارة الذهنية والروحية لديهم، بل على العكس، يعتبرون انحطاطهم ذاك هو جزء من طبيعة الحياة ومن قناعاتهم وسلوكياتهم الدفاعية عن تلك الإيديولوجيات، وهناك من يمارس الانحطاط كنوع من التفاخر والجبروت والتكبّر الأجوف. ومنهم من يمارسه كنوع من التذلل والحصول على بعض الشفقة والرأفة الأخلاقية الموصومة بالمجتمعات الإنسانية. تتعدد أنواعه لكن الانحطاط يبقى واحداً.

ولنفهم المعنى العميق للانحطاط، يمكن أن نستعرض مثالاً خيالياً، بأن يوصي أحد الأشخاص بعد وفاته، أن يتم إخراج أعضائه (كقلب وكلى) وحرقها دون أن يتبرّع فيها للآخرين المحتاجين لمثل هذه الأعضاء، ليس فقط لأنه يريد أن يمارس انحطاطه اتجاه البشر الذين يعانون ويحتاجون تلك الأعضاء التي ربما تنقذ حيواتهم، بل أيضاً لأنه لا يريد أن يقابل الله وهو بكامل التكوين الجسدي، أن يدخل القيامة ناقصاً، منحطّاً، ومزهوّاً بسفالته.

مثل هذا النموذج، هو قطعاً أسوأ من أي شخص يمكن لك تخيله عزيزي القارئ، لكنه بالمقابل؛ هو أشرف من أي سياسي يتلاعب بدماء الشعوب، رغم صورة انحطاطه المطلقة، لأن المسألة بالنسبة إليه ذاتية.

يمكن لنا استعراض آلاف من الصور والشخوص الخيالية ذات الأبعاد الأدبية التي يمكن لنا وصفها بالانحطاط، من أمثال ذلك؛ البخيل الذي لم يعرف متعة الجنس، لكنه عندما تزوج دون معرفته بأبعاد العملية الجسدية، قذف رغماً عنه، فشعر بالأسى لإهدار نطافه، فأصيب بأزمة قلبية ومات.

مثل تلك التوليفات الشخوصية الأدبية قد تكون ممتعة في أثناء الاطلاع عليها وقراءتها، لكنها طبعاً غير واقعية، إنها تتجاوز كل وقائع الحياة، إنها تنحصر في التخيل وأخذه للبعد الراديكالي، لوصف المفهوم نفسه “الانحطاط”، ومحاولة الإلمام بأبعاده.

لكن على الجانب الآخر من التخيّل، في الواقع العملي، نصادف أولئك المنحطيّن الذين يصيبوننا بسهم قاتل لا نجاة منه، من إدهاشنا على ما يمكن أن يختزنوه في ثقافاتهم ووعيهم المؤدلج.

على الجانب الآخر من التخيّل، في الواقع العملي، نصادف أولئك المنحطيّن الذين يصيبوننا بسهم قاتل لا نجاة منه، من إدهاشنا على ما يمكن أن يختزنوه في ثقافاتهم ووعيهم المؤدلج.

خلال حياتي صادفت بعض أولئك الأشخاص، ورغم انحطاطهم كانوا يقدمون فائدة غير مرئية بشكل شخصي، لقد قدّموا لي نماذج يمكن الكتابة عنها دائماً وأبداً.

مثل ذلك الرجل الذي ينتظر نوم أبنائه وزوجته بعد عشائهم المكون من حبة بطاطس لكل شخص مع ربع رغيف من الخبز فقط، دون ملح حتى، كي يجلس وحيداً ويلتهم اللحم المخزّن في غرفته الخاصة والمقفلة.

أو اللص الذي يسرق من الموظفين رواتبهم الشهرية بعد خروجهم من أعمالهم، ويتركهم عرضة لبؤس كامل من الجوع ومحاولة تأمين المال كديون من أجل أسرهم، دون أن يستفيد ذلك اللص من المال، بل ما يفعله هو حرقها.

أو الشخص الذي يقف على ناصية شارع، مفتشاً عن أي ضرير ليعرض مساعدته في قطع الشارع ثم يتركه في منتصف الطريق بين السيارات، ويتأمله طويلاً كي يشاهد رد فعل الأعمى المرتبك بعدم معرفته لوجهته.

هذه النماذج وغيرها الكثير ليست شخوص خيالية أدبية، بل أناس عاشوا على هذه الأرض. إنهم حقيقة. لكن ما الذي يدفع هؤلاء الأشخاص أن يكونوا كذلك؟!.

يُصنّف البعض أن مثل هذه السلوكيات تتوارث بـ DNA لتاريخ العائلات، وهناك من يعتبر الأمر ظروف اجتماعية ساهمت بتكوين هذا الوعي الذي يجعل من الشخص عصابياً ومضطرباً، لكن بالحالتين تبقى هذه السلوكية أمراً واقعاً، لا يمكننا التغاضي عنها.

ترسّخ مفاهيم مؤدلجة تنبع من أشخاص يسيّرون البشر ضمن تحليلات الإيديولوجيا تلك، كشخص يتناول طعامه بارداً لأنّ تسخين الطعام هو تبذير، سيحاسبه الله عليه في الجحيم، هكذا أخبره شيخه.

إن ما يجعل الإنسان في هذا المستوى الأخلاقي الوضيع، هو عدم قدرته على فهم العالم المحيط به إلا من خلال تأثير المفاهيم الحداثية عليه، وعدم توافقيتها مع الفرز الاجتماعي الطبقي. بمعنى، صورة الانحطاط بهذا الشكل العميق والمباشر والفج، هي وليدة هذا العصر، وليست قبل ذلك.

يذكر التاريخ الشفوي المتناقل، عن إحدى الشخصيات التي ماتت في أوائل السبعينيات بمدينة حلب، وهو تاجر المخدرات “محمود الحشكرلي”. إحدى أكثر الشخصيات الشريرة في التاريخ القريب داخل المدينة. لكن بطبيعة الحال كان الحشكرلي ابن وعي نمطي، ويتبنى المظهر الأخلاقي الكلاسيكي. هو تاجر مخدرات ودائم الصراع مع السلطات التي حاولت تطويعه والسيطرة عليه، لكنه لم يكن منحطاً بالمعنى الحداثي. لم يكن مؤذياً، لم يكن بخيلاً، ولا لصاً، ولا متبجحاً، ولا حتى عاهراً. إنه لا يفعل خيراً مع الوضيع، لكنه كريم النفس مع الفقير. هو يمتلك معياراً خاصاً في تقييم البشر، تقييم لا يوافق السلطة لكن يوافقه شخصياً ويقتنع هو به.

الحشكرلي رغم صورته الشريرة لكنه ليس منحطّا كالنماذج التي ذكرناها في الأعلى، لأنه ببساطة لم يعاصر هذا النمط الحداثي للمفاهيم والأخلاق، التي تفترض ليبرالية الرغبات دون تمرّد على القواعد، أو ترسّخ مفاهيم مؤدلجة تنبع من أشخاص يسيّرون البشر ضمن تحليلات الإيديولوجيا تلك، كشخص يتناول طعامه بارداً لأنّ تسخين الطعام هو تبذير، سيحاسبه الله عليه في الجحيم، “هكذا أخبره شيخه”.

كلما تقدمنا أكثر في هذا العالم الإنساني، وانعزلنا أكثر في أفكارنا المغلقة، أصبحنا أكثر قناعة راسخة بأخلاقية الانحطاط وتبريره الأحمق، ويصبح الفعل ذريعة ونتيجة للمفاهيم الجديدة التي تطرح ذاتها كقيمة يجب أن نكون جزءاً منها، ومن لا يكون يصبح خارج دائرة الوجود.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!