إدلب في الحسابات الروسية التركية: حليفا الضرورة أمام الاختبار الأقسى

0
بقلم: سامر إلياس

في هذا التحليل يحاول الكاتب سامر إلياس استقراء مصير منطقة خفض التصعيد بعد الهجوم الأخير على مناطق استراتيجية منها من قبل قوات النظام وحليفه الروسي الذي اعترف بشكل واضح بمشاركته الفعالة على الأرض، مما ساهم بتغيير مجريات المعارك، وبين التجارب السابقة للروس والتجربة الحالية يستنتج الكاتب القاسم المشترك في اختراقات اتفاق سوتشي، ولنتعرف على هذا القاسم المشترك؛
نقرأ معًا...

خلطت التصريحات الروسية الأخيرة، وتطورات العملية العسكرية للنظام السوري بغطاء روسي في محافظة إدلب، شمالي سورية، الأوراق مجدداً، ما يفتح الباب أمام تغيرات كبيرة في الخريطة الميدانية بالمنطقة، وصوغ علاقات جديدة بين أهم اللاعبين المؤثرين في الساحة السورية.

فمن جهة، ومع تطور الأوضاع المتسارع في إدلب، تتعرض العلاقات الروسية – التركية لأقسى اختبارٍ لها منذ حادثة إسقاط المقاتلة الروسية قرب الحدود مع سورية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. وتشي تصريحات المسؤولين الروس والأتراك، على حدّ سواء، بأن الشرخ بين الطرفين يتعمق على خلفية الموقف من العملية العسكرية التي يشنها النظام في شمال غربي سورية، وامتعاض روسيا الواضح من التفاهمات التركية – الأميركية بشأن المنطقة الآمنة في شمال شرقي البلاد.

وبعدما كانت من باب التحليل والعصف الفكري، باتت أسئلةٌ مثل مصير مسار أستانة واتفاق سوتشي، على المحك. في المقابل، لا يمكن استبعاد أن تكون “الرسائل الدموية” في إدلب، والتشدد الروسي في المواقف، محاولةً من قبل موسكو لفتح حوار ثلاثي مع أنقرة وواشنطن من أجل خريطة شاملة تحدد مصير منطقة شرقي الفرات وشمال سورية وشمالها الغربي.
وعملياً، ينطلق “حليفا الضرورة” في مسار أستانة، تركيا وروسيا، في تبرير تحركاتهما ومواقفهما، من الالتزام باتفاق سوتشي الموقع بين الطرفين في 17 سبتمبر/ أيلول 2018.

وعلى الرغم من حدة تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن دعم عملية الجيش السوري في شمال غربي سورية، إلا أنه ارتكز فيها على بنود “سوتشي”. فخلال مؤتمره الصحافي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تذرع بوتين بأن بلاده تدعم عمليات النظام بسبب عدم تنفيذ الاتفاق، وقال إنه “بعد توقيع الاتفاقات في سوتشي لإقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب، كان الإرهابيون آنذاك يسيطرون هناك على 50 في المائة من الأراضي، والآن هم يسيطرون على 90 في المائة، ونحن نرى هجماتٍ مستمرة من قبلهم”.

ومع إشارته إلى “محاولات استهداف قاعدتنا في حميميم أكثر من مرة، ومن منطقة إدلب بالذات”، كان حديث بوتين واضحاً بتحديده هدفاً لدعم جهود النظام، بالقول “نحن ندعم جهود الجيش السوري في ما يخص العمليات على النطاق المحلي لاحتواء تلك المخاطر الإرهابية”. وعملياً، فإن روسيا تبرر مشاركتها برّاً وجواً في الهجوم، على أنها تنفذ مخرجات اتفاق سوتشي بعد 11 شهراً من عدم تمكن تركيا من تطبيقه، وترسم بطائراتها وجنودها مع النظام السوري والمليشيات الداعمة له، حدود المنطقة العازلة التي تمّ الاتفاق عليها.

من جهتها، لم تتجه تركيا إلى التصعيد مع روسيا بعد استهداف رتل للقوات التركية كان متوجهاً إلى نقطة المراقبة التاسعة في جنوبي إدلب، وذهب وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو إلى دعوة النظام لـ”عدم اللعب بالنار”، من دون أن يوجه انتقادات مباشرة لروسيا. وأكد جاووش أوغلو “إجراء اتصالات على كافة المستويات” مع روسيا على خلفية الهجوم على الرتل العسكري.

وفي إشارة ضمنية إلى تمسك أنقرة باتفاق خفض التصعيد في إدلب، واتفاق سوتشي، أكد الوزير التركي أن بلاده “لا تنوي نقل نقطة المراقبة التاسعة في إدلب السورية إلى مكان آخر”.

وأغلق سماح تركيا لعناصر “الجيش الوطني السوري” وفصائل أخرى في الشمال للتحرك دعماً للفصائل المدافعة عن إدلب، الباب على الحديث عن صفقة بين البلدين على شاكلة ما يروج عن صفقات “حلب – درع الفرات” و”الغوطة الشرقية – عفرين”، لكن التفاعل التركي لا يزال أدنى من المطلوب، بحسب خبراء، قياساً بالتأثيرات السلبية الكبيرة على تركيا في حال واصل النظام عمليته في إدلب إلى النهاية، وهو أمر لا يمكن استبعاده نظراً للتجارب السابقة.

وبغض النظر عن وجود توافق بين الجانبين الروسي والتركي على حدود العملية وحجمها، فلا يمكن الوثوق بتصريحات الروس وتعهداتهم.

وتوضح التجارب السابقة أن روسيا والنظام يتبعان في إدلب الأسلوب ذاته في التعامل مع مناطق خفض التصعيد الثلاث السابقة التي تم التوافق عليها في مايو/ أيار 2017 (الغوطة الشرقية – درعا والقنيطرة – ريف حمص الشمالي). فالجانب الروسي يبرر العملية العسكرية في إدلب، باستهداف قاعدة حميميم بالقذائف والطائرات المسيرة، واستهداف المدنيين، إضافة إلى سيطرة “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) على معظم هذه المناطق.

ومعلومٌ أن روسيا تحدثت في بداية العام الماضي عن سيطرة “النصرة” على الغوطة الشرقية واستهداف السفارة الروسية أكثر من مرة بالقذائف والصواريخ، وسقوط قتلى وجرحى في أحياء دمشق، وبعدها شنّت مع النظام السوري الحملة التي انتهت بالسيطرة عليها. واللافت أن التحركات العسكرية للنظام (وروسيا) تعتمد على المبدأ ذاته، وهو سياسة الأرض المحروقة أولاً بالطائرات والقصف، وبعدها تحركات برية لقضم بطيء تدريجي، مع التركيز على فصل مناطق المعارضة وعزلها لمنع أي محاولة لفتح جبهة موحدة. والأمر نفسه تكرر في ريفي درعا والقنيطرة صيف العام الماضي، بحسب ما بينت الوقائع.

ولا يمكن فصل ملف إدلب عن الأوضاع في شرقي الفرات، فمن الواضح أن التفاهمات التركية – الأميركية بشأن المنطقة الآمنة أثارت غضب موسكو لأسباب عدة، أهمها أن الاتفاق يشرعن الوجود الأميركي في نحو ربع مساحة سورية الغنية بالموارد المائية والزراعية، وحيث ينتج 90 في المائة من نفط البلاد ونصف الغاز الطبيعي، ويحرم موسكو من موارد هي بأمسّ الحاجة إليها من أجل تحسين الظروف المعيشية في سورية، وإطلاق عملية إعادة البناء، حتى لو كانت على نطاق محدود، في أسرع وقت، مع ربط بلدان الخليج وأوروبا هذه العملية بالتوصل إلى حل سياسي.

ومؤكد أن التفاهمات الأميركية التركية تضرب أساس الاستراتيجية الروسية التي ترتكز على إعادة جميع المناطق إلى سلطة النظام السوري. ومع إعلان تفهمها للمخاوف التركية على أمنها القومي، اقترحت موسكو مرات عدة العودة إلى اتفاق أضنة الحدودي، بتعديلات يمكن التوافق عليها مع النظام، وسعت إلى فتح حوار بين الأكراد ودمشق بهدف دق إسفين في علاقات مجلس سورية الديمقراطية (“مسد”) مع واشنطن، والضغط على تركيا في آن واحد، وعودة دمشق تدريجياً إلى المنطقة.

وواضحٌ أن سياسة موسكو في سورية تواجه مأزقا مركباً، فمن ناحية لا يمكنها أن تساند عملية عسكرية للنظام والمليشيات المساندة له لاستعادة مناطق شرقي الفرات بعدما جربت ذلك في فبراير/ شباط الماضي، وحينها رسمت واشنطن حدوداً بالدم لمنع أي تقدم، وسقط المئات من عناصر النظام ومرتزقة روسيا عندما حاولوا تخطي الفرات باتجاه الشرق، كما أن التجارب السابقة تكشف أن واشنطن وموسكو تتجنبان الاصطدام المباشر. ومن جهة أخرى، لا ترغب روسيا في أن تفقد دورها المهيمن في رسم الحل السياسي في سورية، ما قد يجبرها، بحسب خبراء، على السعي من أجل تنسيق ثلاثي يجمعها مع تركيا والولايات المتحدة، لتحديد مصير شرقي الفرات، باستخدام إدلب كصندوق بريد للضغط على أنقرة.

ومع صعوبة التنبؤ بمصير مناطق إدلب وشمالي حماة واللاذقية كاملة، وهل ستواجه مصير مناطق خفض التصعيد الثلاث السابقة، أم أن وضعها الخاص سينتج حلولاً مختلفة، ينتظر أن تكشف التحركات الروسية والتركية المقبلة بعض الغموض، خاصة في ما يتعلق بمصير اتفاق سوتشي، ومسار أستانة. وهنا فإن تأكيد أو إلغاء أو تأجيل قمة ضامني العملية، المقررة في 11 من شهر سبتمبر/ أيلول المقبل، يمكن أن يكون مؤشراً مهماً لطبيعة المرحلة المقبلة وحدود العملية العسكرية في إدلب.

مصدر المادة منشورة في صحيفة العربي الجديد بتاريخ 22 آب/ أغسطس 2019
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!