اختناق الغوطتين: ست سنوات على مجزرة الكيماوي والقاتل ما زال طليقاً

0

يوم 21 أغسطس/آب 2013، استيقظ سكان الغوطة الشرقية ومعضمية الشام بالغوطة الغربية على مجزرة مروّعة، استعمل فيها النظام السوري صواريخ تحمل مواد كيميائية؛ قضى على إثرها أكثر من 1450 شخصا أغلبهم من الأطفال، وتتميز الصواريخ التي تحمل رؤوسا كيميائية (والمستعملة في الهجوم) بـأنها لا تحدث صوتا بعد انفجارها، ولا تخلف أضرارا على المباني، بل تخنق الأنفاس وتدمر الأعصاب.

سيرة الأدلّة

كان الائتلاف السوري المعارض  قد اتهم نظام بشار الأسد بارتكاب المجزرة، وقال في تقرير له، إن قوات النظام التي كانت موجودة داخل اللواء 155 بالقلمون، أطلقت في الساعة 2:31 من صباح 21 أغسطس/آب 2013، ستة عشر صاروخا، من نوع أرض أرض محملة بغازات سامة يرجح أنها من نوع “السارين”.

وأضاف التقرير أن الصواريخ سقطت في عدد من مدن الغوطتين كان أبرزها زملكا وعين ترما وكفر بطنا، وعربين بالغوطة الشرقية ومدينة المعضمية بالغوطة الغربية.

النظام السوري من جهته، نفى وقوفه وراء الهجوم، واتهم المعارضة بالمسؤولية عنه، وادّعى أنّه عثر على أسلحة كيميائية في أنفاق تحت سيطرة المعارضة المسلحة في ضاحية جوبر.

لكن محققين أمميين قالوا إنّ الأسلحة الكيميائية التي استعملت في منطقة الغوطة، خرجت من مخازن جيش النظام السوري.

وذكرت تقارير إعلامية أن أجهزة مخابرات عدد من الدول الغربية ذهبت في تقاريرها إلى مسؤولية النظام السوري عن الهجوم بغاز السارين السام على المدنيين في منطقة الغوطة، ومنها تقرير الاستخبارات الفرنسية، وكذلك الألمانية التي رجحت استعمال جيش النظام للسلاح الكيميائي بدون علم بشار الأسد أو تفويضه.

منظمة هيومن رايتس ووتش أكدت بعد أكثر من أسبوعين من الهجوم، توفرها على أدلة توضح وقوف قوات النظام السوري وراء مجزرة الغوطة.

أطفال ضحايا مجزرة الغوطة (فوكس حلب)

بدايات تحقيق الأمم المتحدة

في سبتمبر/ أيلول 2013 أكد تقرير لخبراء الأمم المتحدة الذين قاموا بالتحقيق في المكان عينه، استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية، وتحدث عن “أدلة صارخة ومقنعة” عن استخدام غاز السارين والأسلحة كيميائية “على نطاق واسع”.

وفي تقريرها أشارت لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة إلى أن غاز السارين أطلق بواسطة صواريخ أرض ـ أرض. وذكر التقرير أن الهجوم حدث في ساعة ضمنت إصابة أو مقتل أكبر عدد ممكن من الأشخاص لأن درجة الحرارة تنخفض بين الثانية والخامسة صباحا وهو ما يعني أن الهواء كان يتحرك لأسفل باتجاه الأرض.

وفي تعليق على التقرير، قال الأمين العام للأمم المتحدة: “هذه جريمة خطيرة ويجب تقديم المسؤولين عنها للعدالة في أقرب وقت ممكن.” وكان بان كيمون قد قال إن بشار الأسد “ارتكب كثيرا من الجرائم ضد الإنسانية”، ويجب أن يحاسب على جرائمه.

وبعد أيامٍ من صدور تقرير اللجنة، وبالتزامن مع تهديداتٍ الولايات المتحدة أنها ستوجه ضرباتٍ عسكرية للنظام، كونه تجاوز الخط الأحمر واستخدم الكيميائي، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، تم التصويت فيه بالإجماع على القرار رقم 2118 الخاص بنزع السلاح الكيميائي في سورية.

بوستر يؤرخ لمجزرة كيماوي الغوطة

موقف أوباما

وقع الهجوم بعد عام على تحذير الرئيس باراك أوباما الأسد من مغبة استخدام أسلحة كيميائية. وكان أوباما أعلن في 20 آب/أغسطس 2012 أن استخدام تلك الأسلحة في الصراع “سيشكل خطا أحمر تكون له عواقب هائلة”. وقال في نيسان/ أبريل 2013 إن استخدام تلك الأسلحة “سيغير قواعد اللعبة”.

وأراد أوباما بعد الهجوم الحصول على موافقة الكونغرس قبل أن يقحم البلاد في حرب جديدة في الشرق الأوسط، وإن كان لتدخل عسكري محدود النطاق.

وبعد أيام، دافع وزير الخارجية آنذاك جون كيري أمام مجلس الشيوخ عن قرار الإدارة الأميركية توجيه ضربة عسكرية ضد نظام الأسد، وحذر من أن عدم القيام بذلك سيعني الوقوف موقف “المتفرج على مجزرة”. وقال “لا بلادنا ولا ضميرنا يسمحان لنا بأن ندفع ثمن السكوت”، مشددا على أن الضربة العسكرية ستتم من دون إرسال “قوات إلى الأرض”.

إلا أن أوباما تراجع بعد ذلك عن فكرة شن هجوم محدود يستهدف القوات السورية. ثم توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق على خطة متكاملة لنزع السلاح الكيميائي السوري. ووافقت دمشق على المبادرة الروسية التي نصت على وضع ترسانتها الكيميائية تحت إشراف دولي تمهيدا لتفكيكها.

وكانت دول عدة هددت حينها باستهداف النظام السوري عسكريًا، إلا أنها تراجعت بعد أن صادق النظام على معاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية في 14 من أيلول/ سبتمبر عام 2013.

اختناق أطفال الغوطة اثر القصف الكيماوي (يوتيوب)

تدمير مزعوم للأسلحة الكيماوية

في 15 سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، بدأت الأطراف المعنية بمشاركة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية المتوفرة لدى النظام السوري، لتعلن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 19 أغسطس عام 2014، انتهاء تدمير هذه الأسلحة.

وظلّت بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية المشرفة على تدمير أسلحة النظام الكيميائية، تشكك في المعلومات الصادرة عن دمشق حول كمية الأسلحة الكيميائية وما إذا كانت تلك الأسلحة قدّ دُمّرت بالكامل، لا سيما أنّ الشبكة السورية لحقوق الإنسان قالت في تقريرها الصادر في أغسطس 2017، أنّ النظام السوري نفّذ بين ذلك التاريخ وسبتمبر/ أيلول عام 2013، أكثر من 174 هجوماً كيميائيا.

لكن إنكار الأسد لحقيقة ارتكابه المجازر لم تثبته الوقائع على الأرض، وكان بعيداً عمّا توقعه السوريون والعالم، إذ اكتفى بنزع سلاح الجريمة واستخدام وسائل أخرى للقتل، كالبراميل المتفجرة والصواريخ البالستية، كما استخدم غاز “الكلور” الذي لم يدخل ضمن قائمة الأسلحة الكيماوية التي سلمها النظام.

ملصق عن المجزرة(انترنت)

الترسانة الكيميائية للنظام

ورغم الغموض الذي يحيط بطبيعة وحجم الترسانة الكيميائية في سورية، تشير تقارير استخباراتية أميركية ودولية إلى أنها واحدة من أكبر ترسانات الأسلحة الكيميائية في المنطقة.
وتملك سورية، حسب تلك التقارير، برنامجا متطورا للأسلحة الكيميائية يتضمن غاز الخردل وغاز الإيبيريت وغاز السارين الذي يعد من أخطر الغازات في العالم.

وتقدر تلك التقارير مخزون سورية من الأسلحة الكيميائية بعدة آلاف من القنابل الجوية، معظمها مليئة بغاز السارين، إضافة إلى 50 إلى 100 رأس حربي مخصص لصواريخ باليستية بعيدة وقصيرة المدى وقذائف للمدفعية، حسب أجهزة الاستخبارات الأميركية.

كما تملك سورية أربعة مصانع لإنتاج الأسلحة الكيميائية في حلب وحمص حماة، ويقع المصنع الرابع لإنتاج الأسلحة الكيميائية غرب اللاذقية.

مصدر الجزيرة العربي الجديد الحرة
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!