ميتافيزيقيا الحماية والانهيار الاجتماعي

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

إنّ من الأشياء التي تثير في العقل تساؤلات تُوصف بالوثنيات، هو التهكّم المعاصر من قِبل البعض على وثنيّة التاريخ العربي، من قبيل، أنّ عرب الجاهلية كانوا يصنعون آلهتهم من خشب وحجارة وتمر، فإذا ما شعروا بالبرد أحرقوها، وإذا ما شعروا بالحر بنوا بيوتاً لتقيهم القيظ، وإذا ما جاعوا أكلوها.. لكن ضمن منطق الرحمة الإلهية نفسه، أليست مهمة الإله هي: أن يحمي عباده من البرد والحر والجوع.

بخلاف أن السلوك وثني، لكنه منطقي للعبادة. إنها آلهة رحيمة بهم.

دائماً ما تكون المجتمعات المتماسكة في أيام السلم بواسطة رابط ميتافيزيقي، هي الأكثر عرضة للتصدع والانهيار، عندما تعترضها محنة اجتماعية؛ لأنّ أهم عنصر من عناصر ترابطها لم يعد يحقق الشرط الحياتي والمنطقي المطلوب.

تماماً مثلما لم تستطع آلهة الحجارة والخشب والتمر أن توقف المد الإسلامي عندما كان في بدايته كدعوة حوارية، قبل أن يصبح تفقهيّاً بالسيف. لقد أصاب مجتمع الجزيرة حالة من الانهيار الإيماني والاقتصادي والسياسي، لأن الرابط الميتافيزيقي لم يكن في صف أبناء الجزيرة العابدين له.

هذا الكلام قد يعترض عليه البعض بأننا لا يمكن لنا أن نحلل ظاهرة اجتماعية بقطع صلاتها مع الواقع الاقتصادي لتلك البيئة، وأن نحلل الأمر كصورة إلهية فقط، هذا الكلام منطقي جداً، لكن أيضاً لا يمكن أن نحلل الظاهرة الاجتماعية والشعبية الواسعة كحالة سياسية واقتصادية صرف، إنها مرتبطة بالموضوع الإيماني. فالناس البسطاء عندما اعتنقوا دين الإسلام كدعوة ليس لأنهم فهموا بؤسهم، بل لأن وعوداً بالعدالة أغرتهم.

ما جرى قبل 1400 عام، يجري الآن مع اختلافات بمضمون التوجه في مرحلة التفسخ.

دائماً ما تكون المجتمعات المتماسكة في أيام السلم بواسطة رابط ميتافيزيقي، هي الأكثر عرضة للتصدع والانهيار، عندما تعترضها محنة اجتماعية؛ لأنّ أهم عنصر من عناصر ترابطها لم يعد يحقق الشرط الحياتي والمنطقي المطلوب.

بعد تسع سنوات مما جرى في سوريا، بدأنا نتلمس بشكل واضح آثار الانهيارات الاجتماعية التي نعانيها؛ قد يُرجع البعض المسألة للظرف السياسي (وهو ذو تأثير شديد طبعاً) أو الاقتصادي (وله تأثير قوي أيضاً)، لكن هذا الانهيار إذا ما دققنا فيه فعلياً، يمكن لنا إرجاعه لفقدان الثقة بالرابط الذي كان يمسك المجتمع ككل، وهو الميتافيزيقيا التي تختبر الناس في ظروف قاسية.

لم يعد هناك ثقة فعلية بأنّ المعنى من الموت والتدمير والتشريد الحاصل في سوريا، يمكن أن يكون لأهداف إلهية عميقة، واختبارات لمحبة الرب لعباده. المسألة هنا ليست كِفراً مما قد يسميه البعض أو ضعف إيمان، لأنّ المسألة تجاوزت الصراع، إنها مرتبطة بالإبادة، وما زالت فكرة اللجوء إلى عنصر ميتافيزيقي ناصر للشعوب الفقيرة والبائسة حاضراً دون تدخل حقيقي.

هنا يمكن أن يخرج مئات الآلاف من المتفقهين في المؤسسات الدينية، الذين يكررون ذات الأفكار من الصبر والتحلي بالشجاعة والصمود. لكن إلى متى، ومن أجل ماذا؟. هنا نتحدث عن الناس الطبيعيين وليسوا الذين اتخذوا موقفاً قتالياً عسكريا أو سياسياً من موضوع سوريا.

ما كان يربط الناس من عادات وتقاليد وأخلاقيات عامة ونصوص دينية وسلطات مفروضة بالقانون والتشريع على البشر، لم يعد يستطيع السيطرة عليهم لجمعهم. تسع سنوات من الموت والخسارات الاقتصادية والاجتماعية، وقبلها أربعين عاماً من الظلم والبطش، وقبلها أربعمائة عام من الاحتلال تحت اسم المصير الديني المشترك، وقبلها مجموعات من الصراعات السلطوية للدين نفسه، وقبلها احتلال بيزنطي وفارسي، وقبلها سيطرة يونانية. تاريخ سوريا بأكمله لم يكن حراً. وفي كل فترة زمنية كان هناك ميتافيزيقيا تربط الناس بصورة للاختبار والصبر والشجاعة والصمود والهدف السامي للخلود. لكن حالة الموت التقني والمتطور الذي شاهده هذا الشعب البائس خلال تسع سنوات، لم يعد يستطيع من خلاله التصديق بأن الميتافيزيقيا يمكن أن تفعل شيئاً حياله.

السياسي والمؤمن والغني والعلماني والفقير والملحد، الجميع لم يعد يملك ثقة بكل روابط التاريخ الزائف التي كانت تربط المجتمع السوري مع بعضه؛ المسألة ليست فقط فرزاً سياسياً إنما عدم ثقة بحلٍّ من أي نوع، وبالأخص الحل الميتافيزيقي.

هناك رغبة عارمة بالانغماس الكلي في اكتساب الحياة الواقعية إلى أقصى حد دون الالتفات إلى ما وراء الموت. لم يعد مهماً بالنسبة لهذا الشعب، أي صورة ما ورائية. إنه يريد الحياة بكل ما فيها من حريات مطلقة ودون قوانين وأعراف وتقاليد كانت تكبل أفكاره وسلوكياته بقوانين سلطوية، ودينية، واقتصادية.

المشكلة في الأمر، أن هذا النزوع المطلق للحياة، لا يخضع للموازنة والتقييم، إنه انفجار كامل للمشاعر والأفكار، إنه التصدع الناتج عن الاندفاع المكبوت في هيكلية المجتمع التاريخية. لكن مع ذلك لا يمكننا رفض هذه الحالة، لأنها نتاج طبيعي وحتمية تاريخية للاضطهاد والكبت؛ يجب أن تندفع إلى أقصى حد حتى تتبلور وتبدأ ببناء جديد.

في جلسة ودية مع رجل ثمانيني سوري، فقد ستة من أبنائه، وله تاريخ في العمل السياسي مع حركة الإخوان، قال: لماذا لم يتحرك الله، ألم يقل بأنه ناصر للمؤمنين، هل بشار الأسد أكثر إيماناً منا؟!.

السؤال العميق، هل فعلاً بشار الأسد أكثر إيماناً من المؤمنين الذين آمنوا بالله وكلمته، وسعوا لحياة أفضل!.

الموقف التشككي لذلك الرجل المشارف على الموت بأي لحظة، ليس وليد رغبة بالكفر أو الموت كملحد، لكنه سؤال طبيعي لمعنى الميتافيزيقا التي لم تفعل شيئاً حيال كل ما جرى. الإنسان البسيط والمؤمن لم يعد قادراً على الفهم، أنه أشبه بجملة كيفين سبيسي في فيلم سفن، عندما قال: “الله يعمل بطرق غامضة”.

السياسي والمؤمن والغني والعلماني والفقير والملحد، الجميع لم يعد يملك ثقة بكل روابط التاريخ الزائف التي كانت تربط المجتمع السوري مع بعضه؛ المسألة ليست فقط فرزاً سياسياً إنما عدم ثقة بحلٍّ من أي نوع، وبالأخص الحل الميتافيزيقي.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!