تعال نفتح دكانا للحرب

عبد الحكيم حيدر

0

في هذا المقال يكشف الكاتب عبد الحكيم حيدر عن سلوك يلجأ إليه الحاكم المستبد في الوطن العربي كي يعزّز سلطته ويمنع سقوطه، ويوضّح كيف تحوّل هذا إلى طبع يجمع كل الجنرالات التي تحكم بجيوشها بلاداً كانت تنتظر من رؤسائها سلوكيات أخرى كي تنمو وتنهض، ولكي نتعرّف على هذا السلوك وتجلياته،
فلنقرأ معًا.

هل صارت الحرب رئة كل الأنظمة الخائفة من السقوط، والهاربة أيضا من العدل، وخصوصا في عالمنا العربي. هل صارت الحرب الإنجاز الوحيد الذي تفعله تلك الدول كي تحرس، بها، سقوطها، لأنها تخاف التنمية، وتخاف العدل، وتخاف شعوبها، فشغلتهم في طواحين الحرب المقدسة، كي يكون الدم مبرّرَ وجودها ومانح شرعيتها غير قابل للنقاش أو الرد.

هل صارت الحرب هي تجارة الأنظمة لإطالة أعمارها، وإسكات أي معارضة؟ هل صارت الحرب هي ذلك اللهو الدامي أو الكرنفال الدامي الذي فيه يختال الجنرالات ببدلاتهم العسكرية والنياشين

وتصمت الشعوب على هول ذلك المشهد المهيب دون كلمة أو أنين، وتتحول مداخيل تلك الأنظمة إلى الجنرالات في يسر وسهولة، ومن دون مساءلة لا من برلمان ولا من حزب، لأن كل المعارضين في السجون، وكل الأحزاب حوّلت دكاكينها إلى فاترينات للشاورما أو الدخان أو مكتبات يتم سجن أحد أصحابها، لأنه ترجم كتابا عن الجيش الذي يبيع الجمبري والكراريس، ولا يأتيه الخطأ أبدا من شرقه أو غربه.

هل صارت الحرب بديلا للسياسة والثقافة والاقتصاد وعلم الاجتماع والعمران وعلم النفس وما على المواطن إلا أن يُلقي كل ما عرفه عن الحياة والعلم والفلسفة في البحر، وينتظر علمه من فم الجنرال، لأنه الوحيد فقط الذي يعرف العلّة والدواء المناسب.

هل لا بد أن تتحول كل المجتمعات إلى عبيد بيادة وعبيد حرب وبندقية، فالجيش هو الوحيد الأمل والمستقبل ومصنع الرجال، وكل المصانع الأخرى لا بد أن يتم بيعها كخردة، ويا حبذا لو اشتراها الجيش نفسه بأبخس الأسعار، أو يجري خصخصتها بما يرضي الله ومجلس الشعب، ومجلس الشعب موافق حتى قبل عرض الأمر، لأن المجلس في ظهر الجيش، ومن يكون الشعب ومجلسه في ظهره، فلن يخذله الله أبدا طالما زاد راتب عضو البرلمان المسكين (أربعة أضعاف) كي يواجه أعباء الحياة ولا يحاسب الجيش عنه يوم القيامة.
هل تعيد الجيوش العربية أخيرا حروب أثينا وأسبرطة، كي تقضي على التطرف والغلو والإرهاب بطرق مبتكرة، وتعيد للشباب فنون الحرب، بدلا من المخدرات وكرة القدم واللهو غير البريء، ولا مانع من وجود ملايين الأرجل الصناعية والأذرع للمصابين، فالجيش يقوم بصناعة كل شيء حتى الحليب، وبذلك يتحول الجنرالات إلى أوصياء علينا حتى يوم الحساب، ولا مانع أيضا من غلق الجامعات فنحن في حرب (إلا الجامعات الخاصة بالطبع).
هذا هو المنحى الطبيعي الذي يفعله الجنرالات بعدما صاروا بلا عمل من عقود، وصارت إسرائيل في القلب وفوق الرأس، ولم تعد هي العدو الأول كما قال أكابر الشيوخ بارك الله لنا فيهم ومتّع الله الشيخ مظهر بموفور العلم كي يواصل اجتهاداته سواء بالبدلة أو العمامة أو الترنج، ومعه الشيخ سعد الهلالي سواء أحج بالبنطلون والقميص أو ملابس الإحرام.
الحرب هي ذلك الحصن الذي يحمينا من أسئلة المواطنين وعرض الموازنة والدستور أيضا إن كان موجودا. نحارب أي شيء، نحارب حتى الذباب، نحارب بعضنا. يحارب الشرق الليبي الغرب الليبي ويحارب الشمال الليبي الجنوب أيضا، لمَ لا، وتحارب صنعاء عدن، وتحارب الإمارات الحديدة، لمَ لا، وذلك كي نقلل من قرود الإرهاب في المنطقة قدر الإمكان، فهذه القرود هي التي تشرب النفط في الليل من المواسير وهي التي تأكل الأسماك من مياه الحديدة.
لا بد أن يعمل الجنرالات شتاء وصيفا، فهل (نخللهم) مثلا في البرطمانات بعدما علمناهم في كلياتنا العسكرية وأكاديمياتنا وأنفقنا عليهم من أرزاقنا وأكبادنا وقد صاروا هكذا بلا عمل بعدما تحاببنا مع إسرائيل؟؟ لا بد من حرب نخترعها حتى، كي يسكت الناس عنا وندحر الإرهاب (ونعلق) العمل بالدساتير ونمد حالات الطوارئ إلى ما شاء الله، وتعالوا يا سماسرة الحرب ساعدونا، مع أننا، والله العظيم، نكره الحرب، ولكنها كُتبت علينا، وكل خطى كتبت على العبد مشاها.

عبد الحكيم حيدر، صحفي وروائي مصري.

مصدر المقال منشور في صحيفة العربي الجديد 8 آب/ أغسطس 2019
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!