الموت وبراغماتية العاطفة.. الحب في زمن الكوليرا مثالاً

0
علي الأعرج

في قرية صغيرة على الكاريبي، وفي نهاية القرن التاسع عشر، تجري أحداث تتخذ طابعاً تراجيدياً، في البحث عن معنى للعاطفة. داخل رواية الحب في زمن الكوليرا، يُجسّد ماركيز هذه الثيمة البحثيّة من خلال السلوك غير المفهوم، سوى باعتباره قطعاً لوعد ووفاءً به، من انتظار الشخصية الرئيسية “فلورنتينو أريثا” لحبيبته “فيرمينا داثا”، حتى بعد زواجها من الدكتور “خوفينال أوربينو”. وإن أتت هذه الثيمة الانتظارية كمستوى أخلاقي رفيع، لكنها لا تخلو من عنصر الألم، بل حتى تُجسّد القسوة كظاهرة أدبية للشخوص. هذه التراجيدية التي تُبنى من أول الحدث كصورة غرائبية للموت، وتستمر إلى مستواها النهائي خلال كل تفاصيل العمل.
منذ البداية يضعنا ماركيز أمام حدث تراجيدي لكنه ممتع تخيّلياً، ومهم للبناء والحبكة الروائية. إنه يمثّل التمهيد الدرامي لكل ما سيأتي، وهو موت اللاجئ الأنتيلي “جيرما دي سانت آمور” باستنشاقه لسيانور الذهب.
غرائبية موت جيرما آمور على هذا الشكل، تفتح أمامنا آفاقاً تخيّلية، لفهم طبيعة نصيّة غير كلاسيكية، وهو بدوره ما يبرر ظهور اللاجئ الأنتيلي في أول صفحة، إنه الضرورة التي توصلنا إلى الشخصية الثالثة كمحور، وهو الدكتور حوفينال أوربينو، الصيغة التمهيدية للدخول إلى عمق الحدث الدرامي.
يعالج ماركيز قضية الحب بأجمل صورة ممكنة في تاريخ الأدب، حيث تبدأ برسائل المراهقة بين فلورنتينو وفيرمينا بواسطة العمة “اسكولاستيكا”، الشخصية السريّة في الرواية، والجامعة لتلك العلاقة المراهقة، التي خبرت بعض الحياة، وفهمت أن قرار الرفض من ابنة أخيها قد يوصلها إلى مستوى من الندم لا يُغتفر.
– أجيبيه بنعم، حتى ولو كنت تموتين خوفاً، وحتى لو ندمت فيما بعد، لأنك على أية حال ستندمين طوال حياتك إن أنت أجبته بلا.
العبارة الأكثر حضوراً في شخصية اسكولاستيكا، تُغيّر طبيعة السرد بأسره، وتأخذنا إلى بناء آخر. لو عبارة العمة لم توجد، لكان قرار فيرمينا بطلب الزواج من قبل فلورنتينو، هو الرفض الناتج عن التردد، وبالتالي لم يكن لنا الموقف الأكثر أهمية في الرواية، وذروته العاطفية عندما يقف فلورنتينو بعد موت الدكتور خوفينال أمام حبيبته السابقة فيرمينا حيث يقول لها:
– فيرمينا.. لقد انتظرت هذه الفرصة لأكثر من نصف قرن، كي أكرر لك مرة أخرى قسم وفائي الأبدي وحبي الدائم.
لكن ما هو الوعد الذي قطعه فلورنتينو!. يقول ماركيز بوصفه داخل الرواية:
– “لم يكن فلورنتينو أريثا بالمقابل، قد توقف عن التفكير لحظة واحدة بفيرمينا داثا منذ صدّته بلا استئناف بعد غراميات طويلة متناقضة، وقد انقضت منذ ذلك الحين إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر وأربعة أيام”.
بالطبع لم يكن فورنتينو عازباً بالمعنى المباشر، لقد تجاوزت غرامياته الستمائة، لكنه لم يرتبط بحب مع أحد، لم يعشق سوى فيرمينا. لقد بقي مخلصاً لها.

هذا المعنى الانتظاري الذي بنى عليه ماركيز رؤيته كاملة، يحمل مساحة واقعية بجزء منها كفعل حب، لكنه لا يحمل واقعيتها كمدة زمنية. هذا الانتظار الطويل، يجعل من الفعل معنى تراجيدي قاسي بالنسبة للشخوص. أي جنون ذاك!.

أهمية حب فلورينتينو وطابعه التراجيدي، ناتج عن موت الزوج “خوفينال”.
إذاً نحن نتعامل مع مثلث ومجموعة احتمالات. (فلورنتينو، فيرمينا، خوفينال). الحب مجسّداً وظاهراً مبني على موت الزوج قبل الحبيب. ذاكرة فيرمينا لن تعود لاستذكار الحبيب لولا موت الزوج.
الموت هو الذي أعاد الحب للظهور.
هذا الطرح الوجودي، هو ما يميّز الحب في زمن الكوليرا، عن أي عمل آخر. إننا لا نتعامل مع نص مولّه بالشخوص فقط، بل نتعامل مع زمن شاسع وصدفة عشوائية أباحت لنا استدراك تفاصيل مطلقة للنزعات البشرية الغامضة التي لولا الموت لم نكن لندركها.

خلال حياته بأسرها لم يفّكر فلورنتينو بانتظاره واحتمالية موته، إلا في لحظة موت خوفينال. فكان لا بد من الإسراع في قول ما أراد لفيرمينا. الفعل الأكثر حماقة ومراهقة لشخص عاشق في السبعين من عمره.

هذه الحكاية هي جوهر الرواية، لكن في جانب آخر ومن حيث المثلث السابق للشخوص، يُجسد خوفينال المعنى المتقدّم لمنطقة الكاريبي، فهو الطبيب العائد من فرنسا ليعالج بلاده من مرض الكوليرا. حيث يقع في غرام فيرمينا، أثناء محاولة معالجتها من الكوليرا.
يُحدّثنا ماركيز عن هاجس خوفينال وطبيعة علاقته مع ذلك المرض:
– صارت الكوليرا هاجسه، لم يكن يعرف عنها شيئاً أكثر مما يتعلّمه بشكل روتيني في دورة هامشية.
خوفينال كان يمتلك الرؤية التي قضت على والده قبله بالكوليرا. كان مستسلماً لذلك القدر:
– سيصل حوفينال أوربينو إلى السن التي كان فيها أبوه في ذلك اليوم. كان يعرف أنه يشبهه تماماً، ولوعيه بأنه كذلك، ارتقى الآن إلى الوعي المرعب بأنه سيفنى مثله أيضاً.
علاقة خوفينال مع الكوليرا، هي علاقة موت مؤجل، ومغامرة، وبطولة من نوع خاص. فخوفينال يُمثل حالة رقي اجتماعي ونضالي ضد فكرة الموت الكاسح، رغبته في إكمال مسيرة أبيه، والقضاء على المرض. وهو ما أباح نسبياً لفلورنتينو بإقناع نفسه أنه سيحصل على فيرمينا ذات يوم.
هل رغبة فلورنتينو بموت خوفينال انتقامية؟. قطعاً لا. بل هي إدراك عميق لطبيعة خوفينال النضالية. لقد التزم فلورنتينو أخلاقياً اتجاه فيرمينا وزوجها لأنه يريد بناء ثروة يصبح من خلاها جديراً بحبيبته، وإلى ذلك الحين سيموت خوفينال.
هذه الرؤية الشاملة براغماتية بطبيعتها. ففلورينتينو مارس ستمائة وعشرين علاقة جسدية مع عشيقات، وبنى ثروته، وفي نفس الوقت كان ينتظر موت المناضل، مع احتفاظ بعشقه.
رغم أن ماركيز يجسّد نمطاً حكائياً لعشق غريب، لكن هذا النمط يتخلله عنصر من التلاعب الروحي والأخلاقي. لا يمكن نكران عشق فلورنتينو، لكن بالمقابل لا يمكن القطع بأنه عشق وفيِّ بمبدئية مطلقة.
لقد تعامل ماركيز مع الحب المطلق كسلوك طبيعي قابل للخطأ والانتهازية والاستفادة منه دون الإخلاص له بالمعنى اللاهوتي. نحن نخلص لكن لا يعني ذلك أن نموت في الواقع بالتعفف.

مصدر رواية الحب في زمن الكوليرا، غابرييل غارسيا ماركيز، ت. صالح علماني، دار التنوير.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!