جدار برلين

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تقديم

لا تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى التعريف بجدران الفصل بين البشر في العصور القديمة والمعاصرة بشكل عام؛ بل هدفها استحضار أشهر الجدران التي أقيمت لغايات متعددة، وتتجلّى وظائفها في تحقيق غايات لا عنفية.

بمعنى أنها ليست استراتيجية حربية في النزاعات المسلحة فقط، بل إنها تبنى حيث لم تستطع الحرب وكذلك جهود السلام إيجاد حل للصراع بين طرفين متنازعين، فتغدو بذلك قوة ردع أكثر منها قوة دفاع، وبالتالي فإننا نجد تصنيفها عند الكثير من الخبراء بوصفها قوة ناعمة.

وقد بات معروفاّ أنّ الحرب الحديثة قد خففت من تلك الجدران العنفية كوسائل فاعلة في النزاعات المسلحة، بينما جدران الفصل، رغم أن القانون الدولي والميثاق الدولي لحقوق الإنسان ببنود كثيرة يعدان ذلك خرقا كبيرا، ماتزال تتزايد سواء بإنشائها أو الدعوات المروجة لها، مثل ما يقوم به الآن رئيس الولايات المتحدة “ترامب” من حيث إصراره على بناء الجدار الفاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع تدفق المهاجرين إلى الولايات المتحدة، ومن حيث دعوته حكومة إسبانيا لبناء جدار عازل في الصحراء الكبرى لمنع أمواج الهجرة الواسعة إلى إسبانيا.

وفي هذه المقالات، سنقوم بتسليط الضوء على أشهر جدران الفصل (العزل) قديما وحديثا، والتي أقيمت بين طرفين يختلفان بالواقع التاريخي اقتصاديّاً، أو اجتماعيّاً، أو سياسيّاً، أو فكريّاً، أو اثنيّا، وذلك من خلال التعريف باسم الجدار وبالأقوام الذين هم على طرفيه، وكذلك التعرف على مكانه وزمانه، والوقوف على أسباب بنائه ومآلات الفصل.

تقسيم ألمانيا

إثر نهاية الحرب العالمية الثانية على الجبهة الأوروبية في مايو/أيار 1945، وبهزيمة ألمانيا بزعامة أدولف هتلر؛ بدأت تظهر التناقضات القائمة بين دول الحلفاء المنتصرة (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي)، فاختلفوا بشأن مصير ألمانيا المنهزمة وقرروا تقسيمها إلى بلدين هما جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) وجمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية).

البدء ببنائه

كان من نتائج ذلك التقسيم أن صارت العاصمة برلين شطرين كلّ منهما عاصمة لإحدى الدولتين، وأصبحت برلين بؤرة الصراع بين قطبيْ الحرب الباردة (واشنطن زعيمة المعسكر الرأسمالي وموسكو قائدة المعسكر الشيوعي)، وبالتالي أضحت ميدانا للمعارك الاستخباراتية بينهما مما استوجب تبادل الحذر من تسلل الجواسيس عبر الحدود.

وفي يوم 13 أغسطس/آب 1961 أصدر رئيس ألمانيا الشرقية الشيوعية فالتر أولبريشت -بتشجيع من موسكو- أمره بالبدء في تنفيذ “عملية روز” لتشييد “جدار للحماية من الفاشية والتجسس وأعمال التخريب القادمة من الغرب”، وذلك عند الخط الفاصل بين شطريْ برلين للحد من الهجرة التي كان معدلها يوميا يصل إلى ألفي شخص.

بداية العمل ببناء جدار برلين( ثقافة أونلاين)

تحصيناته

جاء قرار بناء جدار برلين بعدما غادر أكثر من 2.5 مليون شخص ألمانيا الشرقية -التي كان عدد سكانها آنذاك 19 مليون نسمة- إلى غريمتها الغربية، فأصبح الجدار حاجزا يسمح بالتحكم في انتقال سكان ألمانيا الشيوعية إلى المناطق التي تحتلها القوات الغربية الحليفة، ومنعهم من الفرار عن طريق برلين الغربية التي كانت آنذاك تمثل جيبا رأسماليا.  امتدّ الجدار بطول 186 كيلومترا، ووصل ارتفاعه إلى حوالي 12 مترا، وشارك في تشييده أكثر من عشرة آلاف جندي ألماني شرقي (بعض المصادر تقدر عددهم بـ40 ألف جندي وشرطي)، وجرى تحصينه وترميمه عبر السنين.

ولحمايته، أنشئت حوله منطقة عسكرية وخُصّص ممّر للدوريات الأمنية، وسُيجت “بوابة براندبورغ” (الواقعة في برلين الشرقية) بجدار سميك طوله ثلاثة أمتار، وأقيمت نقاط للمراقبة الأمنية أشهرها “نقطة مراقبة شارلي”. كما وُضع شرقي الجدار مسطح ترابي لإظهار آثار الهاربين من الشرق إلى الغرب، ورُكّبت مجسّات تقنية وأعمدة إنارة لكشفهم، وأعطيت لفرق المراقبة الحارسة أوامر بإطلاق النار على المتسلقين حتى ولو كانوا أطفالا أو نساءً.

محاولات اجتيازه

وتفيد تقديرات بأن زهاء خمسة آلاف شخص نجحوا في اجتياز الجدار عبورا من شطر المدينة الشرقي إلى نظيره الغربي، وذلك من أصل 10 آلاف شخص حاولوا اجتيازه. بينما قتل 136 شخصا قرب الجدار أثناء محاولتهم العبور. وخلال سنوات 1945-1961 تمكن نحو ثلاثة ملايين مواطن بألمانيا الشرقية (خاصة من العمال ذوي المهارات الفنية العالية) من الهرب إلى ألمانيا الغربية عبر نقاط التماس في برلين المقسمة، مما جعل حكومة ألمانيا الشرقية تقيد سفر مواطنيها للحد من هذه الظاهرة المتزايدة -رغم دوريات الحراسة وأنظمة الإنذار الإلكترونية- بسبب عوامل ليس أقلها الوضع المعيشي المتباين المستوى بين الدولتين. لكن الألمان الشرقيين واصلوا -طوال ثلاثة عقود- محاولاتهم للانتقال إلى الغرب بكل الوسائل من الاختباء في آليات إلى حفر أنفاق أسفل الجدار الذي كان يفصلهم عن عائلاتهم وأصدقائهم، فنجح الآلاف منهم في الفرار وأخفق آلاف آخرون.

بدايات تجاوز الجدار ومحاولات هدمه (روتانا)

وبدءا من 1 أكتوبر/تشرين الأول 1973 وُضع نظام مراقبة يتيح لفِرق مراقبة الجدار إطلاق النار مباشرة على محاولي اجتيازه مهما كانوا، وقد قـُتل 136 شخصا برصاص حرس الحدود أثناء محاولاتهم اجتياز الجدار، بل إن مؤرخين يقدرون عدد الذين قتلوا خلال هذه المحاولات بما بين ستمائة وسبعمائة شخص. وخلال الشهور الأولى من عام 1989، شهدت ألمانيا الديمقراطية هروبا شبه جماعي (قـُدر بأكثر من 50 ألفا) إلى النمسا عبر المجر طلبا للجوء السياسي، وهو ما أطلقت عليه “نيوزويك” الأميركية في حينه “الهروب الكبير”، فكان ذلك أحد الأسباب الممهدة لانهيار جدار برلين.

لحظة التدفق بين جانبي الجدار (جوكارو)

سقوط الجدار

في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 1989 خرج عشرات الآلاف في مظاهرات بألمانيا الشرقية ضد نظامها وما لبث عدد المشاركين فيها أن ارتفع إلى مليون، مما اضطر معه المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الحاكم إلى الاستقالة. وفي مساء 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989 أعلنت برلين الشرقية فجأة سقوط جدار برلين وفتح الحدود بين الألمانيتين على مصراعيها، فباشر المئات من الألمانيين هدم أجزاء من الجدار بمعاول بدائية منتقمين من الحاجز الذي حبس حريتهم عقودا، وتدفق عشرات الآلاف خلال ساعات إلى ألمانيا الغربية عبر “بوابة براندنبورغ” الشهيرة. وأعلنت سلطات ألمانيا الغربية فجأة فتح العبور بين شطريْ برلين للراغبين فيه مساء 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، ولكن عملية هدم الجدار لم تبدأ إلا في 13 يونيو/حزيران 1990 واستغرقت سنتين لإزالة كل التحصينات الحدودية القريبة من برلين.

هدمه رسميّا

وفي 13 يونيو/حزيران 1990 بدأت رسميا عملية هدم جدار برلين الذي قال عنه ذات يوم رئيس ألمانيا الشرقية السابق أريك هونيكر (حكم من 3 مايو/أيار 1971 إلى 18 أكتوبر/تشرين الأول 1989) إنه “سيبقى مائة عام”. وقد مهّد هذا الحدث التاريخي الكبير لإعلان إعادة توحيد شطريْ ألمانيا يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول 1990. فقد قرر الشباب الألماني الشرقي التخلص من العزلة التي فُرضت عليه، وتحدي تقسيم الوطن الواحد بسبب الأيديولوجيا وصراعات القوى العظمى، كما قدّم الشعب الألماني نموذجاً رائعاً لكيفية إعادة تحقيق الاندماج بين شطري بلده وتكوين دولة موحدة استطاعت أن تنمو لتكون أكبر قوة اقتصادية في القارة الأوروبية بلا منازع، وتحولت برلين التي كانت، لنحو ثلاثة عقود، مركزاً للحرب الباردة والمواجهات الأيديولوجية بين القطبين الكبيرين، إلى رمز لوحدة ألمانيا، وشعاع أمل مضيء لمستقبل أوروبا كلها. وهذه التجربة تمثل، بلا شك، درساً مهماً للشعوب التي تتناحرها الصراعات والانقسامات الطائفية والعرقية والأيديولوجية، وتبحث عن سبيل للتوافق والسلام والاستقرار، أو تلك التي تعمل على إقامة جدران الفصل والعزلة فيما بينها لأسباب دينية أو عرقية أو طائفية، فمهما كانت شدة الانقسامات وحدّتها، فإنه يمكن تجاوزها إذا توافرت إرادة التوافق والوحدة. وقد كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل معبّرة بصدق عن هذا المعنى في كلمتها، في العاشر من نوفمبر 2014، بمناسبة الذكرى الـ25 لانهيار الجدار التي اعتبرت فيها أن هذا الحدث يمثل رسالة أمل إلى مناطق النزاعات والأزمات حول العالم، وأنه بالإمكان إسقاط «أسوار الديكتاتوريات والعنف والأيديولوجيات والعداوات» مثلما تم إسقاط جدار برلين.

تحطيم جدار برلين (النهار)

دروس للعالم

والدرس المهم الآخر لتحطيم جدار برلين، هو أنه لا يمكن لأي حواجز، مهما كانت قوتها، أن تقف أمام تفاعل الثقافات والأفكار أو تمنعها من الانتقال والحركة والتأثير، ولذلك، فإن الذين يريدون إعادة بناء هذه الحواجز، إنما يجهلون فلسفة التاريخ ومنطق التطور. إن آخر ما يحتاج إليه العالم خلال المرحلة الحالية من تاريخه، إقامة الحواجز، سواء المادية أو الثقافية، بين دوله ومجتمعاته، في وقت تواجه فيه البشرية من التحديات الوجودية ما لا يمكن مواجهته إلا من خلال تعاون عالمي تشارك فيه كل المجتمعات والأفكار والثقافات، يُشار إلى أن أطول قطعة متبقية من “جدار برلين” (طولها 1300 متر) تحولت عام 1990 إلى معرض للرسم مفتوح أمام الجميع باسم “معرض الجانب الشرقي”. ويستأثر المعرض -الذي يضم 105 لوحات رسمها 118 فنانا تشكيليا من 21 دولة- باهتمام المواطنين الألمان والزائرين الأجانب في الاحتفالات التي تشهدها البلاد سنويا لتخليد ذكرى سقوط هذا الجدار الشهير.

بقايا الجدار تتحول إلى معارض غرافيك (موقع arab trip)
مصدر الجزيرة نت صحيفة الاتحاد الإماراتية
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!