المبالغة الدرامية ضرورة في مواجهة الخوف

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

يمكن أن نصف حياة البشر بأسرها، بكل ما تحمله من قوانين لتنظيم تلك الحياة والأفكار والفلسفات، أنها تقوم على عنصر وشعور واحد، وهو الخوف بمعناه الشمولي. الخوف من الطبيعة لدى الإنسان البدائي، والخوف من الأفكار التي اخترعها الإنسان المتقدم، والخوف من المستقبل لدى الإنسان المعاصر.

ما يحكمنا فعلياً هو الإحساس المطلق بضعفنا وهزالنا داخل هذا الكون، الذي كلما أصبحت معرفتنا به أوسع، ازداد شعورنا الضمني باللا معرفة والفشل، وانقلبت مشاعرنا لتحقيق الذات في صورة السيطرة على بعضنا البعض كفعل مضاد للخوف.

إن جميع الأفعال البشرية منطلقها ذلك الخوف الضمني من كل شيء، خوف ابتدأ بالتفسير للمجهول المحيط به، وما زال مستمراً رغم كل التقدم الذي حظيت به الإنسانية.

وما يفسر هذا الخوف هو المنطق المضاد في محاربته الذي يتجلى فعلياً بميزة أساسية داخل الجنس البشري، وهي القدرة على اختلاق المبالغة الدرامية في الحياة، أو ما يمكن لنا تسميته بالقص التخيلي، والذي من خلاله أصبح كل شيء مرتبط بتأليف الحكاية وإضفاء الطابع الكارزماتي على تلك الشخوص المتخيلة والأحداث المحيطة بها.

إن أخذنا نظرة عامة حول التاريخ البشري، نستطيع أن ندرك بسهولة بأنّ ما يميزنا كبشر هو قدرتنا على التآلف مع ما نطرحه من أفكار تسيّر حيواتنا كقصص متنوعة.

فمثلاً ما نؤمن به في كتبنا المقدسة هي بوضوح عبارة عن قصص تهذيبية في الصبر والإيمان والأخلاق. حتى التعبير عن عواطفنا لتأسيس أشكال الاستمرار مع الكيانات الأخرى، تقوم في جوهرها على افتعال السرد القصصي الممتع، التعبير عن الحب والجنون والمرح. جميعها تمتلك تلك الخاصية من القص.

جميع الأفعال البشرية منطلقها ذلك الخوف الضمني من كل شيء، خوف ابتدأ بالتفسير للمجهول المحيط به، وما زال مستمراً رغم كل التقدم الذي حظيت به الإنسانية.

تلك المبالغات الدرامية في حيواتنا تجعلنا ننطلق لمستوى أعلى في التعلّق مع حكايات من نوع قد تصل لحدود الأساطير؛ إننا نحب الأساطير لأننا نريد ما يملأ أدمغتنا بما هو فوق طبيعي، إنه صورة خارجية عن العقل المحدود بالفعل المادي والأرضي، نحتاج ما يجعلنا نحارب خوفنا بقيم تخيلية تزيد من فرصنا بالاستمرار.

إن طبيعة القص منذ نشأته البدائية يتعامل مع القيمة الإنسانية كصورة مضمنة للخوف وباحثة عن التفسير، لذا فهي تمتلك خاصية المبالغة الدرامية التي تجعلنا أكثر انفعالاً وتحمساً لكل ما يقال.

ويمكن أن نفهم هذه المبالغة الدرامية عند المعاصرين مثلاً في البحث عن التاريخ، إن أخذنا الشكل الأكاديمي (رغم التبرير الطبيعي كعلوم قائمة بذاتها)، فمحاولة المعرفة عن الأحداث والشخوص الغامضة تصيب التخيل برعشة الاكتشاف. ذات الأمر ينطبق على البشر العاديين، فكثير ما نشعر برغبة عميقة حول أحداث تاريخية نتمنى أن تكون مخالفة لما هو مطروح، فمثلاً نشعر برغبة عارمة ألا يكون هتلر قد انتحر وبأنه قد هرب واختبأ بمكان ما، رغم انه بالمستوى الأخلاقي العادل يجب أن نشعر بالسعادة لانتهائه لكن مع ذلك نتمنى أن يحيا. ولأربعين عاماً كانت منطقة الجزر المشكلة لبرمودا لغزاً يجعل العقل يفكر بغرائبية المؤامرة على الإنسانية، وعندما تم كشف حقيقة الأهرامات البلورية في أسفل المحيط، انتهت أسطورة المؤامرة وابتدأت النزعة للحضارة المفقودة في قاع الأطلسي. أو مواضيع متنوعة مثل خندق ماريانا أو القطب الجنوبي أو الكائنات الفضائية أو منطقة روزويل أو حتى تحديد مكان طروادة أو مقامرة دويستوفسكي ومرض بروست وهذيان كافكا وتبول بيتهوفن على نفسه وانتحار هيث ليدجر بعد توهمه لتأديته شخصية الجوكر. جميعها تأخذ منطق المبالغة الدرامية المتفوقة والتخيلية المغايرة عما نعرفه.

نعيش في عصر مؤامراتي ومتفوق بنزعاته الدرامية لأننا نريد أن نحارب خوفنا غير المعلوم من الحياة بالشعور من المجهول والاحتماء وراء فكرة الميتافيزيقا التي ترأف بنا وأنجبتنا للحياة بهدف الخلود.

هذه النزعة البشرية لتأليف الحكاية، هي أحد الأشكال التي نحارب فيها الخوف الأصيل من كل شيء غير مفهوم. وواحدة من أهم تلك النزعات، هي مفاهيم المؤامرة التي تختلقها الإنسانية في كل المجالات.

في حديث مع أحدهم، كان يقول بشأن كذب وكالة ناسا حول الفضاء الخارجي، ومحاولته تضخيم ما لا نعرفه. هذا النموذج هو واحد من مليارات آخرين يؤلفون منطق المؤامرة الغربية على الشعوب، دون أن يفهموا ببساطة أن المسألة هي أن وكالة ناسا مضطرة للكذب ليس لأنها تخفي شيء فعلياً (مع الاعتبار أن هناك بعض الأشياء التي لا يجب طرحها للعامة) لكن كذبها لأنها لا تعرف الكثير من القضايا، إنها بشكل كبير تجهل الكثير من المواضيع، لكن الاعتراف بذلك الجهل سيضع الوكالة وجميع داعميها أمام مساءلة شعبية بشأن الضرائب والأموال التي تؤخذ من الناس في سبيل دعم المشاريع.

إننا في عصر مؤامراتي ومتفوق بنزعاته الدرامية لأننا نريد أن نحارب خوفنا غير المعلوم من الحياة بالشعور من المجهول والاحتماء وراء فكرة الميتافيزيقا التي ترأف بنا وأنجبتنا للحياة بهدف الخلود.

إن النزوع الدرامي وتأليف الحكايات هو جزء من طبيعتنا البشرية التي تمتلك الخيال مقارنة بأي كائنات أخرى كضرورة لتجاوز الخوف الشامل، لكن بصورة أخرى يجب أن نفهم ذلك النزوع التخيلي والسيطرة عليه كي لا نقع فريسة الاستسلام لخوف من نوع آخر يأخذنا نحو الحرية الوهمية من بند العبودية.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!