مرض روسي لا شفاء منه

0
بقلم: أرنست خوري

في هذا المقال يكشف الكاتب أرنست خوري عمّا يسمّيه المرض الروسي، ويقصد به صمت اليسار الرسمي عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الأنظمة بحجة تحقيق الأهداف السامية، وهذا الكشف يأتي من خلال تعميم نموذج اليسار الرسمي الروسي على الكثير من أشباهه، في موقفه من اعتقالات موسكو للمعارضين في التظاهرات الاحتجاجية الأخيرة ضد رفض الحكومة قبول ترشيحات منهم، إذ لم يحرّك ساكنا، تماما مثل أقرانه في الوطن العربي والعالم، بل راح يبرّر القمع الدموي في كل مكان، مثبتاً يوما ً بعد يوم إصابته بهذا المرض، ولنتعرف مع الكاتب على هذه الأعراض.
نقرأ معاً.

لم يخيّبنا أي حزب يساري رسمي “مُعتبَر”، في الغرب أو عندنا عربياً، أمام الحدث الروسي الأخير. آلاف الاعتقالات بتهمة التظاهر احتجاجاً على رفض الحكومة الروسية قبول ترشيحات من المعارضة لخوض الانتخابات البلدية في موسكو. عنف دموي يليق بالإرث السوفييتي يُبث مباشرة على الهواء لكنه لا يحرك ساكناً عند أهل اليسار “الرسمي”. كله يضاف إلى تراكم تصفيات جسدية، لمعارضين داخل روسيا وخارجها، وارتفاع قياسي في عدد السجون، وقفزات أكروباتية لنسب الفقر العزيز على قلوب معشر الحالمين بعودة السوفييت، مع ما يرافق ذلك بالضرورة من إثراء أوليغارشية المحيطين بفلاديمير بوتين ورفاقه، واتساع حروب روسيا في الخارج، مباشرة أو عبر مرتزقة الشركات الخاصة التي تدور بدورها في فلك المقربين من الكرملين.

لكن مع ذلك، لا داعي لأن يتعب متابع أو صحافي في البحث عن موقف رسمي يدين هذا العنف أو تلك الديكتاتورية، يكون صادراً عن أحزاب اليسار الأوروبي وفتات ما تبقى من جماعات شيوعية، كتلك المجموعة اللبنانية المتخصصة في الدفاع عن إيران وحزب الله ونظام بشار الأسد.

الدفاع عن القمع والقتل والحروب والتوسع الاستعماري، رياضة يومية قديمة ارتبطت ولا تزال بمعظم اليساريين “الرسميين” لتبرير تحقيق “الأهداف السامية”. والأهداف السامية طبعاً لا صوت يعلو فوق ضجيجها. لا همّ إن قُتل الآلاف في سبيل القضية الكبرى.

كلّما كان بوتين يمينياً في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، كلما أحبّه اليساريون الرسميون أكثر، ربما لعقدة نقص دفينة لديهم تجاه اليمين الذي يناصبونه العداء نهاراً، ويتمنون لو يفتح لهم جناته ليلاً.

لكن العار ذاك يتفاقم بمنحى عكسي لانحدار وزن اليسار الرسمي حين يتعلق الأمر برصد الخط البياني الذي ترسمه روسيا منذ تسلم فلاديمير بوتين أشلاء الاتحاد السوفييتي المنهار، ليشيد على أنقاضه الاتحاد الروسي الذي يريده صاعداً على أسس قومية شوفينية، ليبرالية اقتصادياً، سوفييتية في كل ما يتعلق بالحريات العامة، مسيحية أرثوذكسية دينياً، عنصرية في نظرتها للاجئين وللمسلمين تحديداً، تجاهر، وحدها ربما من بين الأمم، برفض استقبال أي هارب من القتل والجوع والاضطهاد، لا لشيء إلا لأنها تنظر بدونية واحتقار للغريب المختلف.

كلّما كان بوتين يمينياً في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، كلما أحبّه “اليساريون الرسميون” أكثر، ربما لعقدة نقص دفينة لديهم تجاه اليمين الذي يناصبونه العداء نهاراً، ويتمنون لو يفتح لهم جناته ليلاً. يطلق بوتين حملة ضد الحزب الشيوعي الروسي نفسه، فتجد شيوعيي معظم الأحزاب الرسمية يتثاءبون في انتقاد التضييق على رفاقهم، ذلك أن مشكلتهم الوحيدة مع بوتين اقتصادية بحتة، فيا ليت يعود الرجل عن سياسات الخصخصة وفتح الأسواق والمزايدة في النيوليبرالية الاقتصادية ليحلّ الحزب الشيوعي الروسي نفسه، ويعلن ذوبانه في حزب بوتين “روسيا الموحدة” مثلما حلّ الحزب الشيوعي المصري نفسه نزولاً عند طلب جمال عبد الناصر.

وكلّما أطلق بوتين تصريحات عنصرية، ورفع مندوبه في مجلس الأمن ورقة الفيتو ضد إدانة إبادة الروهينغا مثلاً على يد جيش يمثل حكم بورمي يميني قومي متدين، وجد أهل اليسار الرسمي ابتساماتهم المفقودة وهم يتمتمون: كل شيء يجوز نكاية بأميركا.

وللنكاية بأميركا قصة طويلة مع أمراضنا اليسارية المزمنة. صارت هي القضية الكبرى التي تستحق من أجلها أن نضحّي بالشعوب ونناصبها العداء، وهو ما يدركه جيداً فلاديمير بوتين، فيلعب على وتره ليراكم التضامن والتأييد من كل أعداء أميركا في العالم، وما أكثرهم. تقول أميركا إنها مع الديمقراطية في مكان ما، فنكون ضدها بطبيعة الحال، وكأن الديمقراطية لا تتسع لتأييد كل منا. نحن الحليب وأميركا السمك، والحليب والسمك لا يلتقيان طبعاً. تتحول موسكو إلى عاصمة لليمين المتطرف الأوروبي، فيخرس أهل اليسار الرسمي وتجف أقلامهم لبضعة أيام، ظناً منهم أن أحداً في العالم لا يزال يعبأ بتعليق قد يصدر عنهم، وهم لا يعلمون أننا وحدنا، نحن المشفقين على ما انتهى إليه اليسار “الرسمي”، نتابع تهافتهم، فمرضنا لا شفاء منه.


أرنست خوري: صحفي لبناني

مصدر المادة منشورة في صحيفة العربي الجديد بتاريخ 7 آب/ أغسطس 2019
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!