مازن عرفة في سرير على الجبهة يكتب حكاية الموت والقمع

الراوي يتحدث عن التنوع الديني والطائفي، يدين هذه الولاءات كلها، ويعتبر نفسه علمانيا خارجها كلها، يعتبرها ضمنا هي المسؤولية عن الاختلاف والصراع الاجتماعي.

قراءة في رواية: سرير على الجبهة.

0

الكاتب: مازن عرفة.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: نوفل هاشيت أنطوان/ ط١، ورقية، ٢٠١٩م.

سرير على الجبهة؛ هي الرواية الثانية التي يكتبها الروائي مازن عرفة، التي تطال واقع الثورة السورية، بعد روايته الغرانيق (التي قرأتها وكتبت عنها)، تعتبر الجزء الثاني المكمّل للغرانيق. من جهة الحدث الروائي، الغرانيق تتحدث عن الثورة ودوافعها في بلدة نموذج في سوريا، وكيفية تحرك الشباب وتطور نشاطهم الثوري السلمي والوصول إلى التظاهر ضد النظام الذي يواجههم بالعنف، ويؤدي لاحتلال البلدة من قبل العسكر، هنا تنتهي رواية الغرانيق، وتبدأ رواية سرير على الجبهة من احتلال العسكر لبلدة الراوي.

تبدأ الرواية من مجيء العساكر ببدلاتهم المموهة، وأسلحتهم المتنوعة؛ من السلاح الخفيف إلى الدبابة، محتلة البلدة التي ثار أهلها، استشهد من استشهد، هرب أغلب أهل البلدة حاملين بعض أمتعتهم وأطفالهم، بقي فيها القليل ممن عجز عن الهرب من الشيوخ والأطفال والعجّز وبعض مؤيدي النظام من المخبرين وطائفة النظام، وبعض أبناء الطوائف الأخرى.

البلدة تاريخيا متنوعة، زاد تنوعها مجيء أبناء ريف الساحل السوري “العلويين”، انتشروا حولها، الفقراء منهم في بيوت عشوائية محيطة بالبلدة سوار من بيوت الصفيح، والضباط منهم في مساكن عسكرية منظمة، بناها لهم الجيش الذي ينتمون له، بصفته جيش الجنرال القائد بدءاً من الأب حافظ الأسد وصولاً إلى الابن، رمزا للوطن، معه حتى النهاية، يتقاسمون البلاد وخيراتها، ولمواجهة الشعب الذي ظهر أنه العدو الذي يجب القضاء عليه. بطل روايتنا الوحيد هو؛ هذا المواطن الساكن في مركز البلدة وساحتها، جاء العسكر بدباباتهم محتلين البلدة، وأعادوها إلى ولائها للنظام والجنرال بقوة السلاح.

صاحبنا هو الشاهد والراوي لم يغادر شقته في البناء الذي أصبح مركزا عسكريا وأمنيا، لكن زوجته وأطفاله، لم يحتملوا وجود الجيش في بنائهم، ولا إطلاق النار الدائم في كل الاتجاهات، ولا الاعتقالات العشوائية والتحقيق التعسفي المقترن مع التعذيب، المصاحب للصراخ والتألم، المؤدي للموت في أغلب الأحيان. سرعان ما غادرت زوجته وأطفاله الشقة إلى مدينة أخرى، ثم غادروا خارج البلاد، كما أغلب السوريين الذين تحولت مدنهم إلى ساحة حرب واستهدفت حياتهم، ففروا بها إلى المجهول، الذي سيبتلع أغلبهم.

الشاهد الروائي سيعيش مع هذا الكابوس، دون قدرة على مواجهته، أو مغادرته، الحدث الروائي ساكن سكون الموت، يعود الراوي بذاكرته إلى طفولته وصحبة جدته وحكاياها، البلدة الزراعية، الفاقدة الماء، أشجارها يابسة وماؤها غائر، ينابيعها نشفت، وبقيت الأرض عطشى يباب.

الشاهد الروائي سيعيش مع هذا الكابوس، دون قدرة على مواجهته، أو مغادرته، الحدث الروائي ساكن سكون الموت، يعود الراوي بذاكرته إلى طفولته وصحبة جدته وحكاياها، البلدة الزراعية، الفاقدة الماء، أشجارها يابسة وماؤها غائر، ينابيعها نشفت، وبقيت الأرض عطشى يباب.

يعود صاحبنا دائما لحالة مزمنة من غياب الإشباع الجنسي من زوجته، يترصد كل النساء حوله، يحلم بهم دوما في جنس معاش على شكل أحلام يقظة خائبة دوما. لا يغيب عن ذهنه أن بيته والبناء كله أصبح ساحة حرب، يسكنه العسكر، وفوق ذلك بني فيه تمثال رمزي للنظام ممثلا بالبوط العسكري كحاكم ومعبود وإله متوّج، يصلّون له ويقبلونه، يحجّون له ويطوفون حوله.

يحدثنا صاحبنا عن وهم تحول الشعب إلى إرهابيين مجاهدين قتلة مجرمين، ليبرر النظام الفعل التدميري للبلاد والقاتل للعباد، والمشرّد لما تبقى من الناس في البلاد الثائرة. ولا ينسى التحدث عن استدعاء العسكر الحاكم للقوى الخارجية لدعمه، الروسي، والإيراني المشبع طائفيا شيعيا، الباحث عن زواج متعة، المنكّل والمجرم بحق الناس؛ من بقي من الناس، هذا غير العساكر والشبيحة من الطائفة العلوية الذين أخذوا صلاحية إذلال الناس وقتلهم واستعبادهم واستغلالهم دون أي محاسبة أو مساءلة.

يطل الراوي بهلوساته على التغطية الإعلامية لوسائل إعلام النظام على الحدث السوري كله، عبر نموذج متابعة حدث اجتياح بيته من قبل الإرهابيين، نجدته من الجيش حامي البلاد، كيف تقلب الحقائق ويتحول القاتل إلى ضحية والشعب المقتول بغالبيته “السنية”، المشرد والمظلوم إلى إرهابي يستحق القتل كل الوقت.

يطلعنا على مصير المناطق الثائرة، قُتل من قُتل، دمرت أغلب البلدات، ذكر لنا المعضمية وداريا نموذجا، هوجمت البلدات من العسكر والشبيحة، وسرقت كل مقتنيات بيوتها، فتحت سوقا كبيرة للمسروقات، سميت سوق السنة، لأنها سرقات من بيوت السنة الثوار المقتولين أو الهاربين المشردين. يحدثنا صاحبنا عن البلدة التي يحتلها العسكر وعن الناس الهاربين منها، والمعتقلين فيها، والموتى تحت التعذيب، والمؤيدين الذين يتقنون الخضوع والتذلل.

لم يكن أمام صاحبنا إلا أن يعيش حياته على امتدادها داخل نفسه، هواجس وكوابيس، هذيانات وأحلام يقظة وعقد دفينة تنتظر إشباعا لن يأتي.

يعيش حضور الجيش والعسكر كابوس على حياته وحياة البلدة ليس فقط في فترة الثورة، بل يعود بهذياناته إلى عقود خلت، وكيف استطاع الجنرال الزعيم (حافظ الأسد) القادم من جبال الساحل السوري مع طائفته العلوية الضعيفة المستضعفة، مع عقائدها الباطنية المختلف حولها وعليها، أن يستلم السلطة ويصبح السيد الأول لسوريا، مستعبدا شعبها، ناشرا طائفته وعائلته ومناصريه في أرجاء سوريا، بعد أن حولها إلى مزرعته الخاصة، وحول الشعب السوري إلى أقنان وعبيد.

العسكر في مواجهة الثورة كانوا إرادة الإله الحاكم وقوته الباطشة، لذلك كان منزل صاحبنا موقع مزار للبوط العسكري رمزا للسلطة، حكمها وبطشها وجبروتها. يستعيد الشاهد تاريخه الشخصي في بلدته الريفية بأصالة الجدات، وجدته الأخرى في المدينة، بلدته التي غزاها العسكر والعلويين، بلدته المتنوعة طائفيا، المتعايشة سابقا، والتي فرزت لتكون بعضها مع السلطة ببطشها، والبعض ضحية هذا البطش.

الراوي يتحدث عن التنوع الديني والطائفي، يدين هذه الولاءات كلها، ويعتبر نفسه علمانيا خارجها كلها، يعتبرها ضمنا هي المسؤولية عن الاختلاف والصراع الاجتماعي.

الراوي منغمس في ذاته ينتقم من الظرف الذي وجد به عن طريق تفعيل الهاجس الجنسي في كل أحداث الرواية، جوع قديم غير قابل للإشباع، رد فعل على ظلم لا يمكن مواجهته، أحلام يقظة حول جنس مرغوب ومحتمل، مع الزوجة والجارات وصبايا الحارة، مع كل النساء، لكن واقع الحال أن الجنس عصي على الراوي، ويبقى أحلاما مستحيلة التحقيق.

الرواية بغياب الحدث المتحرك بالزمن، تعتمد على الكوابيس وأحلام اليقظة والهواجس والعقد النفسية والجنسية الحاضرة بقوة، تتعب النفس والروح والعقل، هي حكاية الموت والقمع والرعب والجحيم، المعاش يوميا.

يعاد سرد تاريخ القمع، لكن بطريقة انطباعية، فالظلم عريق منذ آدم ومرورا بتاريخنا العربي الإسلامي عبر مئات السنين، الظلم ساكن دائم في ديارنا. أسوأ ما أتت به ردة فعل النظام على الثورة، هذا الفرز الصراعي بين مكونات الشعب السوري، وكأن دبابات وطائرات النظام عندما دمرت بنية البلد المادية وقتلت جزءاً من الشعب، وشردت نصفه، دمرت معه روابط الشعب السوري، عاد ليكون سنياً وعلوياً ومسيحياً ودرزياً وإسماعيلياً وعربياً وكردياً وآشورياً الخ، ضمن معادلة تناقضية صراعية، رغم أنها من المفروض أنها تكاملية تغني تنوع الشعب في وطنه وأرضه.

لم يغب عن ذهن الراوي أن هذا الجيش بني لمواجهة عدو يغتصب بعض أرض الوطن (الجولان)، لكن النظام متفاهم مع العدو وسلاحه وجّهه إلى صدور الشعب. صاحبنا يمر على نتائج فعل النظام الوحشي مع الشعب عبر حكاية الأعضاء الجسدية المقطوعة كأشلاء بفعل حرب النظام على الشعب، التي يرسلها له صديقه لكي يعيد تركيبها ويصنع منها جسدا أنثويا من كل التنوع الطائفي والديني المجتمعي، جسدا يعيد إليه الحياة عبر قُبلة الحياة، يعيش مع هذا الجسد جنسا وحيدا مكتملا، في رواية تبلغ ما يزيد عن ثلاثمائة صفحة، كلها ممتلئة بهواجس جنسية محبطة ومرضية، الجنس المكتمل يحصل مع جماع أشلاء وبقايا أجساد نساء الوطن، المنتهكين والمقتولين والمقطعين، هذه الحالة الأسوأ لما حصل ويحصل في سوريا، وهي إيماءة لفكرة البلد البديل المتجاوز تقسيماته التقليدية، وقمع النظام، وبانيا حياتا أخرى أكثر إنسانية وحرية وعدالة. يمر الراوي على التدخلات الخارجية، وكيف أذكت نار الصراع، ونتائجه الخراب، الكل له دور في واقع حال التقسيم الحاصل لسوريا، مئات آلاف القتلى، ملايين المشردين، الخراب، الاحتلالات، الفقر المدقع وقوع سوريا كاملة تحت هيمنة الدول الكبرى والصغرى، خسارة ناسها لها. سوريا الحقة لم تعد موجودة.

تنتهي الرواية في فصل ختامي للراوي؛ يخبرنا بها عن بلده وكيف احتلها العسكر، وكيف تشرد أهلها، وكيف سيطر الأغراب والشبيحة والعسكر عليها، وكيف انتهى واقعها لتكون بلدة تأكل ما تبقى من أبنائها، وتغادر ذاتها لتكون ذاتا جديدة من الأغراب والبنى الطائفية والمؤيدين العبيد أو المنتفعين من النظام.

في تحليل الرواية نقول:

الرواية بغياب الحدث المتحرك بالزمن، تعتمد على الكوابيس وأحلام اليقظة والهواجس والعقد النفسية والجنسية الحاضرة بقوة، تتعب النفس والروح والعقل، هي حكاية الموت والقمع والرعب والجحيم، المعاش يوميا، لا أحداث تبدأ وتنمو وتتطور في مسار ما، هي واقع احتلال النظام وعساكره وشبيحته والأغراب الذين تم استحضارهم لاحتلال الفضاء السياسي والاجتماعي والروحي للبلد، كل ذلك مكتوبٌ بصيغة أحلام يقظة وكوابيس، هل نلوم مجنونا يحدثنا لساعات عن معاناته، لأننا لم نفهمه، متناسين مأساة جنونه وأسبابها وخواتيمها وما أصبحت عليه. كذلك واقع روايتنا، هي صورة عن العبث واللامعنى والرعب والخوف والصمت العلني والتحدث الباطني، رواية تفاعل الراوي مع هواجسه وكوابيسه وأحلامه وخيباته، ووهم صديق يحضر ليبرر حصوله على بقايا أجساد الناس ضحايا القتل والتدمير والتعذيب والتقطيع، ليعيد صياغتها لجسد جديد، يعني وطنا جديداً، يشبعه جنسيا، لأن وطنه السابق حرمه من كل حقوقه وأهمها: -رمزيا- الجنس كحاجة وجودية. لا أعلم إلى أي درجة نجح الكاتب في أن ينقل لنا معاناته، عبر نص “مجنون”، لكننا في عصر الرواية المتنوعة جدا، لكل رواية بصمتها الخاصة وحضورها المميز.

نحن أمام عمل مختلف سيثير الكثير من الحديث، قدم به الكاتب الجهد الكبير. الأهم فيه أنه يلقي الضوء مجددا على واقع المأساة السورية بكل تبعياتها. هذه نقطة مضيئة فيها، أما غير ذلك فهو متروك للقراء والنقاد.


مازن عرفة؛ روائي سوري، هذه روايته الثالثة التي نقرأها ونكتب عنها، منتمٍ للثورة السورية، ومنشغل بالواقع السوري وتفاصيله، يعبر عنه عبر كتاباته الروائية.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!