قراءةٌ في تداعيات التصعيد العسكري الأخير على إدلب

0
بقلم: د. محمد عادل شوك

يبدو أنّ التصعيد العسكريّ الأخير على إدلب، لن يكون كأيّ تصعيد آخر سبقه؛ نظرًا لما رافقه من هالة إعلامية، ولما عوَّلت عليه روسيا من مكاسب ميدانية، ولما نتج عنه من انكشاف غير متوقّع لمقاتلي الفصائل في شمال حماة.

ولولا التدخّل التركيّ الحاسم، في حمل هيئة تحرير الشام، على السماح للفصائل التي لجأت إلى منطقتي عفرين وغصن الزيتون، عقب تسع جولات من الاقتتال البينيّ معها؛ لكانت الأمور قد أخذت مسالك أخرى، ربما جعلت أجزاءً كبيرة من المنطقة تؤول إلى عهدة النظام، وصولاً إلى الطرق الدولية: M4، M5.

صحيحٌ أنّ هذه الحملة التي امتدّت على مدى تسعين يومًا، كانت نتائجها هزيلة لدى المخطط الروسي، ولكنها في المقابل أتت على كثير من الأرواح والمقدرات في الجانبين، وجعلت الأطراف المنخرطة في الملف السوري ترضى ولو بالحدود الدنيا، ممثلة بوقف هش لإطلاق النار، برهنت عليه المسارعة في الإعلان عن القبول به منها جميعها، ولاسيّما المحلية منها، بغض النظر عن الحملة الإعلامية التي كيلت للأطراف المشاركة في أستانا 13، وعن حملات التراشق التي عادة ما تتبادلها الفصائل فيما بينها عندما يحين استحقاق سياسي من نوع ما.

إنّ الأطراف المحلية في الملف السوري، لتدرك بالتساوي أنّ التفاهمات الروسية ـ التركية، حول الملف السوريّ قد تجاوزها النقاش، وهي تحظى برضا دولي، وأمريكيّ على وجه الخصوص، ولن تسمح كلتا الدولتين بالتشويش عليها، بعدما أصبحت صفقة S400 في طور التنفيذ.

إنّ الأطراف المحلية في الملف السوري، لتدرك بالتساوي أنّ التفاهمات الروسية ـ التركية، حول الملف السوريّ قد تجاوزها النقاش، وهي تحظى برضا دولي، وأمريكيّ على وجه الخصوص.

وإنّها لتدرك أيضًا أنّ ثمة أثمانٍ سياسية، ستضطر جهات لدفعها على المديين: المتوسط، والبعيد، وعلى وجه الخصوص: النظام بشخص الرئيس الأسد، وهيئة تحرير الشام بشخص الشيخ أبي محمد الجولاني؛ إذْ من المعلوم بداهة أنّه عقب أية تحرّكات لم تحقق أهدافها، يكون هناك استحقاقات أليمة تطال شخوصًا بعينها، يُشار إليها بالتعنت وعرقلة الحلول، على غرار ما كان للرئيس مبارك، وعلي صالح، وحتى بن عليّ، ومن بعده البشير، وبو تفليقة، ومحمد ولد عبد العزيز.

وما استئناف حملة التصعيد العسكري على إدلب ثانية يوم الإثنين: 5/ 8 الجاري، إلاّ نوع من الهروب من الاستحقاق المترتب على الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، وهو الأمر الذي لا يريد النظام مجرد التفكير فيه، مثلما هي الحال مع المؤتمر الصحفي للشيخ أبي محمد الجولاني، الذي أخذ يهيّأ نفسه لمرحلة قادمة، تتطلّب منه الابتعاد عن موقع الصدارة في الهيئة أو إدلب.

وليس أمر التسريبات عن خلافة الشيخ حسن صوفان له، بغض النظر عن الشكل الذي ستظهر فيه الهيئة، إلاّ نوع من تقبّل أمرٍ لا مفرّ منه بالنسبة لتركيا، كنتيجة من نتائج تفاهماتها مع روسيا، وكبرهان على سيرها في تطبيق بنود أستانا، يوضع على طاولة القمة الثلاثية المرتقبة في استنبول، لقادة هذا الاتفاق.

إنّ النظام، كما المعارضة، كما قادة الفصائل المسلحة؛ ليدركون ويعلمون أنّ إدلب بداية مرحلة، ليست ختام مرحلة تغيّرت فيها المعطيات الميدانية نوعًا لصالح أحد الأطراف، ومن غير المسموح إحداث خرقٍ آخر لصالحٍ أيّ منهم بعد الآن.

وإلاّ فإنّ سيل صواريخ الغراد التي تأتي إلى جبهة حماة، يمكن أن تصوّب نحو حلب، التي لا يفصل أحياءها عن خطوط التماس سوى مئات قليلة من الأمتار، وهو أمر تدرك إيران خطورته، بحكم أن حلب قد باتت تحت يدها إلى حدٍّ ما، مثلما لا تمانع فيه روسيا بعد جملة المواجهات التي كانت مع ميليشيات إيران مؤخرًا، مثلما تدرك قيادة الهيئة؛ أنّ الإرادة التركية لا يثنيها شيء عن المضي في اِلتزاماتها تجاه روسيا في إدلب، إذا ما قُدِّم لها من الضمانات ما يكفي لطمأنتها بتبادل الثقة بينها وبين شريكيها في أستانا.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!