من يكتب التاريخ في سوريا؟

0
الأيام السورية؛ خالد المحمد

ماذا لو انتهتْ الثورة السورية الآن… ماذا سيبقى من ذكرها، وماذا سيُقال عنها في صفحات التاريخ، وماذا ستسجل بحقها؟ وهنا السؤال الأهم: من يكتب تاريخ الثورة اليوم ومن يدوّن تاريخ سوريا؟

ما يقارب تسع سنوات مرتْ لم تكن عجافاً أيامها، وربما ما عاشتهُ الثورة خلال هذه السنوات يعادل عصراً كاملاً، بأحداثه وتحولاته وتحالفاته ومتغيراته، ولكنْ ما نلاحظهُ يومياً ومنذ اللحظة الأولى، أنّ النظام دأب على تشويه الثورة، وتزييف مسارها، والعمل عبر خططهِ، ورغم افتقاره للكفاءات، لكتابة تاريخ الثورة كما يريد هو، ليس أمام مناصريهِ فقط، بل أمام الخارج أيضاً.

اليوم التاريخ يُـكتب عبر الإعلام والدعاية الإعلامية، وتوجيه الرأي العام بتكثيف الطرح والأفكار والضح الإعلامي الممنهج، وهو ما دأب النظام على خلقهِ منذ بداية أزمتهِ عبر وسائلهِ التي كانتْ بدائية في تلك الأيام، لتتطور مع الثورة، عبر وسائل إعلام متنوعة، ومسلسلات وأفلام، وحملات ممنهجة، وجيش إلكتروني محترف.

عشرات المسلسلات التي أُنتجتْ من طرف النظام، وهي ترسم الصورة السوداء الدموية المتطرفة للثورة وعمالتها للخارج، دون أن يقابلها حملات مضادة احترافية من طرف المعارضة، حتى أن بعض الكتّاب والممثلين المعارضين لازالوا ينتجون أعمالهم في سوريا وتحت ظل النظام.

يضاف إليه الكثير من الأعمال العربية التي انتهجت نفس النهج بقصدٍ أو بدون قصد.

ولم يقصّر النظام أيضاً في إنتاج أفلام سينمائية ووثائقية بنفس الأسلوب والمضمون.

عشرات المسلسلات التي أُنتجتْ من طرف النظام، وهي ترسم الصورة السوداء الدموية المتطرفة للثورة وعمالتها للخارج، دون أن يقابلها حملات مضادة احترافية من طرف المعارضة.

قنوات النظام تصدح ليلاً نهاراً بتسويق أفكار النظام، والقيام بعمليات تجميل لجرائم النظام، وعمليات تشويه للثورة، عدا عن مئات المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، في ظاهرةِ تضخمٍ إعلامي مفاجئ، بعد أن عشنا عقوداً في ظل حكم الأسد بثلاث محطات تلفزيونية، وثلاث صحف كلها مستنسخة عن بعض.

هذه اللعبة التي أدرك النظام أهميتها، وعبر خبرته الطويلة في تزييف الحقائق وكتابة التاريخ كما يحلو له، بدءاً من انقلابهِ الذي جعل منه حركة تصحيحية صدّع رأسنا بإنجازاتها الخرافية، وثم هزيمة تشرين التي زيفها إلى حرب تشرين التحريرية، ونصر مؤزر تحت قيادتهِ، وثم أحداث حماة، وذبحه لآلاف الأبرياء فيها وفي السجون المغلقة، وتسويق الحدث كلهُ على أنه مؤامرة لتنظيمات عميلة، استطاع الانتصار عليها.

ولا يبعد عن الأمر عملية توريث عرش سوريا لابنهِ وإظهار التوريث على أنه مسيرة تطوير وتحديث، سبقه ضخ إعلامي كبير حول شخصية بشار الأسد الفذة، وغيرها الكثير مما لا يتسع المقام لذكره.

وحتى مرض أسماء الأسد بالسرطان، والذي أراهُ لا يتعدى أيضاً الدعاية الإعلامية، وخلق حالة تعاطف معها، ثم خروجها مؤخراً، وقد أعلنتْ انتصارها على المرض، ضمن موجة الانتصارات التي تحققها عائلة الأسد ونظامه في المؤامرة الكونية ضدهم.

جيش من الفنانين والكتّاب والصحفيين والمثقفين (سوريين وغير سوريين) توحدوا خلف إعادة تسويق النظام وتبيضِ صورتهِ داخلياً وعربياً، متمسكين بالدفاع عن النظام وقومجيته وممانعته، وعدم المس بهِ ولو بكلمة، ليس فقط على شاشات ومواقع النظام، وإنما على الكثير من المحطات العربية ذات المتابعة الواسعة، في وقتٍ لم نشهد ظهوراً لائقاً يمثل الثورة رغم الإمكانات الكبيرة المتاحة لها، فلم نرَ أعمالاً على مستوى عالي ودعاية قوية، تنافس دعاية النظام وتخلّد الثورة وتكتب تاريخها بصوتٍ واحد.

ثورة إذا ما قسنا الأموال التي أُنفقتْ عليها والكفاءات والعقول التي تمتلكها، ينبغي أن تملك اليوم امبراطورية إعلامية، ولوبيات اقتصادية وبشرية، قادرة على التأثير على سياساتِ الدول حتى، لكنْ خلال كل هذه الفترة لم نشهد سوى تجاذبات داخلية، وخلافات واتهامات وتخوينات بين أطراف المعارضة والمعارضين، وهو ما سيكون أيضاً جزءاً سيئاً يُكتب في تاريخ سوريا.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!