الميجانا نجمة الليالي التي لا يخلو منها مجلس غناء أو فنّ

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا (11)

0
الأيام السورية؛ سلام محمد

تعد الأغنية الشعبية قصيدة غنائية، يتداولها الناس في الوسط الشعبي، ويتوارثونها في مناسباتهم الاجتماعية.

وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص، بحسب المنطقة التي تظهر فيها، لكنها تنتقل، كما كل التراث الشفوي، من مكان إلى آخر، فيضيف الموقع الجديد نكهته الخاصة عليها، ولكن البنية الأساسية تبقى هي المسيطرة، وذلك على مرّ الأزمان.

والأغاني الشعبية وثائق اجتماعية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصور عادات الناس وتقاليدهم في المناسبات، فرحاً أو حزناً، كما تقوم بدورها الفني والجمالي في حياة المجتمع.
ويعكس الإرث الموسيقي لسوريا تاريخا حيا، وثقافات متنوعة تتجاوز السياسات والحروب الراهنة، فهذا البلد العريق ربما أعطى العالم أولى أغنياته، ويزخر التراث الشعبي السوري بأشكال كثيرة ومتعددة من القول الغنائي الشفاهي، والتي ما زالت مستمرة في حناجر الناس، مغنين وسامعين.

سوف نقوم في سلسلة مقالات بالتعريف بهذه الأشكال، من حيث التاريخية، ومكان الانتشار، وكذلك من حيث بنيتها الفنية، وذكر الأمثلة والنماذج عن هذه الأشكال الغنائية.

الميجانا نجمة الليالي التي لا يخلو منها مجلس غناء أو فنّ

في أصل الكلمة

التأويلات التي تناولت لفظة “ميجانا” كثيرة، مثلها مثل الأشكال الأخرى من الأغنية الشعبية، حيث تستند إمّا إلى الجذر اللغوي أو إلى نشاط الإنسان في الحياة، وبخاصة العمل، لما يقتضيه من تخفيق مشقته بالغناء، ومنها، مثلا:

“يا ما جانا”: ما أكثر ما أصابنا
“يا ماجنة”: من المجون بمعنى أيتها العابثة المستهترة
“يا ما جنى”: ما أكثر ما ظلم

“ميجنا”: من الأصل السامي “نجن” ويفيد معنى العزف على آلة طرب، ويقابله في العربية ثلاثي “نغم” القريب منه لفظاً ومعنىً مع استبدال طفيف حصل بين النون والميم؛ أمّا “منجنة” فتفيد معنى نغمة الميجنة، وهي في اللغة مدقّـة القصّار هو مبيّض الثياب. وقد كان القصّارون يتغنّون بهذا النـّوع من الغناء عند دقّهم الثياب في الغسيل على توقيع مدقتهم التي هي الميجنة.

طقسها الأدائي

الميجنا بوصفها الشكل الثاني من أشكال الموال وهو لازمة (للعتابا) تغنّى في اجتماع أو سهرة، ومن خلالها يتمّ تشجيع مغنٍّ خجول ومساعدته في التغلب على خجله فيندفع بعد ذلك للعتابا، وينتشر هذا اللون من الأغاني الشعبية في المناطق القروية، بحيث نجد أن الرجال والفتيان يحسنون تأدية هذا اللون، وقد يتنافس اثنان أو أكثر في الهجاء أو المدح، ويكون دور الجمهور في التصفيق وإظهار الاستحسان للجيد منهما، وتذكر العتابا في كسرة الميجانا أي اللازمة، كأن نقول: “حلوة العتابا بوجود حبابنا” و”حلوة العتابا مع بيوت الميجانا” و”غنوا عتابا واكسرولها ميجانا”، والجمهور يردّد” :يا ميجانا يا ميجانا يا ميجانا ضحكت حجار الدار لفيوا حبابنا”، مرتين أو أكثر حتى يتغلّب المغنّي على خجل الشروع في الغناء، وقد يتنافس اثنان أو أكثر في المحاورة، ويكون دور الجمهور في التصفيق وإظهار الاستحسان للأحسن منهما.

بنيتها

وتتألف الميجانا من بيت شعر واحد، شطره الأول “يا ميجانا” مكررة ثلاث مرات، بينما يكون شطره الثاني من أية كلمات بشرط أن تتفق مع الشطر الأول في الوزن والقافية.

يا ميجانا يا ميجانا يا ميجانا       الله معاهم وين ماراحوا حبابنا

وتبدأ الميجانا بكسرة حسب التعبير العامي الشائع وهو المطلع ويكون عبارة عن بيت شعري صدره أو شطره الأول “يا ميجانا يا ميجانا يا ميجانا” وعجزه يعود إلى هذه القافية ومستقلا بالمعنى، يكون صدر وعجز البيت الأول وصدر البيت الثاني على قافية واحدة وعجز البيت الثاني على قافية المطلع (نا)، أما الدّور فهو مؤلف من أربعة أشطر كما في العتابا تنتهي الأشطر الثلاثة الأولى إما بجناس أو بقافية واحدة ويعود الشطر الرابع للقافية العامة.

أما الميجانا فتأتي على الوزن اليعقوبي الذي تتألف دعامتاه من 24 حركة صوتية 12 في كل شطر:

يا ميجانا يا ميجانا يا ميجانا                      اعطينا عيونك تا نسـل سيوفنا

قد الحلو ما يوم قدامي خطر                  إلا ما حبو مر عَ بالي وخطر

وشو هم حبو يكون مرصود بخطر          ما دام كل الحب تعتير وهنــا

قلبي أنا كيف شكل فيني احملو               وكل ما حلو قبالي مرق بشعلو

وحتى إذا بنوم الهنا بيبصر حلو               بيشعل حريق الحب بنوم الهنا

وزنها واستخدامها للجناس

كما تقدّم، لا تأتي الميجانا إلا على “البحر اليعقوبي” المؤلّف من اثني عشر مقطعاً صوتياً، وهو المقابل لبحر “الرجز” (في أبحر الأرجاز بحرٌ يسهلُ، مستفعلن مستفعلن مستفعلن) ذلك أن لفظة ميجانا مكرّرة ثلاث مرات تحتوي على اثني عشر مقطعاً صوتياً.

في الميجانا أربع شطرات، الثلاث الأولى مجنّسة بجناس تام كالعتابا كما تقدّم، أمّا الرابعة فتنتهي بنون وألف (انـْشالله يكونوا سامعين حبابنا)، وليس هنالك ما يلزم تجنيس القوافي في الميجانا على الصعيد البديعي، رغم أن الشائع اليوم هو نظمها مجنّسة بجناس تام؛ أما إذا لم تكن مجنّسة فتسمّى عندنا “حرّاثية” لأنها درجت على لسان الحرّاثين بلا محسّن لفظي من أي نوع، من مثل:

يا رعى الله الزمان اللي مضى
كنا فيه نعيش بسرور ورضى
يا دهر ليش كويتنا بجمر الغضى
وأبعدت أخوان الصفا من بيننا

وتحتل الميجانا مكانة مرموقة في الغناء الشعبي الشامي واللبناني على وجه الخصوص فيصدح بها الشعراء ويرددها العامة في كل مناسبة وفرح وسمر وأنس ولا يخلو منها مجلس غناء أو فنّ إلا وكانت نجمة الليلة.

وهذه أمثلة من الميجانا:

الأسمر إجا قلو لقلبي مشِ مشي
ولحقو مثل شي طير طاير مش مشي
من كرم خدّو قطفت حبة مشمشة
قال لي ألف صحتين مأكول الهنا

مركب حبابي موج هالأزرق عبر
وياما عيوني بعدهم ذرفت عبر
وقلبي تعلّم من جفا حبابي عبر
هني نسوني ليش ما بنسى أنا

من علّمك من وج ولفك تنفري
حتى الدمع من مقل عيني تنفرِ
كانت عظامي بسيف لحظك تنفري
وقابل كنت بقساوتك يا ماجنة

 

مصدر -مارون عبود، "الأعمال الكاملة"، الناشر: دار الجيل للطبع والنشر لحد خاطر، "العادات والتقاليد اللبنانية"، الطبعة رقم: 1، الناشر: دار لحد خاطر
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!