“ما في نصيب”.. قضايا الخطبة والزواج في بلدان اللجوء

0
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

الشاب وسيم ولبق، لديه عمل ودخل مقبول، كما لديه طموح يسعى لأجله، تأثر بالثقافة الغربية لجهة علاقته بالمرأة واحترامها واحترام احتياجاتها. الفتاة جميلة الطلة تمتلك سحر يصعب مقاومته، إضافة لحضور ملفت وعمل جيد.

أمضت الصبية طيلة النهار في الاعتناء بالمنزل وتحضير ضيافة مميزة واختيار ثوب أنيق ليوم خاص؛ الشاب أيضاً اختار ثيابه بعناية، واتفق مع حلاقة ليأتيه للبيت، وقام بتجهيز احتياجاته بشكل مسبق، فاليوم أحد وجميع المحلات مغلقة؛ كان بغاية الحماس، سيتحدثان معاً ويتعارفان أكثر وربما يتم تحديد موعد الخطبة.

الشاب عشريني، قذفت به الحرب القذرة في بلدنا، إلى ألمانيا حيث تقيم قريبته المهاجرة منذ وقت بعيد. الصبية أيضاً لاجئة مع عائلتها، كانت ألمانيا المحطة الأخيرة بهجرتهم القسرية.

بحكم أحوال السورين في الشتات وظروف حياتهم، تُفرض معطيات لا تنسجم مع شخصية الكثير منهم وبرمجة تفكيرهم، منها ما يتعلق بالتعارف بهدف الزواج. صار التعارف عبر مواقع التواصل الاجتماعي شكلاً مألوفاً، إضافة للشكل التقليدي الذي صار هو الغالب في المهجر، وقد كان تراجع على الأقل بالنسبة للفئة المتعلمة في بلدنا، لصالح التعارف المباشر بين الشاب والفتاة في الجامعة أو المعهد أو مكان العمل.

السوريون/ات في غربتهم القسرية، كسائر المهاجرين/ات والمهجَّرين، يحاولون تكوين مجتمعهم الموازي لحماية لغتهم ودينهم، وإيجاد علاقات اجتماعية تشبه ما اعتادوا عليه، بالطبع يفضلون الزواج من سوريين/ات، أو عرب، لسهولة التواصل أولاً، وبعد أن تجاوزوا الصدمة الثقافية وتعرفوا على طبيعة العلاقات الاجتماعية والحياتية بشكل عام في البلد المضيف. هنا لا أقصد الانتقاد أو الذم، ببساطة هناك اختلاف، يدفع الراغب/ة بالاستقرار الأسري إلى الابتعاد عن رهانات غير مضمونة.

وصل الضيوف تماماً حسب الموعد، هذه المرة حظي الشاب والصبية ببعض الخصوصية، فَرَح الشاب وحماسه كان مُلفتاً، بحيث استطاع أن ينقل فرحه وحماسه لفتاته. انتهت الزيارة “بصعوبة” في ساعة متأخرة من الليل، بعد أن عبر الشاب عن رغبته في البقاء حتى موعد عمله صباح اليوم التالي. في اليوم التالي اتصلت قريبة الشاب التي رافقته، وأنهت مشروع الخطبة.

في السياق العام، الحالة عادية ومكررة ولا تضيف جديداً… “نصيب”.

من منظور مختلف وبتحليل الحالة، تتبدى السلطة الأبوية برسم مسارات حياة الأبناء حتى بأخص شؤونهم، عدم الثقة بهم وتحييد المشاعر بموضوع الزواج. وبالمقابل تعكس خضوع الأبناء “لمحبة الآباء” والتخلي عن أحلامهم.  في الواقع هو النظام الاجتماعي والسياسي لمجتمعنا العربي، بصرف النظر عن التسميات، ويتميز بمقاومة التغير والتمسك بالتقاليد البدائية واستلاب شخصية المرأة، هو امتداد للبنية القبلية لعصر ما قبل الإسلام، حداثوي شكلاً فقط، بينما المضمون والسلوك والذهنية قبلية.

في تلك الزيارة تحدثت والدة الفتاة وقريبة الشاب مطولاً، أحاديث شخصية وعامة، وتجارب وخبرات، كان بينهما العديد من المشتركات، كالموقف من النظام السوري والثورة السورية. حديث الثورة عندما يكون من شخص شارك فيها، يكون مختلف، فيه روح وحب وغصة؛ يبدأ من الحراك الثوري المدني السلمي الذي رافق البدايات، عن متظاهرين/ات يحملون الورد، اعتصامات الشموع، الإضرابات، وقتها كانت الشعارات “حرية، كرامة، دولة مدنية، سيادة القانون…”، ويمتد إلى ما آلت إليه الثورة، إلى المناطق المحررة والتجاوزات التي تشابه ممارسات النظام، إلى انتشار الفكر المتطرف كحالة دخيلة على المجتمع السوري، وفرض شعار الخلافة الإسلامية، ومحاربة الرأي المخالف؛ وهنا وقع المحظور، الولوج داخل الحرمات والمساس بالتابو المقدس.

هي حالة تتكرر يومياً بكل وقت ومكان، بطرق مختلفة، لكن الجذر واحد هو التابعية في التفكير، الإرادة المكبلة، اللون الأوحد ورفض الآخر المختلف.

وكأن القيمة المضافة التي خرج بها السوري بعد كل السنين العجاف التي عاشها كانت، التمسك أكثر بقيوده، والنأي بالنفس عن كل ما يتعلق بالشأن العام. لعله البحث عن السلام الشخصي، بوضع ستار معتم أمام الحقيقة، والابتعاد تماماً عن أي شبهة يمكن أن تعكره. الكثيرين يجدون ذلك عين الصواب.

من أساسيات التعايش، قبول الآخر.

أغلب دساتير العالم، التي تحترم الحريات وحقوق الإنسان وكرامته، تبنت ما اصطلح على تسميته “مبادئ فوق دستورية” وهي التي تضمن الحقوق الأساسية للفرد، وتمتلك حصانة خاصة تجاه التعديل أو التعليق – صون كرامة الإنسان، حق الحياة، حرية الانتماء الديني وحرية الرأي والتعبير…” تلك الحقوق باتت من المسلمات.

في حين فئات واسعة من السوريين، تقف خلف حواجز المسموح والممنوع في الحديث والحوار وحتى التفكير، تضع خطوط حمر وأسقف تعلو قليلاً وتنخفض، تحرم وتحلل، تقبل وتقصي وفق المرجعية التي تتبعها.

الكثير من السوريين يقيمون الآن في دول تحترم الحريات وحقوق الإنسان، وتعتبر كرامة الإنسان لا يُقبل المساس بها، وهذه بلا شك قيم إيجابية، لا تتعارض مع الأديان ولا النواميس الاجتماعية، ولا ترتبط بموقف سياسي، ويستفيد منها كل مقيم، مواطن أو أجنبي.

نحن كعرب نتفاخر دوماً بأننا صانعي الحضارة ومصدر كل القيم الإيجابية، أحرار نرفض الضيم ونغيث الملهوف، نكرم المرأة ونحترمها… إلى آخره من الصفات التي نجدها في الدراما السورية التاريخية فقط. آن الأوان لنسمي الأمور بمسمياتها، دون زخرفة أو مواربة، نقرأ واقعنا الأليم كما هو.

إن وصول أكثر من مليون سوري إلى أوربا وكندا وكل بقاع الأرض، بعد أن رفضت دول النخوة العربية استقبالهم، والدول التي استقبلتهم أذاقتهم شتى أشكال الذل والهوان، ألا يعتبر كل ذلك كاف، لإعادة التفكير بموروثنا الفكري والثقافي، للتفكير بحرية وذهن مفتوح دون مسلمات وتابوهات. ننقل إلى ذواتنا ومجتمعنا ثقافة الحرية والحق والكرامة كمضمون وفعل وليس مجرد لغو وشعارات.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!