ناجي العلي.. الريشة التي اغتالها كاتم الصوت

0
بقلم: عمران دالاتي

يصادف اليوم 22 تموز/ يوليو 2019، الذكرى الثانية والثلاثين لاغتيال الفنان ناجي العلي، حيث أطلق شاب مجهول النار عليه في لندن، عام 1987 فأصابه تحت عينه اليمنى، ومكث في غيبوبة حتى وفاته في 29 أغسطس 1987.

دفن في لندن، في مقبرة بروك وود الإسلامية في لندن وقبره يحمل الرقم 230190 وقبره هو القبر الوحيد الذي لا يحمل شاهداً ولكن يرتفع فوقه العلم الفلسطيني.

المولد والنشأة

في عام 1939 وفي قرية الشجرة في فلسطين الواقعة بين طبريا والناصرة، أبصرت عينا الطفل ناجي العلي النور، لا نعرف ما كان دافع والديه لتسميته “ناجي” مع أنه بعد ولادته بسبع سنين لا أكثر لم ينجُ من التهجير مع عائلته على أيدي العصابات الصهيونية، وبعدها بأقل من خمسين عاماً وفي عام 1987لم ينجُ أيضاً من رصاصة حاقدة اغتالته في أحد شوارع لندن… ربما كان الناجي الوحيد في رحلة عمره القصيرة هو فنه ولوحات الكاريكاتير التي رسمها وفضح خلالها كل الأنظمة العربية دون استثناء بدءً بالبيت الفلسطيني الداخلي مروراً بأصحاب الجلالة والفخامة وكل كاراكوزات المشهد السياسي العربي.

بعد تهجيره من فلسطين استقر مع عائلته في مخيم عين الحلوة، وذاق مرارة الاعتقال لأول مرة وهو صبي في العاشرة من عمره لنشاطاته المعادية للاحتلال، وبعدها قام الجيش اللبناني باعتقاله لأكثر من مرة. وحسب ما تذكر سيرته كانت أولى رسوماته خربشات على حيطان الزنازين التي مر فيها، حتى اكتشف أهمية رسوماته الأديب الفلسطيني غسان كنفاني وقام بنشر أولى لوحاته في مجلة “الحرية” في 25 سبتمبر 1961م.

شخصية حنظلة التي ابتدعها ناجي العلي وتمثل صبياً صغيراً يعقد يديه وراء ظهره، فقد تحول ليكون الشخصية الرئيسية في كل أعماله، وتحول ليكون بمثابة توقيع شخصي على اللوحة، وليكون الشاهد المراقب لكل ما يجري من أحداث.

تعامله مع فن الكاريكاتير

لم يكن تعامل ناجي العلي مع فن الكاريكاتير كمصدر للرزق، أو بحثاً عن متعة فنية وحسب، بل كان مشروعاً فنياً نضالياً حاول من خلاله أن يقول كلمته عبر الفن، أن يرفع من الريشة سلاحاً في وجه الطغاة واللاعبين بمصير الشعوب والكاذبين المدّعين المتنكرين بزي الثوار والمدافعين عن مصالح الفئات الشعبية، لذا جاءت لوحاته منحازة بشكل كلي إلى الفقراء والشرفاء ومهاجمة وفاضحة كل الحكام واشباههم من الساسة والزعماء، حتى أنه بات مكروهاً من الجميع وملاحقاً منهم ايضاً، لا يسكن في بلد لمدة إلا ويضطر بعدها للرحيل عنها.

لغته التعبيرية وشخوصه

تمتاز أعمال ناجي العلي بالخطوط البسيطة والواضحة، معتمداً على اللون الأسود مضافاً إلى بياض الصفحة، مستعملا تيمات وشخصيات مكررة، تتصدرها شخصية فاطمة الجميلة الشامخة التي تمثل الأم الفلسطينية/ العربية الطيبة بوجهها الحزين وجسدها الناحل الطويل، والتي رمز بها للمرأة الفلسطينية العربية المناضلة وعطائها وصلابتها، ومشاركتها الفاعلة في الأحداث ومشاركتها الإيجابية في الحوارات والمواقف.

وشخصية الرجل متعدد الأسماء، نحيل الجسم، حافي قدمين، طويل القامة، مرقّع الثياب، حافي القدمين ذو وجه مهموم ومعذّب، يرمز للرجل العربي الفقير البسيط الطيب المكافح الذي لا يجيد اللف والدوران ولا يعرف الكذب والتملق.. يكره الطائفية والمذهبية، وهو الشهيد في العديد من اللوحات، والذي يتم اغتياله بسبب الشعارات الوطنية والقومية التي يكتبها ويصرخ بها.

وعلى الطرف النقيض نجد شخصيات سماسرة القضية، والتي تمثل البعد السياسي والحاكم والتاجر والانتهازي والمستغِّل، وقد رسمها شخصيات متكرشة مترهلة، مسطحة الملامح، ترتدي الطقم الغربي وربطة العنق والبرنيطة، تشرب الخمر والسيجار، بلا رقبة ولا أقدام، غبية، خالية من معاني الإدراك والوعي، جشعة، ورمز بها لكل ما هو متعفن في حياتنا العربية.

وشخصية أبي باصم الجشع الطماع صاحب الأموال المتنقل بين الدول الأوروبية والولايات الأمريكية للاستجمام، يلبس ربطة العنق والطقم الغربي ويعيش في الفنادق الفخمة، هو نموذج المنسلخ عن وطنيته وأهله وشعبه وقضيته، وكذلك شخصية زوجة المقاول، التي تصنف نفسها من سيدات المجتمع الراقي، ايضاً هي متكرشة، لا تلبس المنديل، وتقص شعرها وتصففه وفق الموضة، وتلبس على الموضة آلميني جوب والأحذية ذات الكعب العالي، وتتزين بالخواتم والعقود والأسوار الذهبية وتشرب الخمر، وتدخن التبغ. رمز الجشع والطمع والانحلال والتفسخ.

يقبض على الحياة أينما وجدها لينقلها إلى أسطح الدنيا حيث لا مجال لترميم فجواتها ولا مجال لتستر عورتها، آمن أن مهمة الكاريكاتور تبشيرية بالأمل بالثورة وبولادة إنسان جديد.

حنظلة.. الشاهد المراقب

أما شخصية حنظلة التي ابتدعها ناجي العلي وتمثل صبياً صغيراً يعقد يديه وراء ظهره، فقد تحول ليكون الشخصية الرئيسية في كل أعماله، وتحول ليكون بمثابة توقيع شخصي على اللوحة، وليكون الشاهد المراقب لكل ما يجري من أحداث، هذه الشخصية ولدت في عام 1969م في جريدة السياسة الكويتية، وأصبحت بمثابة رمز للفلسطيني المعذب والقوي رغم كل الصعاب التي تواجهه فهو شاهد صادق على الأحداث ولا يخشى أحداً.

وعن حنظلة يقول ناجي: “ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء”. وأما عن سبب تكتيف يديه فيقو: “كتفته بعد حرب أكتوبر 1973م لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبع.”

مهمة فن الكاريكاتور

مهمة فن الكاريكاتور عند ناجي كانت كسر حاجز الخوف بين السلطة والناس، وصفته مجلة التايم قائلة: “هذا الرجل العظيم يرسم بالعظم البشري” أما صحيفة أساهي اليابانية فذكرت: “إن ناجي العلي يرسم بحامض الكبريتيك” أما هو فقد اعتبر الكلمة نوعا” من الصراخ، ووسيلة للتواصل مع الناس. لذلك اخترق كل الخطوط الحمراء، ولم يقبل أدنى مساومة، ولم يخضع لأي ابتزاز، كان صوت الحق، وريشة العدل، أراد إظهار الحقيقة ووضعها في مكان تلك المزيفة. كانت مهمة الكاريكاتور لديه تعرية الحياة بكل ما تعني الكلمة، يقبض على الحياة أينما وجدها لينقلها إلى أسطح الدنيا حيث لا مجال لترميم فجواتها ولا مجال لتستر عورتها، آمن أن مهمة الكاريكاتور تبشيرية بالأمل بالثورة وبولادة إنسان جديد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!