عيد للقبلة… أعياد للقتل

0

بقلم: رياض الصالح الحسين

/ منذ سنة صدمت امرأة وحيدة في الشارع

تلبس بذلة باهتة ولكن عينيها لامعتان

صرنا أصدقاء بسرعة

وبعد أيام تبادلنا القبلات والأحلام

وكان اسمها: س /

1/

كان اسمها: س

تحب الماء

والرحيل في زورق إلى المدن الجميلة

شعرها يتطاير مع الريح كالعصافير الخائفة

ويداها زهرتان حول عنقي

وكانت تحب غرفة صغيرة في قطار

وكتابًا لرامبو تخبئه بين ملابسها الداخلية

في حقيبة سوداء تحت السرير

وكانت، أيضًا، تحب الأعياد والأطفال

وتكره الجواسيس والقتلة القانونيين

كان اسمها: س

ضفيرتان من أوراق البرتقال والملمس الناعم

تحب الرمل والقبلة

وتحبني أيضًا:

..

“حينما كنت صغيرًا كغرسة الحمص وأليفًا كالهرة

سألتني سيارة هرمة

بعد أن لطخت وجهي بالطين:

بماذا ستغتسل في المستقبل؟

آنئذٍ، فتحت الباب ودخلتْ “س”

2/

فتحتُ لها الباب وهي خائفة

جلستْ على السرير بانفعال

نظرت إلى زوايا غرفتي كلصّة وتنهدت

ــ علينا أن نأكل كثيرًا يا صديقي ونموت

فما عاد في الأرض متسع لنا

قرأتُ لها قصيدة فبكتْ

حدثتها عن العمل

وحدثتني عن الأقفاص النظيفة

حبة برتقال واحدة

وسبعة عشر ألف متسوّل

ماذا يعني؟

خلعتْ قميصها واغتسلت وجلست على السرير

نظرتْ من النافذة الضيقة وتنهدت

غدًا من الممكن أن أنتحر

الآن علينا أن نحب.

وضعت على عينيها منديلها الملوّن ونامت

أما أنا..

فلقد نظرت إلى صدرها المتدفق بإمعان

ورقصت بلا رغبة:

..

“في التاسعة عشرة وضعت على رأسي قبعة

وحملت كلاشينكوف

أكلت السردين كثيرًا والغبار

وكنت كلما جرّدت مَنْ يقتله الأعداء مِنْ أشيائه القليلة

أجد بينها صورة فوتوغرافية لـ: س”

3/

على الرصيف تقابلنا

كانت تمزق دفتر مذكراتها وتبكي

أمسكت يدها بعنف وسرت معها

وفي زاوية ما

في مقهى ما

في شارع ما

شربنا الشاي وتبادلنا القبلات

لكن جسدها النحيل ظلّ يرتعش بقوّة

حتى خفتُ أن يتفتت

مثل كتلة من الطين لم تر الشمس

منذ ألف عام:

..

“من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي

كان جسد من أحبها معجونًا بالجراثيم

والقنابل الموقوتة

وكان قميص من أحبها مبلّلاً بالزهور

وأناشيد الرعاة.

من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي

كانت يداها تضيقان تضيقان

حتى تصبحان بحجم جثة

وعيناها تتسعان تتسعان

حتى تصبحان بحجم قبلة

وأما قلبها فبصخب كان يدقّ، وباستمرار أيضًا

تك. تك. تك:

نحن معًا في الطلقة

ونحن معًا في الأغاني

من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي

سأقول لكِ: حدثيني

عن الطفل الذي يرضع الحمّى من ثدي الأرض

عن الدروب المقفلة

عن العيون المفتوحة على جهنم

وعن الأجساد المفتوحة على البحر

سأقول لكِ حدثيني..”

..

لقد قدّمت نفسها للبحر

ببساطة وحب ولامبالاة

قدّمت نفسها للبحر

هل هذا شيء مثير للضجة؟

هل ستتحدث عنها النسوة تحت القناديل؟

هل سيحتفظ الرجل برسائلها في صندوق

بثلاثة أقفال

أم سيقدم للنار كلماتها المعذبة؟

الأمر الوحيد هو أنها قدّمت نفسها للبحر

كما تقدم الأم حلمة ثديها لأول مرة

للوليد الجديد

والبحر الواسع، الصاخب، الممتلئ

تلقف جسدها بشفتيه الرقيقتين وسكت

أما هي..

فلقد ضمّته إلى صدرها بقوة و.. عاشت

كانت امرأة وحيدة

بلا أساور أو بيت أو عشيق

ولذا قدّمت نفسها للبحر

فهل هذا شيء مثير للاهتمام؟

4/

“أصبحتُ في الثالثة والعشرين

رجل بوجنتين شاحبتين ومستاء للغاية

ودعت (س) بعد أن تركت على عنقها

دمعة حارة كالفلفل

وها أنذا أعمل لأشتري لها تفاحة ورغيفًا

ولكن ثمة من أخبرني

بأني سأجد في التفاحة دودة

وفي الرغيف صرصارًا ميّتًا

فإذا تركت الرغيف والتفاحة سأموت

وإذا أكلتهما سأموت

وفي الحالتين سأخسر نفسي

في الحالتين سأخسر س”

5/

ماذا نفعل

إذا كان ثمة عيد واحد للقبلة

وأعياد كثيرة للقتل

ماذا نفعل؟


رياض الصالح الحسين، شاعر سوري، وُلِدَ عام 1954، أصدر أربع مجموعات شعريّة: (خراب الدورة الدمويّة 1979، أساطير يوميّة 1980، بسيط كالماء واضح كطلقة مسدَّس 1982، وعل في الغابة 1984)

توفي في مستشفى المواساة بدمشق في 21/11/ 1982.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!