الفن لا يُشبع الجياع

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

من أسخف ما يمكن أن تبتلي به أمة ما، هو قطعيّة العبارات المكررة في ثقافتها، من أمثال: “الفن ما بطعمي خبز”.

بالتأكيد؛ الفنون ستجعل ممارسها يشعر بالجوع الأسطوري عندما يكون في بلد كسوريا، طبعاً إذا استثنينا جانبين من مفهوم الفن، وهما: الممثل الدرامي في التلفزيون آخر 15 سنة، والمطرب الذي ينحدر إلى مستوى موسيقي سفيه. حتى هذان النموذجان، إذا ما ارتقيا قليلاً في عملهما، فليس لهما أدنى حظوة بالحياة الجيدة.

أما المقصود بالفن الذي نتحدث عنه؛ وهو ما يرتكز في عقول الناس، فهو ممارسة الكتابة، المسرح، السينما، الرسم، الموسيقا، الرقص التعبيري. هذه الفنون التي تجعل من أي سوري أن يعيش فقيراً ويموت فقيراً مع صفة إذلالية لا يمكن تخيلها في بلاد تُحكم بالحديد والنار.

المشكلة الأكبر أن الناس التي اعتادت هذه الثقافة الترويجية، ليس فقط تساهم وتخدم الأنظمة الحاكمة في دفن الفن من أجل عدم قدرته على المساهمة الاجتماعية والثقافية، بل بتكرارهم لهذه العقلية، يساهمون بالترويج لمنظومة الاقتصاد الليبرالي التي تعتمد مبدأ واضحاً، بأن فشلك الاجتماعي وفقرك سببه أنت، وليست مجموعة القوانين والصراعات المالية والاحتكارات التي تستعبد الناس. حتى هذا المفهوم الليبرالي في دعم بعض الفنون، لا يخرج من نظرته باعتبار الفن مشروع تجاري رابح وليس فني مستقل.

فتصبح حالة البحث عن الحياة الجيدة بالنسبة للبشر تقوم على شريعة غاب، كلما كنت أكثر فساداً وحنكة استغلالية، كنت أكثر قدرة على الثراء والحياة الجيدة. ويصبح الناس عرضة بعقولهم لهذه الثقافة المهينة للجنس البشري.

المشكلة ليست فقط في موت الفن، بل تمتد أكثر في محاربة الهوس الفني لدى البعض، حيث تصبح أولوية المجتمع هي السخرية منه ومن ممارسيه. بالتأكيد؛ هناك استثناءات تقدّر العمل الفني، لكنها بطبيعة الحال لا تشكل شيئاً من مجموع المجتمع.

في سوريا، كان الفن دائماً فعلاً مُحارباً بشدة، وإلى اليوم ما زال بطريقة ما لا يحظى بالأهمية الكافية، فتاريخيته الإنجازية ارتبطت دائماً بفعل مؤسساتي سلطوي، يمنح الثراء من خلاله لمن شاء ويمنع الثراء عمّن شاء.

هذه العقلية في التهكم على ممارسي الفن، سببها الواضح هو؛ الفقر البشري، ممتزجة مع ثقافة تاريخية تنظر لمفهوم الفن الحركي أو التجسيد، أو حتى الفعل النصي خارج حدود الآلية التنفيذية للشريعة، كحالة تكفيرية يجب القضاء عليها.

هذا المزج بين التراث والإحساس الغريزي بالشبع من ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية، يخلق تدريجياً تلك الثقافة التي تعتبر كل ما هو خارج حدود الغريزة الإنسانية فعلاً كارثياً وغير مهم، ويؤدي لاستمرار الفقر والبؤس.

وبالتأكيد؛ المسألة ليست فقط في الفن، حتى الرياضة وإلى اليوم بطريقة ما، لا تحقق الشرط المعيشي الجيد، لكن بالنسبة للمجتمع، الرياضة يبقى لها قبول أكثر باعتبارها نمطاً لا يشكل خطراً توعوياً على المجتمع، بقدر ما يشكل عنصراً استهلاكياً للروح والفرح الزائف، والانتصار الوهمي. وطبعاً لا نهاجم الفعل الرياضي، إنما نشرح آليته الترفيهية بالنسبة للناس.

في سوريا، كان الفن دائماً فعلاً مُحارباً بشدة، وإلى اليوم ما زال بطريقة ما لا يحظى بالأهمية الكافية، فتاريخيته الإنجازية ارتبطت دائماً بفعل مؤسساتي سلطوي، يمنح الثراء من خلاله لمن شاء ويمنع الثراء عمّن شاء.

ربط الحالة الفنية بشكل السلطة أياً كان نوعها، لا يساهم أبداً باستقلاليته، ويصبح مثلما ذكرنا عرضة للنبذ الاجتماعي، وبطبيعة الحال في تلك المرحلة لا تصرف السلطات أي جهد في محاربة الفنون، لأن المجتمع الباحث عن حياة الغريزة الجيدة هو من يحارب الفن وممارسيه. إنه يمارس قمع متوارث من أجل البحث عن حياة أكثر استقراراً، وبالتالي؛ يمارس حالة قتل المشروع النهضوي للمجتمع، وهكذا يبقى البشر في حيّز البحث عن الغرائز التي تلبّي رغباتهم الجائعة.

إن المجتمعات المتقدمة بمستوياتها الاقتصادية دائماً، يُشكل الفن فيها النسبة الأكبر. بالتأكيد؛ ليس معنى ذلك أن تطور الفن يؤدي لعدالة اجتماعية، لكنه بوابة لنقد كل سلطة وقوة اقتصادية أو غيبية تساهم بتجهيل الناس.

إن المجتمعات المتقدمة بمستوياتها الاقتصادية دائماً، يُشكل الفن فيها النسبة الأكبر. بالتأكيد؛ ليس معنى ذلك أن تطور الفن يؤدي لعدالة اجتماعية، لكنه بوابة لنقد كل سلطة وقوة اقتصادية أو غيبية تساهم بتجهيل الناس.

احترام الفن أياً كان نوعه أو أسلوبه المدرسي أو التجريبي أو النقدي، هو بطريقة ما مساهم في بناء العالم والارتقاء الاجتماعي. حالة التجربة حتى وإن لم تنضج بشكل كافي هي الفعل الأهم لتثبيت مفهوم الفن ودوره في الحياة. قد تتأخر ثماره التطورية على مستوى المجتمع، لكن قبوله مبدئياً كفعل ضروري وممارس بالنسبة للبشر، هو الحالة الأكثر أهمية اليوم.

في ثقافة سوريا التاريخية، الجميع يريد لأبنائه أن يكونوا محامين وأطباء ومهندسين، لكن لا أحد يريد لأبنائه أن يكونوا رسامين أو كُتّاب أو سينمائيين. لأن الفن لا يُشبع الجياع.

علاقة الفن بنقد السلطة، هي من تجعل الفن يشبع الجياع، المسألة ليست فقط في تحطيم الصنمية السلطوية، إن العلاقة متبادلة، انتشار الفنون، يقوض دعائم  أي سلطة، وإسقاط السلطة لا يعني تطور الفنون بشكل قطعي. إنها تغيير التفكير الإنساني بمفهوم الفن وتاريخيته وإرثه الثقافي.

عندما نؤمن بحركة الفن بكل أشكاله في حياتنا، لا نساهم فقط بتطور المجتمع، بل نحمي خيالاتنا وذاكرتنا من التلاشي وراء البحث عن الإشباع والثراء الفاسد. الفن ليس كفراً وليس انحطاطاً أخلاقياً. العبارة السابقة هي ببساطة قد زُرعت بعقول الناس من خلال ترويج سلطوي، عندما يكون ممارس الفن خارج حدود آلية السلطة.

الفن يشبع الجياع، ويقوّض الاستبداد عندما يمارس تجربته الفردية الخاصة دون الخضوع لشكل المؤسسة.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!