الإنسانية تتفكّه بمستقبلها.. جنون التكنولوجيا تتحدى الذات

0
الأيام السورية؛ علي الأعرج

منذ فترة تم إصدار تطبيق جديد على الهواتف الذكية يُدعى Face App، وهو عبارة عن تطبيق يمكن من خلال الصورة الشخصية للمرء، أن يُعالجها ليصنع له أكبر قدر من التشابه في عمر متقدم.

فكرة التطبيق قد تكون مسلية نوعاً ما بالنسبة للبعض، مع أنها تحمل جانباً رغم تهكميته لا يخلو من إحساس بالألم القريب إن كان بمستوى الشكل وإن كان بفكرة التقادم الزمني التي تكون على وشك الانتهاء.

بالتأكيد؛ هي فكرة مثل جمع أفكار التطبيقات السابقة التي انتشرت في فترة وانتهت، ومثل كل التطبيقات اللاحقة التي ستأتي أيضاً وتنتهي، وتطبيق الفيس آب ليس خارج هذه المعادلة، سيأتي وقت قريب ولن يستخدمه أحد بعد إرواء الناس لذلك العطش المجنون لشيء جديد كما هي عادتهم.

لكن؛ ما استوقفني في هذا المد الشاسع لاستخدام التطبيق عند الناس وسماع ضحكاتهم على أشكالهم المستقبلية، والاستهزاء بأنفسهم أحياناً من خلال ما سيكونون عليه من تجاعيد وإنهاك، جعلني أنظر للموضوع من زاوية أخرى، وهو إحساسهم الشخصي باللاجدوى من اللحظة المعاشة، رغم أنّ الأمر يمكن أن يكون طريقة عكسية من إثبات الذات بلحظة الأمان الحالي كعمر شبابي، أو حتى الرغبة بالتحدي، أو إذا أردنا أن نطلق المخيلة الراديكالية فيمكن القول؛ هي الرغبة بالعبور نحو الزمن لمعرفة الذات شكلياً في المستقبل.

لكني شعرت أن الأمر مرتبط بالسخرية من الجسد بشكل غير واعي في الدرجة الأولى، وبترابط خفي حول الرغبة الضمنية بالانتهاء.

وكي أكون صادقاً لنقل الفكرة، رغم أنّ البعض يمكن أن يعتبرها تحليلاً ذاتياً، وقبل أن أبدأ بكتابة هذا المقال؛ في أحد جروبات الواتس مع بعض الأصدقاء، وفي سهرة ليلية كانوا يرسلون صورهم بعد تعديلها على التطبيق، وتعليقات السخرية والضحك اتجاه أنفسهم. حمّلت التطبيق لتجربته من أجل أن أشعر بردّ فعلي اتجاه الأمر، لكن النتيجة لم تكن مرضية أبداً.

في البداية انتابتني نوبة ضحك لما سأكون عليه، لكن بعد تأمل في مستقبلي لمدة ربع ساعة، أحسست بتشنج وجفاف في البلعوم. وأول سؤال خطر لي بلحظة التأمل تلك: “عندما أصبح في ذلك العمر وبذلك الشكل، ما الذي يجب أن أفعله؟”.

فكرة التطبيق قد تكون مسلية نوعاً ما بالنسبة للبعض، مع أنها تحمل جانباً رغم تهكميته لا يخلو من إحساس بالألم القريب إن كان بمستوى الشكل وإن كان بفكرة التقادم الزمني التي تكون على وشك الانتهاء.

كانت إمكانية الجواب مستحيلة، لأنه فعلياً لا شيء سوى تمضية الوقت وانتظار النهاية.

شعرت بعيوني في الصورة المستقبلية وكأنها تراقب العالم الفتي الذي سأعاصره دون أن أكون جزءاً منه ومن فعله التطوري وحياته الجنونية. أحسست بشكلي المستقبلي؛ وهو يختزن كل تجارب الألم والوعي القاسي التي خضتها ولا أستطيع التعبير عنها، سوى أنها ماكثة في داخلي وتنتظر رحيلها مثل ذلك الوجه المجعد والمُتعب.

وفهمت بأن ضحك الناس من أنفسهم لأنهم لا يأخذون وقتهم في تأمل صورهم في المستقبل بعمق، لم يشعروا بعمق الكارثة التي تنتظرهم، والتساؤلات التي يمكن أن تقفز إلى مخيلاتهم، وربما السؤال الأهم: عندما نصبح كذلك فمن نحن؟ وما نصنع بكل هذا الوجود المهدور في وجوهنا المحفّرة؟.

إن مجرد فكرة الإحساس بتسارع الزمن لنكون كذلك قد تصيب أي شخص فتي يعيش الآن بالجنون، شخص ما زال مقتنعاً بطريقة ما أنه لن يصل إلى ذلك الحد رغم كل ما يتبجح به من تصالحه مع فكرة النهاية.

هنا لا نتحدث عن الموت أو الإيمان، الذي هو أمر طبيعي لدى الناس، ولن يتزعزع بفكرة الرحيل الأبدي، بل نتحدث عن الشعور بإهدار كل شيء في مسائل سخيفة، عمر كامل من المتع والتسكع والجنس والفرح والغضب والتفكير والتحليل والقفز والنضال والحرية والصراع، ثم ماذا بعد؟.

ببساطة، أشخاص مجعدين منهكين في حياة استهلكتهم وأثْرت غيرهم، وجعلتهم مقتنعين بأنهم قاموا بحيواتهم على أكمل وجه، وها هم ينتظرون موتهم الهادئ، ويشعرون بأن الحياة عبارة عن لا شيء. في تلك اللحظة لا يملكون سوى خيارين، إما أن يعمّقوا إيمانهم الآخروي ليرحلوا بهدوء، وإما أن يضحكوا من تلك السخافة المثيرة في الحياة ويموتوا باسمين من اللاجدوى لكل ما فُعِل.

ربما كان Face App مجرد تطبيق مثل غيره من آلاف التطبيقات، لكنه ليس تطبيقاً للسخرية والضحك، إنه فعلياً يحتاج بعض التأمل في صورة الذات إذا ما كبرت.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!